4‏/5‏/2011

تجار كورنيش المزرعة «غاضبون»


لم يعد تجار كورنيش المزرعة يأملون خيراً، و«غضبهم» من تهديد استمرارية أعمالهم الموجودة منذ سنوات، حقيقي، ويطغى على أسباب اختراع يوم أطلق عليه اسم «يوم غضب الأهالي»

رشا أبو زكي

إنه خط تماس دائم، على اليمين يرابط أنصار 8 آذار في بربور، وعلى الشمال يرابط أنصار 14 آذار في الطريق الجديدة، وما بينهما يمتد كورنيش المزرعة، وعلى أطرافه تمتد مئات المحال والمؤسسات التجارية... شارع «منحوس»، يقول أبو مصطفى؛ فمنذ سنوات لم ينعم أهالي هذه المنطقة وتجارها بالأمن. خلافات دائمة، إطلاق نار، تكسير للمحال، حجارة، ذعر، إغلاق للمؤسسات. أما يوم «غضب الأهالي» فـ«لا علاقة لأهالي المنطقة به». ويسأل أبو مصطفى: «غضب؟ وهل من يغضب على نفسه؟ وهل من يُقلق أبناءه؟ وهل من يغلق باب رزقه في بلد يضيق على كل ما هو منتج؟».
الحديث عن الأضرار في هذه المنطقة ليس نمطياً، فهنا كل يوم تغلق فيه المؤسسات هو مشكلة، أما الأزمة ففي الأيام التي تلي الإضرابات، إذ تبقى التداعيات على الحركة التجارية أياماً. والمنطقة تصبح فجأة منطقة حياد سلبي، لا يقصدها المواطنون إلا في حالات الضرورة. فاليوم الذي أطلقت عليه قوى 14 آذار اسم يوم «الغضب الشعبي»، بدأ منذ التاسعة صباحاً. معظم أصحاب المحال الواقعة عند كورنيش المزرعة بين جسر الكولا وجسر البربير لم يأتوا إلى عملهم أصلاً؛ «فقد أصبح لدينا خبرة أمنية» يقول أبو محمد، منطقة بربور ـــــ الطريق الجديدة عبارة عن بؤر توتر دائمة، والمشاكل تبدأ من هنا وتمتد إلى أحياء بيروت.
«جبهة الطريق الجديدة»
بعض أصحاب المؤسسات في «جبهة الطريق الجديدة» المطلة على كورنيش المزرعة «جربوا حظهم»، قدموا إلى محالهم، حاولوا إقناع أنفسهم بأن «يوم الغضب» سيكون هادئاً، فباغتهم شباب يستعدون لإشهار «غضبهم» عند التاسعة صباحاً، وطلبوا من جميع المؤسسات إغلاق أبوابها. «الجمود يمتد عادة حتى نهاية الشهر، إذ لا يتوجه المواطنون لشراء السلع الإلكترونية خلال الأزمات»، وصاحب إحدى المؤسسات، خالد قباني، سيغلق محله إذا استمر الوضع الأمني على هذا السوء، لا بل لن يفتح محلاً مماثلاً في منطقة أخرى، بل «سأغيّر المصلحة أو أهاجر إلى بلد آخر». فقد أقفل خلال السنتين الماضيتين ستة محال في كورنيش المزرعة، وتحديداً بين جسر الكولا وجسر البربير. أما السبب فهو التوترات الأمنية المتواصلة، وما يُخيف قباني هو أن هذه المحال هي مؤسسات إلكترونيات، «إذ يفضل المواطنون الذهاب إلى مناطق أكثر أمناً لشراء سلع إلكترونية؛ إذ لا أحد مستعد للمخاطرة بحياته من أجل«كومبيوتر»! إضافة إلى المحال الستة، أقفل محل للعصير بعد ثمانية أشهر من افتتاحه فقط، وأغلق مطعم بعد 9 أشهر من افتتاحه، فيما ستُغلَق ثلاثة محال قبل الصيف المقبل، على الرغم من ضخامة حجم استثماراتها، «فالتجارة لا تتآلف مع الصراعات». في«جبهة الطريق الجديدة» على كورنيش المزرعة كذلك، افتتح «غلاييني للمعجنات» محله منذ 9 سنوات، يهمس خالد غلاييني: «رح يخلونا نشحد»، إذ إن الخسائر اليومية لإغلاق المحل هي 300 ألف ليرة، من دون ذكر الأرباح الناتجة من المبيع. يمتد تأثير التوتر في المنطقة إلى ما يقل عن 10 أيام بعد انتهاء«المعارك». ويوضح غلاييني أن حركة العمل لديه تتأثر حتى بالمناوشات السياسية على التلفاز، إذ غالباً ما يتخوف الناس في المنطقة من التحركات المفاجئة. «اللبناني اعتاد التكيّف مع الواقع»، يقول إياد ناطور صاحب مطعم «عالفخار»، والمطعم الذي اختير موقعه على الكورنيش «بسبب الكثافة السكانية» تعثّر بالتوتر على جبهة الطريق الجديدة ـــــ بربور. ويلفت ناطور إلى أن خيار الإغلاق ليس وارداً، فـ«نحن نعوّل على هدوء الأوضاع».
خسائر شركة نعمان لقطع السيارات يومياً هي ما بين 500 وألف دولار، وبلال عبود الموظف في الشركة يؤكد أن بطء حركة المبيع بدأ منذ أن نزلت قوى الحريري إلى الشارع الخميس الماضي، وتطورت مع «يوم الغضب» أول من أمس، لتصبح الحركة شبه معدومة حالياً. «فالناس خائفون» يقول نعمان، ويستمر الخوف عادة أسبوعاً إلى أسبوعين «بحسب خطورة الإشكال». ويشير إلى أنه مع كل إشكال يحصل في المنطقة «أفكر في الانتقال إلى منطقة أخرى، أو الهجرة نهائياً من لبنان».
شارع واحد يفصل بين ضفتي الكورنيش، وإن كان الصراع السياسي ـــــ المذهبي يجعل كل ضفة جزيرة، إلا أن الوضع التجاري يوحّد التجار والأهالي، «لا أدعو إلا إلى إحلال الأمن»، يقول صاحب محل للأدوات المنزلية، خليل الغول. فكل يوم توتر يؤثر سلباً على دوامة العمل، وإن كان المحل موجوداً منذ 50 عاماً، إلا أن الإشكالات تجعله متراساً على خط التماس! وقبل أن يتحدث صاحب مطعم أبو أحمد عن مخاوفه، يقول بغضب: «عن الأضرار لا تسألي»، فمنذ انتهاء الحرب الأهلية لم يشهد المطعم جموداً كالذي يشهده خلال السنوات القليلة الماضية. ويلفت أبو أحمد إلى أن وضع المبيعات غير طبيعي، وسيستمر كما العادة إلى أسبوع أو أسبوعين.
6 آلاف دولار، هو حجم الخسارة التي منيت بها مؤسسة عبد طحان بعد إغلاق فرعها في كورنيش المزرعة أول من أمس. ويقول المسؤول عن الفرع محمد محمد إن أمنيته الوحيدة في ظروف كهذه أن تتوقف المناكفات، «فالناس خائفون جداً، والحركة بطيئة جداً، وإن حل الهدوء، فلا يمكن أحداً أن يضمن استمراره». أما مصطفى عيتاني صاحب محال العيتاني للأدوات الكهربائية فلا يمكنه حصر الخسائر «فهي تتراكم مع كل الأشكال، إلا أننا نستطيع القول إن عملنا سيتوقف حتى نهاية الأسبوع المقبل»... وفي ظروف كهذه، تصدير الشباب تكون المهنة الأكثر رواجاً، إذ يشير عبد الرحمن سلام صاحب شركة سلامكو للسفريات إلى أنه حين تتزايد الإشكالات في المنطقة، ترتفع نسبة الحجوزات، وخصوصاً من فئة الشباب.


تعطيل المدارس... «سياسي»

عادت، أمس، الحياة التربوية بحذر إلى بعض مدارس العاصمة والمناطق. لا تعطيل ولا دراسة عادية. المدارس الرسمية فتحت أبوابها، لكن «التلامذة فلوا بكير»، فيما حسمت بعض إدارات المدارس الخاصة سلفاً الإقفال يوم أمس، تحسباً لأي مفاجآت في الشارع، ومن هذه المدارس مدارس البعثة العلمانية الفرنسية ومدارس مؤسسة الحريري.
وفيما ينتظر أن تستأنف الدراسة اليوم في المدارس والجامعات اللبنانية، اتخذ التعطيل في مدارس صيدا، أمس، أبعاداً سياسية. فقد أعلن تجمع مديري المؤسسات التربوية في صيدا إقفال المدارس في المدينة، أمس، احتجاجاً على ما وصفه «بالحالة الغريبة التي تخيم على البلاد وما لها من تأثيرات سلبية على عقول أولادنا وأفكارهم». ثم أصدر التجمع بياناً أمس دعا فيه الطلاب إلى «العودة إلى مدارسهم، اليوم، وبدء يومهم برفع العلم اللبناني والنشيد الوطني».
الطرف الآخر، أي التنظيم الشعبي الناصري، وضع القرار في خانة «استغلال القطاع التربوي لغايات سياسية». وعقدت اللجنة التربوية في اللقاء الوطني الديموقراطي اجتماعاً تربوياً توقف عند «النتائج السلبية للإقفال». ورأى النقابي عصمت قواص في بيان تلاه عقب الاجتماع أنّ إقدام جمعية المقاصد وعدد من مديري المدارس الرسمية على إقفال أبوابها في وجه التلامذة، يوم الثلاثاء، أتى بتغطية من وزارة التربية.

العدد ١٣٢٥ الخميس ٢٧ كانون الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق