4‏/9‏/2011

وزراء المال يستبيحون حقوق المـوظّفين: صندوق أسود بـ 32 مليار ليرة



ينصّ القانون على توزيع الغرامات على الشكل الآتي: 70 في المئة للخزينة، و30 في المئة للموظفين الحصّة الكبرى من التوزيعات تذهب إلى المستشارين وموظّفي UNDP في الوزارة، وصولاً إلى السرايا الحكومية حاجب لدى السنيورة وأزعور حصل على 135 مليوناً و50 ألف ليرة من حصص موظفي الوزارة يبقى تسجيل دفع 31 ملياراً و421 مليون ليرة باسم أمين صندوق الخزينة المركزي لغزاً حقيقياً
رشا أبو زكي
العملية موثّقة بالأسماء والأرقام. منذ عام 1997، يستولي وزراء المال على مبالغ من حصص الغرامات التي يفترض أن توزّع على الموظفين، فيوزّعونها على مجموعة من المقرّبين منهم. والمدهش أن هذه التوزيعات خرجت من باب الوزارة، لتطال أيضاً المحظيّين من المقرّبين من مجلس الوزراء ومن مؤسسات تابعة للوزارة ولأشخاص مجهولين. أن يحصل، مثلاً، حاجب مكتب رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة على مبلغ 135 مليون ليرة كإكرامية بعد اقتطاعها من حصص الموظفين، فهذا مثال صارخ على الاستباحة. سطو لا يمكن أن تكشف كل تفاصيله إلا عبر وضع الوزراء أمام المحاكم.
إليكم القصة الكاملة المستندة إلى قيود وزارة المال الحافلة بالمخالفات:
في القانون
في عام 2000، نص قانون الموازنة العامة على إلزامية اقتطاع نسبة من الغرامات التي تحققها مديرية المالية العامة في وزارة المال، على أن توزع هذه الاقتطاعات على الموظفين العاملين في هذه المديرية. فيوزّع حاصل الغرامات المفروضة على الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة والرسوم المماثلة لها على الشكل الآتي: 70 في المئة للخزينة، و30 في المئة للموظفين.أما حصص الموظفين (أي الـ 30 في المئة)، فتوزّع كالآتي: 7 حصص للمدير العام لوزارة المال. 6 حصص لمفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان وموظّفي الفئة الثانية. 5 حصص لموظّفي الفئة الثالثة في مديرية المالية العامة وفي مفوضية الحكومة لدى مصرف لبنان. 4 حصص لمراقب ضرائب، مراقب جباية، محتسب، محاسب في مديرية المالية العامة ومفوضية الحكومة لدى مصرف لبنان. حصّتان ونصف لباقي موظّفي الفئة الرابعة في مديرية المالية العامة ومفوضية الحكومة في مصرف لبنان. وحصة ونصف لموظفي الفئة الخامسة والأجراء والمتعاقدين... وقد حصر القانون عملية الإفادة من الغرامات بالعاملين فعلياً في ملاك مديرية المالية العامة ومفوضية الحكومة لدى مصرف لبنان، من موظفين دائمين وموظفين مؤقتين وأجراء ومتعاقدين دون سواهم... كما شدّد القانون على أن إفادة أي عامل آخر في مديرية المالية العامة ومفوضية الحكومة لدى مصرف لبنان، أو مستشار لدى الوزير، تستوجب إصدار قانون عملاً بمبدأ الموازاة في الشكل.
صندوق أسود
ولكن تفيد المعلومات في وزارة المال بأن حصص الموظفين من الغرامات تحولت الى صندوق أسود بأيدي وزراء المال. وتلفت الى أن آلية زهق حقوق الموظفين القانونية تتم عبر اقتطاع نسبة من مستحقات الموظفين من الغرامات التي تحصّلها الوزارة مرتين سنوياً، فيبقى في صندوق الغرامات أموال يخصصها وزراء المال لتوزيع المكافآت، أو لدفع رواتب مياومين وأجراء وعاملين لديهم لا في الوزارة. وتوضح المعلومات أن الحصة الكبرى من التوزيعات تذهب الى المستشارين، وإلى العاملين في المركز الآلي الإلكتروني، وإلى المعهد المالي، وإلى موظفي UNDP في الوزارة... وصولاً إلى السرايا الحكومية. ويعود عدم احتجاج الموظّفين إلى أسباب عدة، أهمها أن نسبة الاقتطاعات (التي تؤخذ من حصص حوالى 1900 موظف يحق لهم الإفادة من الغرامات) ليست كبيرة، إلا أنّ تراكمها هو الذي يجعل حجمها ضخماً، ليصبح الاستيلاء عليها جرماً حقيقياً. وقد وصل حجم الغرامات التي توزّع على دفعتين سنويّاً، في العامين الأخيرين، الى حوالى مليار و800 مليون ليرة. أمّا حجم الاقتطاعات غير القانونية من حصص الموظفين، فيتعدّى العشرين في المئة.
أتعاب المستشارين
يجيز القانون للوزراء الاستعانة بمستشار أو أكثر، شرط أن لا يتجاوز مجموع بدلات أتعاب المستشارين مبلغ 36 مليون ليرة لبنانية سنوياً، على أن يُلحظ ذلك في موازنة الوزارة. إلا أنّ عدداً من وزراء المال المتعاقبين منذ عام 1997 حتى عام 2008 لم يلتزم بالقيمة التي يفرضها القانون لدفعها للمستشارين، فعمد ستّة وزراء للمال خلال هذه الفترة الى إنفاق حوالى 452 مليون ليرة على المستشارين وحدهم.واللافت أن عدم الالتزام بهذه القيمة حصل على مدى 4 سنوات متتالية في عهد وزيرين للمال، هما فؤاد السنيورة وجورج قرم. الأوّل دفع في عام 2001 مبلغ 45 مليوناً و800 ألف ليرة لمستشاريه، متجاوزاً ما ينصّ عليه القانون بقيمة 9 ملايين ليرة، كما دفع في عام 2002 مبلغ 51 مليون ليرة، ليتجاوز الرقم القانوني بقيمة 15 مليون ليرة... أمّا قرم، فتجاوز في عام 1999 المبلغ المرصود للمستشارين بقيمة الضعف، إذ دفع 72 مليون ليرة لمستشاريه، فيما دفع في عام 2000 حوالى 45 مليوناً و800 ألف ليرة، متجاوزاً الرقم المرصود قانوناً (36 مليون ليرة) بحوالى 9 ملايين ليرة.والجدير ذكره في الإطار نفسه، أن كلّاً من ميشال ضعون وعبد العزيز حليس، المعتمدين مستشارين للوزيرين السنيورة وجهاد أزعور، حصلا على الحصة الكبرى من المبالغ المخصصة للمستشارين، فتقاضى ضعون خلال عمله مع الوزيرين المذكورين مبلغ 106 ملايين و600 ألف ليرة، فيما تقاضى حليس مبلغ 72 مليون ليرة!لكن المفارقة أن الوزيرين جهاد أزعور ومحمد شطح التزما خلال ولايتهما (2006 /2007 /2008/ 2009) بمبلغ 36 مليون ليرة من دون زيادة أو نقصان... أما السنيورة، فخالف القانون مرتين، إلا أنه التزم ثلاث مرات بسقف القانون، فدفع أقل من 36 مليون ليرة لمستشاريه خلال سنوات 1997 (30،7 مليون ليرة)، 2003 (30 مليون ليرة) و2004 (27،3 مليون ليرة)... إلا أنّ التدقيق يبيّن أنّ هناك سبباً وراء هذا الالتزام الدقيق بالقانون.
السطو على أموال الموظّفين
الالتزام الواضح من قبل أزعور وشطح والسنيورة (أحياناً) سببه اكتشافهم «حنفية أموال» في وزارة المال، وهي «حنفية» حصص موظفي مديرية المالية العامة من الغرامات. فقد عمد الوزراء الثلاثة إلى تخصيص إكراميات لـ«جماعتهم» من الأموال المستحقة للموظفين، فعمدوا الى دفع مليارات الليرات من حساب حصة الموظفين من الغرامات لأشخاص لا حق لهم بقبض حصص من الغرامات، وبتعليمات منهم شخصياً بمخالفة فاضحة لأحكام النص القانوني الذي يحدد أصول توزيع حصص الغرامات على موظفي المديرية ومفوضي الوزارة في مصرف لبنان حصراً.فمستشارا أزعور والسنيورة، ميشال ضعون وعبد العزيز حليس، اللذان حصلا على مبالغ لافتة من الوزيرين بصفتهما مستشارين، حصلا أيضاً على مبالغ من حصّة موظفي وزارة المال من الغرامات، وقيمة هذه «الإكراميات» التي صرفت من حقوق الموظفين ليست ضئيلة، إذ حصل حليس، على دفعات، على مبلغ 18 مليون ليرة من حصص الموظفين للغرامات، فيما ضعون (الذي تقاعد من الوزارة في عام 1993 ولم يعد موظفاً منذ ذلك الوقت) حصل على مبلغ 73 مليوناً و50 ألف ليرة على دفعات.
إكراميّة حاجب السنيورة بالملايين
إضافة إلى ما تقاضاه المستشارون، دفع السنيورة لمدير الموازنة ومراقبة عقد النفقات إلياس شربل في 29 أيلول 2004 مبلغ ثلاثة ملايين ليرة، كمكافآت مالية من «حساب حصص غرامات الموظفين»، إضافة إلى ما قبضه من مكافآت وغرامات كموظف، ومن دون وجه حق، وذلك قبل أن تنتهي ولاية السنيورة بشهر واحد। كما دفع السنيورة كذلك الى حاجب مكتبه بسام بهلوان (غير موظّف في الوزارة) مبلغ 3 ملايين و200 ألف ليرة من حصة غرامات موظّفي الوزارة أيضاً। هذا المبلغ دفعه السنيورة على 6 دفعات، 5 منها حصلت في اليوم نفسه، أي في 31 كانون الأول 2001، والسادسة في 10 تشرين الأول 2002.أما الفضيحة الكبرى، فهي أن عدنان سرحان، وهو حاجب لدى الوزيرين السنيورة وأزعور وغير موظّف في الوزراة، حصل على 135 مليوناً و50 ألف ليرة من حصص موظفي الوزارة من الغرامات. وتؤكد مصادر الوزارة أن كلا الوزيرين سجّلا في قيود الوزارة أن سرحان هو معتمد قبض، إلا أنّ هذا الادعاء لا أساس له من الصحة لأنه ليس موظفاً، ومن المرجح بحسب المصادر أن هذا المبلغ سجّل على اسم سرحان، فيما قبضه آخرون!ومن الحجّاب الى سكرتيرة أزعور التي حصلت على 93 مليوناً و300 ألف ليرة، من حصة غرامات الموظفين، لا من حساب المستشارين، علماً بأنها ليست موظفة في مديرية المالية العامة... أمّا سكرتيرة شطح، فلم تكن أقلّ حظّاً، إذ حصلت على 9 ملايين و500 ألف ليرة من حصة الموظفين للغرامات، رغم أنها غير موظفة



إلا أنّ الأعطيات تجاوزت أبواب وزارة المال. فقد حصل أيضاً بعض الموظّفين في السرايا الحكومية على مبالغ من حصص الموظفين من الغرامات، وذلك بطريقة غير قانونية، بموجب العملية رقم 22728، رقم الأمر 11704290-21-08 تاريخ 7/6/2008. كما قبضت لمياء المبيض بساط، وهي مديرة المعهد المالي، أموالاً من «حساب حصص غرامات الموظفين» من دون وجه حق، وقد وصلت هذه الأموال الى 5 ملايين و800 ألف ليرة، وذلك على دفعتين: الأولى في عهد السنيورة في عام 2001، والثانية في عهد الوزير شطح في عام 2008.واللافت في إطار المدفوعات غير القانونية، التي تتم من حصص موظفي الوزارة، هو دفع مليوني ليرة كإكرامية الى إحدى الموظفات في عهد الوزير السنيورة، ومبلغ آخر لنبيل مبيض بقيمة 42 مليوناً و680 ألف ليرة في عهد الوزير أزعور!وإذا كان الوزراء الثلاثة قد عمدوا الى الاستيلاء على الأمانات، ودفع الإكراميات ورواتب المستشارين والمحسوبين عليهم من مستحقات موظفي الوزارة، فإن تسجيل دفع 31 ملياراً و421 مليون ليرة باسم أمين صندوق الخزينة المركزي هو لغز حقيقي! إذ يوجد في الوزارة معتمدو قبض يوزعون الحصص على الموظفين، إلا أن هذا المبلغ الضخم سجل على مدى 11 سنة باسم أمين الصندوق من دون تحديد أي اسم من الأسماء المستفيدة من هذه الحصص. لا بل تبيِّن وثائق الوزارة أنه في عام 1999 دُفع الى أمين صندوق الخزينة ثلاث دفعات بقيمة 28 مليوناً و300 ألف ليرة من دون وجود رقم «أمر بالدفع». كما برز في قيود الوزارة بند في عام 1999 تحت عنوان «حصة الموظفين من الغرامات»، وهو بقيمة 23 مليوناً و221 ألف ليرة من دون تحديد هوية المستفيدين.




«على الساعة»
«لا أذكر هذا الموضوع، لكنّ هناك عدداً من الموظفين يعملون «على الساعة»، وهم الأكثر ضعفاً في الوزارة ولا يتمتّعون بأي ضمانات اجتماعيّة، وهم غير موظّفين في الملاك। فاقتطعت جزءاً من حصص الموظفين وقدمت لهم مكافآت بمبالغ قليلة»... ولكن ماذا عن سكرتيرتك الخاصة التي حصلت على أكثر من 93 مليون ليرة؟ يجيب أزعور: «إنها تعمل أيضاً «على الساعة»، ولم يكن لديها راتب خاص في الوزارة. الموضوع ليس سوى جزء من أمور روتينية كان يقوم بها جميع وزراء المال من دون استثناء»... ويتابع أزعور: «مكتب الوزير والمدير العام مكتب واحد، ورزق عاملة في المديرية العامة كون القلم واحداً، وهو قلم الوزير والمدير العام، وهي موظفة مؤقتة ومشمولة بالقانون» (طبعاً رزق ليست موظفة مؤقتة، بل هي ليست موظّفة أبداً لا بدوام كامل ولا مؤقت. كما أنها (بحسب أزعور نفسه) ليست مرتبطة بالوزارة بأي عقد عمل)!




«توزيعة قائمة»
«لا أذكر الموضوع جيداً، لكن ما أذكره أنه كان هناك «توزيعة قائمة» ومتبعة من قبلي، وأنا استمررت في العمل على القاعدة نفسها، وهي أنه كان هناك العديد من الموظفين خارج الملاك الذين تخصص لهم مكافآت... لكن لا أذكر ما هي هذه القاعدة».



مكافآت
«الآليّة التي كانت متّبعة في الوزارة تقوم على استخدام جزء من حصص الموظفين من الغرامات لدفعها كمكافآت للموظفين الذين يعملون «بالساعة»، لأنهم كانوا يحصلون على أجور متدنّية ويعملون ساعات طويلة».
العدد ١٤١٥ الخميس ١٩ أيار ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق