4‏/9‏/2011

هذا هو الجيل الثاني من الاقتصاديين

هل يؤسس الشباب لمرحلة التحرر من الأساطير المؤسّسة؟


يعاني الإعلام اللبناني عموماً من التسطيح الواسع للسجال الاقتصادي، ربما بغرض أداء وظيفة الدعم لاستمرارية النموذج القائم، وهو نموذج يستمد بعضاً من قوّته عبر الترويج لأساطير لا تمتّ بصلة إلى الواقع، ولا تستند إلى أي سند علمي أو منطقي... قد يكون هذا هو السبب الكامن وراء تجاهل الإعلام لإسهامات شريحة واسعة من الاقتصاديين الشباب وإبعادهم عن حقل التأثير على الرأي العام
رشا أبو زكي
مر الاقتصاد اللبناني بتقلّبات عديدة، إلا أنّ انقسام «الاقتصاديين» قبل الحرب بقي انقساماً مدرسياً، وأنتج باحثين مشهورين؛ لأنهم ينتمون إلى هذه المدرسة أو تلك... لكن تأثير هؤلاء تراجع كثيراً خلال الحرب الأهلية، ولم يفلح معظمهم في التأثير على اتجاهات المرحلة التي تلت توقّف الأعمال الحربية، أو ما أُطلق عليه «مرحلة الإعمار»، فأخليت الساحة تماماً لمروّجي ثقافة «البزنس» على حساب ثقافة «الاقتصاد»، وهو ما أدّى إلى تهميش جيل جديد من الاقتصاديين عاصروا هذه المرحلة بالكثير من الأبحاث والدراسات المهملة.
يهدف هذا الاستطلاع إلى البحث عن الأطر الفكرية ومنهجية البحث التي ينطلق منها الباحثون الشباب في تعاملهم مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي والمالي لاستقراء مستقبل الخطط الاقتصادية والاجتماعية التي سترسم وجه لبنان المستقبل، وخصوصاً أن دراسات هؤلاء يحكمها غلاف مختلف عن الدراسات الموجودة في التداول، غلاف شبابي ذو نكهة تغييرية، وإن اختلفوا في وجهة ذاك التغيير. أما المضمون فيتميز بسلاسة تبعد الاقتصاد عن التحجّر، وتقرب الرأي العام من فهم مصطلحاته... فماذا يقول المحللون الشباب في الاقتصاد اللبناني؟ ما الذي يريدونه تحديداً؟ وما هي هواجسهم ومنطلقات أبحاثهم؟ وهل دخلوا إلى سوق الدراسات بزخم؟ أم أن الجيل السابق لا يزال يسيطر على مفاصل هذه السوق؟



الترك: النهج العلمي فقط لا غير
تقول الباحثة في القطاع المالي والمصرفي ريما الترك إنها تنطلق في أبحاثها وتحليلاتها من زوايا علمية بحتة، مبنية على أرقام وبيانات، من خلالها تُعدّ تحليلاتها وتخرج باستنتاجات تؤسس لدراسات وتحاليل مبنية على أسس علمية واضحة. أما طريقة عرض هذه الأبحاث والدراسات، فهي سهلة لكي يفهم الرأي العام المشكلة وطريقة الحل، وذلك بهدف الوصول بالرسالة الاقتصادية والاجتماعية إلى أكبر قاعدة من القراء الذين لا يتمتعون جميعاً بخلفية اقتصادية، كذلك ليس من الضروري أن يكون هؤلاء مطلعين على المصطلحات والأمور المالية التقنية. وتشدد الترك على أنه ليس من «الشطارة» استخدام مصطلحات صعبة في الأبحاث المالية والاقتصادية تنحصر باستهداف النخبة.أما هواجس الترك ومنطلقات أبحاثها، فعديدة. تشير مثلاً إلى أنها تعمل حالياً على مجموعة من التحليلات والأبحاث المصرفية، أحدها يتعلق بموضوع المنافسة في القطاع المصرفي اللبناني وعلاقة المنافسة بالاستقرار المالي. وتشرح الترك أن العديد من الدراسات تنتهي باستنتاجات حتمية بأن وجود عنصر المنافسة في القطاع المصرفي يعوق الاستقرار المالي. وتستند هذه الدراسات والتحليلات إلى موضوع المخاطر التي تحدثها المنافسة. لذلك، هناك محاولات دائمة في لبنان ومعظم دول العالم لتسويق أهمية تركّز الودائع في المصارف، لا بل يشرّعون هذا التركز ويشجعونه. إلا أن الدراسات التي تقوم بها الترك تخرج باستنتاجات مختلفة، لا بل متناقضة مع السائد؛ إذ إن القطاع المصرفي، وفق الترك، لا يختلف في تركيبته عن أي قطاع اقتصادي آخر، وبالتالي إن احتكار القلة في هذا القطاع من المفترض أن يكون مرفوضاً، شارحة أن التركز في القطاع المصرفي يعرّض القطاع لخطر انهيار المنظومة المصرفية بأكملها. وضمن الأبحاث التي تجريها الترك حالياً، تقوم بقياس نسبة سيطرة المصارف على السوق، وحجم التركز في القطاع... وتشير الترك إلى أن دخولها إلى سوق الدراسات والتحليلات والأبحاث كان سلساً، لأن ما تقوم به يرتكز على جذور علمية، وهو متمايز عن السائد من الدراسات. وتلحظ الترك عدم اهتمام الرأي العام والصحافة بالدراسات العلمية، فيما المجلات البحثية العالمية تقتنص هذه الدراسات وتبرز أهميتها.



فضل الله: المنهج اجتماعي
يشير الباحث الاقتصادي عبد الحليم فضل الله إلى أن منهجه البحثي يقوم على الاقتصاد الاجتماعي القائم على التوفيق بين الكفاءة والعدالة. فأنظمة السوق قد تؤدي إلى الكفاءة، لكن لا بد من سياسات اجتماعية يضعها المجتمع بنفسه، موضحاً أن المنهج الاقتصادي القائم على الفكر الاجتماعي، هو منهج علمي، لا عناوين عامة أو خطاب سياسي فقط.ويتبنّى فضل الله هاجس التصدّي للعديد من الأساطير المسيطرة على الاقتصاد اللبناني، منها أن الاقتصاد اللبناني فعّال ويمثّل نموذجاً من النموّ فريداً من نوعه. ففي الواقع، لا يمكن أحداً أن ينكر تمايز الاقتصاد اللبناني، لكن الأكيد أنه ليس ناتجاً من طريقة إدارة الاقتصاد، بل من عوامل أخرى، منها العوامل الخارجية، أو كفاءة اللبنانيين. أما الأسطورة الثانية، فتقول إن التنمية الداخلية تقوم على حجم الموارد الخارجية، وأخرى تقول إن تمايز النموذج الاقتصادي اللبناني قائم على تقليص التقديمات الاجتماعية وتدخل الدولة بالاقتصاد، وهذا غير صحيح؛ فالنموذج لكي يكون مستقراً، عليه المزاوجة بين تدخل الدولة وآلية السوق التي ترعى عمل القطاع الخاص.وينتقد فضل الله مقولة أن تحقيق معدلات نمو مرتفعة كافٍ للقول إن الأداء الاقتصادي صحيح. فتحقيق تنمية بعيدة الأمد لا يُقاس بنتائج على المدى القصير؛ إذ لا يمكن قطاعاً أو قطاعين اقتصاديين صناعة النمو في لبنان، وعلى المدى الطويل لا نمو بلا تنمية.ويلفت فضل الله إلى أنه يعمل حالياً على مسألة العلاقة بين النمو وتحقيق المساواة الاجتماعية، إضافة إلى العمل على دراسات عن الاستثمار في التعليم وكلفته، فضلاً عن البحث في مجال استراتيجيات الإصلاح في لبنان.



شعبان: الحدّ من الفوارق
يرى الباحث الاقتصادي جاد شعبان أن أبحاثه تركز على الحدّ من الفوارق الاجتماعية وتوزيع الرأسمال الموجود بعدالة بين المواطنين. ويصف فكره بأنه «نيو ماركسي» في منهجية التحليل؛ إذ إنه يستعمل أفكاراً معينة بطرق جديدة، ويلفت إلى أنه قام بمحاولات نظرية لإصلاح النظام الاجتماعي والاقتصادي ليخرج من إطار السيطرة القَدَرية مثل القبول بالواقع المعيش من دون تغيير؛ فالدولة عليها التدخل لتوفير فرص متاحة للجميع.هاجس شعبان أن تصبح الثقافة الاقتصادية أكثر انتشاراً لمناقشة الأرقام والأفكار الاقتصادية من دون تشويش شعبوي أو تشويه نخبوي، إضافة إلى هاجس توفير المعلومة للجميع.شعبان يلفت إلى وجود شبكة من الخبراء في سوق الدراسات، وهذه الشبكة تتواصل مع الدولة والجهات المانحة لتوفير التمويل اللازم للقيام بالأبحاث والدراسات، لافتاً إلى أنه لا تبادل علمياً بحثياً في لبنان، وثمة صعوبة في الحصول على المعلومات، وخصوصاً الدراسات الميدانية. شعبان يعمل حالياً على دراسات متعلقة بالتطور المناخي وتأثيره على أسعار المزروعات في لبنان، وتأثير ذلك على الفقر في المناطق الريفية.



سويد: ليبرالي مع المستهلك
يعتقد الباحث الاقتصادي مازن سويد أنه ليس في لبنان ما يكفي من اقتصاديين، والنقاش الاقتصادي ينحدر دائماً إلى نقاش سياسي بسبب الانقسام العمودي في المجتمع، مشدداً على أن التعاطي مع الرقم كوجهة نظر هو تعاطٍ خاطئ ولا يُعَدّ مدخلاً سوياً للتأسيس لفكر اقتصادي علمي. ويقول: «منذ أيام طرحت موضوع خصخصة الاتصالات في إحدى الندوات، فاتُّهمت بأنني أريد أن تخترق إسرائيل شبكات الاتصالات في لبنان»! مشيراً إلى أن لغة التخوين لا تتوافر في الاقتصاد، فهناك تحليلات وتحليلات نقيضة، وثمة وقائع لا بد من إعطائها الأهمية التي تستحقها. ويلفت إلى أن الجيل الحالي من الخبراء الاقتصاديين ينقسم حول موضوع دور الدولة في الاقتصاد، ويصف نفسه بأنه «ليبرالي إلى أقصى الحدود»، لكن مع الليبرالية الحقة التي تحمي حقوق المستهلك وفق ما يقول مفكر الليبرالية آدم سميث، لافتاً إلى وجود فهم خاطئ للّيبرالية، بحيث تُصبَغ بأنها تسعى فقط إلى تحقيق أرباح للشركات وتعزيز الاحتكار، موضحاً أن الليبرالية الفعلية تقوم على إنتاج خدمات وسلع بنوعية جيدة وأسعار تتناسب مع قدرة المستهلك الشرائية.ويرى سويد أن المشكلة الأساسية في لبنان هي في تعطيل إصلاح قطاعات الطاقة والاتصالات وبيئة ممارسة الأعمال؛ إذ لا بد من انسحاب الدولة من الإنتاج والتوزيع في هذه القطاعات لزيادة المنافسة. فالدولة في لبنان تملك قطاعات، فيما يجب أن تراقبها وتنظمها فقط. ويرى سويد أن الأرقام موجودة في لبنان بسبب جهود وزارة المال، إضافة إلى الأرقام الصادرة عن المؤسسات والصناديق الدولية، إلا أن غير المتوافر هو الأرقام المتعلقة بالمؤشرات الاجتماعية بسبب غياب الإحصاء السكاني الشامل.



صحناوي: المشكلة في النموذج
يرى الباحث الاقتصادي نقولا صحناوي أن العالم تخطّى فكرة اليسار واليمين في التحليلات الاقتصادية والأبحاث الاجتماعية। وبالتالي، فهو يصنّف نفسه من الباحثين الذين ينادون باسترداد الدولة لدورها وإعادة إصلاح الاقتصاد وفق الوظائف الأساسية التي يجب أن يقوم بها، ومن أبرزها تحقيق رفاه المواطن وإعادة توزيع الثروة بعدالة بين مكونات المجتمع اللبناني. ويلفت صحناوي إلى أن المشكلة الأساسية في الاقتصاد اللبناني هي في النموذج الذي يحكم الاقتصاد، وهو نموذج غير سليم قائم على الاقتصاد الريعي، لا بل إن طاقة الدولة والاقتصاد تذهب لإبقاء هذا النموذج الذي يضعف الإنتاج والتنافسية ويرفع الأسعار ويؤدي إلى تدهور الواقع الاجتماعي والمعيشي. أما المؤشرات الاقتصادية التي يسوّق لها هذا النموذج ويمدحها، فهي بحد ذاتها مشكلة، وخصوصاً في ما يتعلق بارتفاع أسعار الأراضي، وتركز الودائع وتطورها بطريقة هستيرية. ويقوم هذا النموذج كذلك على أدوات تضليلية لتجميل صورته، وهي الأرقام الرسمية المتلاعب بها، والدراسات المخبّأة... ويلفت صحناوي إلى أنه عمل أخيراً على تحليل النموذج الاقتصادي اللبناني، للإسهام في إبراز نقاط الخلل ونقاط القوة في التركيبة الاقتصادية القائمة، لافتاً إلى أنه لا مزاحمة في سوق الدراسات، فالسوق اللبنانية واسعة، وبين خبراء الجيل الأول مَن استطاع تجديد أدواته البحثية وعصرنتها، وبين الجيل الثاني من الخبراء مَن يعيد تكرار الدراسات وفق مناهج علمية قديمة لا يمكن أن تعطي الصورة الحقيقية عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.



رقم
60 مليار دولار
هو رقم تستخدمه حملة «إسقاط النظام الطائفي» للدلالة على مسؤولية هذا النظام في تكبيل اللبنانيين بمديونية عامّة سيتحمّل عبئها الأجيال الراهنة والمقبلة، إلا أن معظم الباحثين الشباب يعبّرون عن أن الواقع هو أكثر سوءاً من هذه الدلالة، علماً بأن بعضهم لا يتبنّى هذا الرقم
كادر



ظلم إعلامي... واللائحة تطول
لم يكن اختيارنا لهذه العينة من الباحثين الشباب اعتباطياً؛ إذ إن معظمهم هم من الباحثين الذين لا تقل أهمية أبحاثهم وأفكارهم عن تلك التي ينتجها الجيل الأول من الخبراء الاقتصاديين، إلا أن التهميش الإعلامي للصوت الشاب في التحليل والبحث الاقتصادي (وإن كان بعض هذه الأصوات صدى لأصوات سابقة، أو يدخل في صلب تسييس الخطاب الاقتصادي لا التحليل وفق منهجية الاقتصاد السياسي) لم يعد مقبولاً. إلا أنّه، وإن كان هؤلاء الباحثون عينة جديرة بالاهتمام، فإنّ لائحة الباحثين الشباب تطول، وستكون أفكارهم موجودة على صفحاتنا، بجهد سنبذله للوصول إليهم، وبجهد آخر ننتظره منهم لتعريفنا بأفكارهم وأبحاثهم.


23نيسان 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق