4‏/9‏/2011

صعوبة العيش تحت خط الفقر

زيادة الأجور حقّ... والاقتصاد قادر على استيعابها


دائماً ما يكون الحديث عن زيادة الأجور في لبنان وفق منطق الـ«فزيعة» بحيث تبدأ تراجيديا التخويف من رفع الأسعار وانهيار المؤسسات، لكنّ المعادلات الاقتصادية واضحة: رفع الأجور لا يدمّر الاقتصادات بل يفعّلها ويزيد من إنتاجية العمال
رشا أبو زكي
«الاقتصاد اللبناني لا يتحمّل زيادة الأجور»، مقولة تتردّد على مسامع اللبنانيين، ويكاد العمال أنفسهم يقتنعون بها قدراً لا مجال للفكاك منه، إلّا أن محاولة اللعب على المعادلات الاقتصادية والخروج باستنتاج كهذا ليست سوى «لعب»، فالاقتصاد اللبناني قادر على تحمّل رفع الأجور، واستيعاب هذا الإجراء بقطاعه الخاص الذي تتزايد أرباحه كما يتضح من ارتفاع نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي، وبقطاعه العام حيث حصّة الأجور الفعلية من الإنفاق العام لا تمثّل حصّة مرتفعه منه، فيما غلّة الإنفاق تذهب الى مكان آخر، إلى الإدارات الرديفة في الوزارات التي تتمثل بجزر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وموظفيه الذين يتقاضون رواتب خيالية
، وإلى المياومين والمتعاقدين الذين يسدّون الفراغ الحاصل باقتران ذلك مع تخليهم عن ضمانتهم الاجتماعية التي من المفترض أن تتوفّر عبر توظيفهم... نعم الاقتصاد اللبناني قادر على زيادة الأجور، هذا ما يؤكده الاقتصاديون، ولا يستطيع الرافضون دحضه بالوقائع.
حمدان: بـ«همّة الشباب»
يقول رئيس مؤسسة البحوث والاستشارات كمال حمدان إن فلسفة النظام الاقتصادي الاجتماعي في لبنان تقوم على إنتاج الكفاءات ثمّ تصديرها، ففي بنية عرض العمل: يلاحظ المستوى المرتفع نسبياً لمعدل نموّ القوى العاملة بسبب اعتبارات تعود الى البنية الديموغرافية للبلد. كذلك يلاحظ أنه من إجمالي عارضي قوة عملهم سنوياً هناك نحو 50 في المئة منهم يتميزون بسمة غير نظامية، فهم إما متسرّبون من التعليم من دون الخضوع لدورات تعليم مهنيّ، أو متسربون خضعوا لدورات مهنية سريعة أو عاملون لحسابهم. والملاحظ أنّ نوعية التعليم تعاني تفاوتاً شديداً بين التعليمين العام والخاص، وهذا الأمر ينعكس على مروحة التخصصات الجامعية (40% من التخصصات تقريباً أدبية وحقوقية).في بنية الطلب: يغلب عليها استقطابان، استقطاب في أسفل الحلقة يتمثل في الغلبة الساحقة للمؤسسات المكروية (صغيرة الحجم) التي يقل عدد عمالها عن 10 عمال (95 % من المؤسسات)، واستقطاب في الطرف الآخر من السلسلة يتحكّم به احتكار القلة عبر نحو 3000 مؤسسة تسيطر على معظم الأسواق. ثم إن بنية الطلب تتكون في جزء كبير منها من أنشطة يغلب عليها التكرار والتماثل وضعف القيمة المضافة، ويظهر فيها الغياب الفاقع للحركة الصناعية التكنولوجية. ونتيجة سمات بنية الطلب هذه، يتبين ضيق رقعة الأنشطة الاقتصادية الجديدة والواعدة.ويشرح حمدان أن الاقتصاد اللبناني، رغم هذه الخصائص البنيوية، يستطيع تحسين مستوى الأجر الفعلي، علماً أن حلقات أساسية في القطاع الخاص قادرة على استيعاب تحسين القيمة الفعلية للأجر، لكن هذه الإمكانية لن تتجسد في الواقع من دون أن يأخذ الشباب اللبناني (وهم يؤلّفون 70 في المئة من العاطلين من العمل) قرار فرض إصلاحات في النظام السياسي للحد من تسلط التشكيلة السياسية المسيطرة المتوارثة، وإصلاحات على المستوى الاقتصادي الاجتماعي ليقلل من وزن الاقتصاد الريعي الذي يقف عقبة أمام إمكانية تحرير الأجر وتحسين قوّته الفعلية...
ديبة: الأرباح مقابل الأجور
ويشير الخبير الاقتصادي غسان ديبة إلى أن نسبة الأجور إلى الناتج المحلي هي نحو 35 في المئة، أقلّ بكثير من النسبة التي كانت قبل الحرب الأهلية والبالغة 55 في المئة. فنتيجة التضخم في الثمانينيات، والسياسات الاقتصادية بعد الحرب، انخفض مؤشر الأجور، لا بل إن المقارنة مع الدول المجاورة كفيلة بتأكيد أن هذه النسبة منخفضة جداً، ما يستدعي إعادة توزيع الدخل من الأرباح والريوع على الأجور. أما الآلية التطبيقية فهي عبر زيادة الأجور من الدولة، وعقد اتفاقيات بين النقابات العمالية والمؤسسات اللبنانية، وربط زيادة الأجور بالإنتاجية وبمعدلات التضخم، وهو ما يرفع نسبة الأجور من الناتج المحلي على أمل الوصول الى النسب المحققة في الدول المتقدمة، التي تصل الى ما بين 70 و80 في المئة. كذلك يتطلب هذا الإجراء فرض سياسات للأجور من الدولة، وتعميم العقود الجماعية بين النقابات العمالية وأصحاب العمل. أما العوائق أمام السير بهذا الموضوع غير المستعصي فهي: ابتعاد الدولة عن القيام بواجبها الاجتماعي الناظم، وضعف الحركة النقابية، واستئثار القطاع الخاص بالسياسات الاقتصادية اللبنانية، كذلك يغيب التحرك الشعبي بسبب البطالة المستشرية وحاجة اللبنانيين إلى العمل.
شعبان: حق لا مطلب
يقول الباحث الاقتصادي جاد شعبان بوجود تركّز كبير في الاقتصاد اللبناني، لا بل إن بعض الأبحاث، ومنها دراسة للبنك الدولي، خلصت الى أنّ الوكالات الحصرية والاحتكارات تلحق خسائر بالاقتصاد اللبناني تصل الى 16 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، إذ إن هذا التركز ينتج أرباحاً اضافية للشركات، وبالتالي لا صعوبة في تحويل جزء من هذه الأرباح الى زيادة على شطور الأجر، وخصوصاً أن مستوى الأجور منخفض جداً نسبة الى كلفة المعيشة وأرباح المؤسسات। ويلفت شعبان الى أنه لا دراسات حول نسبة الرواتب إلى حجم ارباح المؤسسات اللبنانية، ويبرَّر غياب إحصاءات كهذه بأن اقتصادنا نيوليبرالي، فيما الولايات المتحدة الأميركية نفسها تجري إحصاءات سنوية حول هذا الموضوع، لضبط آلية توزّع الأرباح وتوزيع المداخيل، لكن لبنان «نموذجي» في التطرف في الخطأ، والنقابات فيه غير فاعلة، لا بل حين تطالب برفع الأجور أو الحد الأدنى للأجر، لا ترتكز على أي دراسات علمية، ولا تمارس أي ضغط فعلي لإجبار الحكومات على اتخاذ إجراءات تعيد للعمال حقوقهم.ويقول شعبان إن التذرع بأن زيادة الأجور ستؤدي الى رفع الأسعار وطرد العمال اللبنانيين لمصلحة الأجانب مرفوض.



كادر

التخلّص من الاحتكار أولويّة
يقول الباحث الاقتصادي جاد شعبان إنه لا بد من إجبار أصحاب المؤسسات على تسجيل العمال الأجانب في الضمان وتقليص فارق كلفة التشغيل ما بين العامل اللبناني والأجنبي। كذلك يمكن، في حال رفع الأجور، حماية المؤسسات الصغيرة التي تعاني ارتفاع كلفة الإنتاج عبر دعم التصدير ومساعدتها على تنويع أسواقها وتوسيعها، ووقف الإغراق، ورفع الحماية عن الاحتكارات والوكالات الحصرية، وهو ما يمكّن هذه المؤسسات من استيراد موادها الأولية بأسعارها الحقيقية




30نيسان 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق