2‏/9‏/2011

النيابة العامة الماليّة غائبة عن أموال الشعب المهدورة!

الفساد المالي ليس «نكتة»، فأن تكون حسابات الدولة المالية مختفية منذ عام 1991 يعني تماماً المعادلة التالية: المواطن يدفع ملايين الدولارات ضرائب ورسوماً، فيما السلطة المالية تصرف أموال الدولة وكل ما يدفعه المواطنون لا بل تقترض فوق هذه الأموال، وكل ذلك بلا أيّ مراقبة...
رشا أبو زكي
24 صفحة قرأها رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان أمام وسائل الإعلام أمس، 24 صفحة كلّ كلمة فيها مجبولة بفضائح ومخالفات وزارات المال المتعاقبة منذ نهاية الحرب الأهلية حتى اليوم، لا بل ضجت وسائل الإعلام طوال الأشهر الماضية بفضائح لا يمكن اعتبارها سوى «إخبار» يستدعي التحقيق، لكن حتى اليوم لم تتحرك النيابة العامة المالية في ديوان المحاسبة ضد مرتكبي المخالفات! الرادع سياسي طبعاً، أو بالأحرى غياب أي غطاء سياسي لملاحقة الفاسدين، فاستهداف الفاسدين في لبنان يحتاج الى إجماع «وطني»، إجماع «طائفي»، إجماع «ميليشياوي»، إجماع من جهات سياسية أسهمت أو شاركت أو غطت سرقات من «دام ظله» في وزارة المال، والإجماع لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود هذه الجهات (المتعددة) في السلطة السياسية.
وفي ظل واقع كهذا، يصبح الكلام عن هدر أموال الشعب اللبناني طوال السنوات الماضية كمن يغنّي في الصحراء.فالملفات لا تنتهي، تبدأ بعجز وزارة المال ووحدة الـ UNDP في الوزارة (التي تتقاضى ملايين الدولارات من جيوب اللبنانيين لمساعدة وزارة المال على جمع الأرقام) عن جمع الأرقام، وتحويل حجم نفقات وإيرادات من الدولار الى الليرة اللبنانية، مروراً بإنفاق غير منطقي واقتراض ضخم، وصولاً الى هدر حقيقي وفاضح للأموال العامة، وكل ذلك على مرأى ومسمع النيابة العامة المالية، التي لم تحرك ساكناً، رغم مشاركة ديوان المحاسبة عبر رئيسه وموظفيه في اجتماعات لجنة المال والموازنة، ولاحقاً اجتماعات اللجنة الفرعية لتقصي الحقائق بشأن الحسابات المالية للدولة، لا بل تسلمت النيابة العامة المالية أكثر من 7 ملفات جاهزة من لجنة المال والموازنة عن مخالفات وزارة المال، منها ملف تجاوز سقف الاقتراض، وعشرات الملفات من جهات مالية أخرى... لكن الراكد لا يزال راكداً!فقد أشار كنعان أمس إلى أن لجنة المال والموازنة أنجزت موازنة عام 2010 إلا أن هناك عقبة ما زالت تحول دون عرض مشروع قانون الموازنة على الهيئة العامة لمجلس النواب لمناقشته، وتتلخّص في الشرط الدستوري المنصوص عليه بموجب المادة 87 من الدستور التي تشترط لإقرار مشروع قانون موازنة عام 2010 الموافقة على الحسابات المالية النهائية العائدة إلى عام 2008، لكن لا يمكن إقرار حسابات عام 2008 ما لم تكن الحسابات العائدة إلى السنوات السابقة قد جرى إقرارها، وبالتالي أصبح مشروع قانون موازنة عام 2010 متوقفاً على إقرار الحسابات المالية النهائية العائدة إلى الأعوام من 2004 لغاية 2008.وشرح كنعان أنه يتبيّن أن رصيد حساب الخزينة الدائن لدى مصرف لبنان قد بدأ بالارتفاع منذ مطلع عام 2008، ولا سيما منذ مطلع شهر تشرين الأول 2008، وتزايد باطّراد ليتضاعف في نهاية عام 2009 واستمر على الوتيرة ذاتها خلال عام 2010، «الأمر الذي يؤكد صحة اتهامنا لوزارة المال ومصرف لبنان بالتناوب على امتصاص فوائض الودائع المصرفية، وصحة اتهامنا لوزارة المال بالاحتفاظ برصيد مرتفع في حسابها لدى مصرف لبنان مما رتب على الخزينة ما لا يقل عن 600 مليار ليرة لبنانية سنوياً كفوائد تدفع للمصارف من جيوب اللبنانيين».وأوجز كنعان مصير الحسابات المالية النهائية التي اختفت ما بين عامي 1990 و1993، فلفت الى أنه لا حسابات مالية سليمة ممسوكة من جانب وزارة المال منذ مطلع عام 1993، وأن الإدارة المالية غير قادرة على إعداد الحسابات المالية النهائية وإيداعها كلاً من مجلس النواب وديوان المحاسبة ضمن المهل المحددة قانوناً. وأشار الى وجود اختلافات كبيرة جداً في الحسابات التي قدمتها وزارة المال، بحيث ثمة فارق بين ما صرحت به وزارة المال عن سلفات الخزينة عام 2005 وسلفات الخزينة التي صرفت فعلياً أكثر من 5 مليارات ليرة، وفي الهبات الواردة عام 2005 أكثر من 128 مليون ليرة، وفي الهبات الواردة عام 2001 أكثر من 56 مليار ليرة، أما الفارق في حساب الصندوق، فهو بقيمة 356 مليار ليرة، وفي حساب المصرف (مصرف لبنان) 384 مليار ليرة، كما اكتُشف فقدان 451 حوالة عام 2001. ولفت الى أن الجدول الذي أعدته وزارة المال كقطع حساب عن الإنفاق الحاصل خلال السنوات من 2006 لغاية 2009 ضمناً، يتضمن خطأً في جمع رقمين بقيمة تتجاوز 252 مليار ليرة. أما في ما يتعلق ببيانات عن الدين العام تصدرها وزارة المال فصلياً، فيتبين أنه عند الانتقال من البيان الصادر عن الدين العام بتاريخ 31 كانون الأول 2007، والمنظم بالدولار الأميركي، إلى البيان الصادر بتاريخ 31 آذار 2008، والمنظم بالليرة اللبنانية، أخطأت الوزارة في تحويل الدولار إلى الليرة اللبنانية (على أساس 1 دولار يساوي 1507,5 ليرة)، فكان خطأ في مجموع الدين العام الإجمالي بحيث أنقص منه مبلغ 41 مليار ليرة لبنانية، وخطأ في رصيد حساب الخزينة لدى مصرف لبنان بحيث أضيف إليه مبلغ 60 مليار ليرة لبنانية، وخطأ في مجموع الدين العام بالعملات الأجنبية بحيث أنقص منه مبلغ يعادل 42 مليار ليرة لبنانية.وقال كنعان إن مشروع القانون الذي وضعته حكومة السنيورة الأولى وأحيل على مجلس النواب بموجب المرسوم رقم 17053 الصادر بتاريخ 25 أيار 2006، المتعلق «بتدقيق حسابات الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات والمرافق العامة التابعة للدولة أو للبلديات» تضمّن الإجازة للحكومة التعاقد مع شركة دولية للتدقيق أو أكثر لإنجاز مهمة التدقيق، والحصانة المقترحة لضمان استقلالية المدقق في تنفيذ مهمّاته وعدم التعرض لأية ضغوط من أي كان... ولفت كنعان الى أنه لا يجوز أن تناط صلاحية التعاقد مع شركة أو شركات التدقيق الدولية بالحكومة، لأنها السلطة المعنية بتنفيذ الواردات والنفقات، ولأن التدقيق يشمل أعمالها. ولذلك يقتضي أن تناط صلاحية التعاقد بالمجلس النيابي، أو بديوان المحاسبة، كما لا يمكن منح الحصانة للمدقق في المطلق لأنه معرّض للخطأ ويقتضي أن يتحمل مسؤولية أخطائه، كما لا يمكن ربط الإذن بالملاحقة بمجلس نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان، لأن موضوع الملاحقة يتعلق بالأموال العمومية التي لا يجوز أن تكون رهن مشيئة نقابة خاصة...

العدد ١٣٦٧ السبت ١٩ آذار ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق