4‏/3‏/2012

خطأ بـ 252 مليار ليرة!

مشروع الحسابات المالية مخالف للقانون والدستور
من المفترض أن تُعَدّ وزارة المال مدرسة في مادة الرياضيات، بحيث إنها تتضمن مديريات ضخمة للتدقيق والرقابة. ومبدأ هذا الوزارة قائم أصلاً على احتساب الأرقام، فكيف تكون الحال حين يتبين أن هذه الوزارة تخطئ في جمع الأرقام، وحصيلة الخطأ 252 مليار ليرة في عام 2006؟ أهلاً وسهلاً بتسوية قطع الحسابات!
رشا أبو زكي

يناقش مجلس الوزراء في جلسته اليوم مشروع قانون لإبراء ذمة الحكومة على إنفاقها نحو 57 ألف مليار ليرة من دون أي إجازة قانونية بين عامي 2006 و2009 ضمناً، وقد جاء هذا المشروع بمثابة فضيحة أنهت بها وزارة المال سلسلة كوارثها في طمس الأرقام والحقائق التي تظهر للرأي العام ولمجلس النواب كيفية إنفاق حكومات السنيورة خلال 4 سنوات نحو 11 مليار دولار فوق القاعدة الاثني عشرية، إذ بعد المماطلة والأخذ والرد، وتأليف لجنة وزارية لإيجاد صيغة إعداد الحسابات النهائية، ولدت وزيرة المال ريا الحسن فأراً صغيراً اسمه «جدول النفقات»، تصف فيه بإيجاز شديد يقلّ أهمية عن بياناتها الإعلامية الشهرية ما صرفته الحكومات السابقة خلال أربع سنوات كاملة! وليتبين خلال التدقيق في الأرقام أن وزارة المال أخطأت في الحساب كذلك। إذ إن مجموع الإنفاق خلال عام 2006 بلغ وفق جدول وزارة المال 11,627,092 مليون ليرة، فيما يجب أن يكون 11,879,475 مليون ليرة، أي بنقص يبلغ 252,383 مليون ليرة ناتج من مشكلة في الوزارة في جمع رقمين... فإذا كان جدولاً صغيراً مقدماً من وزارة المال قد تضمن خطاً بما يزيد على 252 مليار ليرة، فكيف ستكون محاسبة الدولة الممسوكة من وزارة المال التي تتضمن أكثر من عشرين مليون رقم (أو قيد) في السنة؟ ومن يضمن أن تفاصيل المبالغ المصرح بها في الجدول صحيحة من الناحية الحسابية على الأقل؟ ألا يدعو هذا الخطأ الفاضح في جمع رقمين إلى التفكير في إيجاد رقابة داخلية وخارجية على الحسابات الممسوكة من وزارة المال؟

حسابات كلها مخالفات!
يرمي مشروع القانون الذي أعدّته وزيرة المال ونسبته إلى اللجنة الوزارية برئاسة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري إلى «تصفير العدّاد» مجدداً، واعتماد قاعدة «عفا الله عمّا مضى» التزاماً بشعار «فؤاد السنيورة خطّ أحمر»، وبالتالي يتذرّع هذا المشروع بالظروف الاستثنائية ليكرس قانوناً مخالفات دستورية وارتكابات مالية فاضحة، وهو ما دفع بأحد الخبراء القانونيين إلى التحذير من أن إمرار هذا المشروع يستدعي تعديلاً دستورياً، إذ تنص المادة 87 من الدستور على أن «حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة». لذلك، يشدد هذا الخبير على أن إعداد الحسابات النهائية موجب دستوري لا يمكن التهرّب منه إلا بتعديل الدستور، فالموافقة على الحسابات المالية النهائية شرط لمنح الحكومة إجازة جديدة للإنفاق، لأن تجاوز الحكومة للاعتمادات المجاز لها إنفاقها بموجب إجازة الإنفاق يعرضها للمساءلة.ويشير الخبير إلى أن قانون المحاسبة العمومية نص في المادة 197 «على وجوب أن تحيل الحكومة مشروع قانون قطع حساب الموازنة على مجلس النواب قبل أول تشرين الثاني من السنة التي تلي سنة الموازنة». وحددت المادتان 194 و 195 من القانون نفسه مديرية المحاسبة العامة في وزارة المال مرجعاً مسؤولاً عن إعداد الحسابات النهائية. ونصّت المادة 34 من قانون المحاسبة العمومية على الآتي: «يتألف الحساب العام للدولة من: الميزان العام الموحد للحسابات بنتيجة توحيد حسابات المحتسبين المركزيين. بيان بإيرادات موازنة الدولة. بيان بنفقات موازنة الدولة. بيان الخلاصة على صعيد القطاع العام، الذي يوضع على شكل حساب نتائج وميزانية»... لذلك، لا يمكن التحجج بأي ذريعة لعدم إعلان هذه الحسابات ما دامت موجودة، وهناك جهاز خاص يتقاضى رواتبه لإنجاز هذه المهمّة في مواقيتها.من جهة أخرى، تنص المادة 25 من تنظيم وزارة المال على أن «تتولى مديرية المحاسبة العامة، التدقيق في حسابات الموازنة العامة، وحسابات الخزينة، وحسابات المؤسسات والمصالح العامة والصناديق المستقلة وتوحيدها... التدقيق في الجداول الشهرية والسنوية التي ينظمها المحتسبون وتوحيد نتائجها وملاحقة تصحيح الأخطاء... تحضير قطع الحساب السنوي».ويسأل المصدر: «إن لم تضع مديرية المحاسبة العامة الحسابات العائدة للسنوات من 2006 ولغاية 2009 ضمناً، فماذا كانت تفعل خلال هذه السنوات الأربع؟»، وبناءً على ذلك، يشير المصدر إلى أن اعتبار جدول النفقات المرفق بمشروع قانون قطع الحساب للأعوام من 2006 ولغاية 2009 ضمناً بمثابة قطع حساب تلك السنوات مخالف لجميع الأصول القانونية والدستورية والمحاسبية.
أسباب موجبة... أم ناسفة؟
من يضمن أن تفاصيل المبالغ المصرّح بها في الجدول صحيحة من الناحية الحسابيّة على الأقل؟
ويعلّق الخبير على نوعية نص المشروع وأسبابه الموجبة وجدوله الهزيل بالقول: «ألم تدوّر وزارة المال اعتمادات من سنة إلى السنة التالية خلال الفترة المذكورة؟ ألا يتطلب تدوير الاعتمادات وجود اعتمادات أساسية واعتمادات مدورة من سنة سابقة واعتمادات إضافية واعتمادات منزلة أو ملغاة، يمثّل مجموعها الاعتمادات النهائية من جهة، واعتمادات محجوزة واعتمادات معقودة واعتمادات مصفاة واعتمادات مصروفة من جهة ثانية، لكي يتبين في ضوء ذلك كل من رصيد الاعتمادات المعقودة الواجب تدويرها ورصيد الاعتمادات غير المعقودة الواجب تدويرها ورصيد الاعتمادات غير المعقودة الواجب إلغاؤها؟ وإلا فكيف جرى تدوير الاعتمادات؟ وماذا يتطلب إعداد قطع حساب موازنة كل سنة من السنوات من 2006 ولغاية 2009 ضمناً أكثر من هذه المعلومات؟».وكذلك سأل: «كيف تبرر الحكومة تقسيم جدول النفقات المرفق بمشروع القانون المقترح إلى نفقات موازنة ونفقات خزينة في كل من السنوات من 2006 لغاية 2009 ضمناً ومن ثم تنكر وجود موازنات خلال هذه السنوات؟ فهل يتفق وجود نفقات موازنة مع عدم وجود موازنة؟».ورأى الخبير أن إيراد عبارة في الأسباب الموجبة يفيد بأن «مشروع القانون جاء لإطلاع مجلس النواب، ومن خلاله الرأي العام على ما جرى الإنفاق عليه» يعد استهتاراً بالمجلس النيابي وبدوره الرقابي، ليظهر أنّ وظيفته الاطلاع والبصم فقط على ما تقوم به الحكومة، ولو كان مخالفاً لأحكام القانون، مشيراً إلى أن ما ورد في جدول النفقات لا يُطلع مجلس النواب والرأي العام على شيء، بل جاء للتعمية على ما أُنفق في السنوات الماضية، فحتى «الاطلاع» يستوجب إدراج تفاصيل مسهبة عن كل بند من بنود الإنفاق.
56.6 ألف مليار ليرة
هو مجموع النفقات وفق حسابات وزارة المال من 2006 حتى 2009 ضمناً، وتشير الوزارة الى أن هذا الرقم جاء من احتساب مجموع الإنفاق في 2006 وهو نحو 11،6 ألف مليار ليرة، و2007 هو نحو 12،5 ألف مليار ليرة، و2008 نحو 14،9 ألف مليار ليرة، و2009 نحو 17،1 ألف مليار ليرة.
الجدول الهزيل
تؤكد مصادر متابعة أن الجدول الذي اعتبرته وزيرة المال ريا الحسن (الصورة) كافياً ليكون بمثابة تقرير عن الحسابات المالية للأعوام ما بين 2006 و2009 ضمناً، سبقه بيان وزارة المال الصادر بتاريخ 13 حزيران 2010، الذي بررت بموجبه تجاوز القاعدة الاثني عشرية في الإنفاق، البالغ أكثر من 11 مليار دولار خلال السنوات من 2006 حتى 2009. وتلفت المصادر الى أن البيان المذكور كان يتضمن معلومات أكثر من الجدول المرفق مع مشروع القانون، إذ إن الأخير لا يظهر الأرقام التفصيلية للنفقات والإيرادات خلال الأعوام الأربعة المذكورة.
اقتصاد
العدد ١٢٢٣ الثلاثاء ٢١ أيلول ٢٠١٠

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق