4‏/3‏/2012

قصة ليلى بركات مع الفساد

حمدان: كلفة الفساد 15% من الناتج المحلّي
رشا أبو زكي
لبنان عاصمة عالمية للفساد، تقولها شابة عشرينية وتبتسم، إنها المرة الأولى التي تشارك فيها بندوة تطرح قضايا الفساد في لبنان. الذهول يسيطر على صوتها المرتفع، ذهول واضح من الروايات التي دارت في الندوة: *غياب مطلق للأجهزة الرقابية. *زبائنية في كل تفاصيل العمل في الشأن العام. *دراسة من 500 صفحة كتبتها ليلى بركات، في كل صفحة رواية عن الرشى والفساد في مؤسسة يطلق عليها اسم «وزارة الثقافة». *قوانين أقرّت لمكافحة الفساد مستبعدة عن التطبيق. *أما الطائفية ... فالويل لمن لا يذعن لجبروتها... إنه الفساد، كل أشكال الفساد، وحين تكرّ الفضائح خلال ندوة «استفحال الفساد وسبل مكافحته»، يبدأ الكبار بتحسس رؤوسهم، وتكرر الفتاة العشرينية: لبنان عاصمة عالمية للفساد، لبنان عاصمة عالمية للفساد ...فالفساد له أسماء، الفساد له وجوه، تقول المنسّقة العامة السابقة لـ«بيروت عاصمة عالمية للكتاب»، ليلى بركات، التي وضعت من تجربتها «دراسة عيّنة» عن الفساد في وزارة الثقافة، وتروي بركات قصتها، فلائحة المخالفات في المديرية العامة للثقافة لا تنتهي: المحسوبية، استغلال النفوذ، الرشوة، محاباة الأقارب، الاختلاس، هدر المال العام ... ترفع بركات صوتها بانتصار، لقد أسهمت في منع هدر 600 ألف دولار، أجبرت الوزارة على إعادة المبلغ الى الخزينة، تتحدث عن تهديدها، عن كلام مهين وجّهه لها المدير العام للوزارة بسبب رفضها استخدام أموال فعالية «بيروت عاصمة عالمية للكتاب» في مسارب الهدر، كلام وصل الى وصفها بأن «الحذاء أشرف منها، إنها بنت كلب»، ليصل الى التهجم عليها في محاولة للاعتداء الجسدي! تعلم بركات أن ما عانته في وزارة الثقافة ليس فريداً، فهو «حالة عامة»، لكن تجربتها هي نموذج مصغر عما يحدث في جميع مؤسسات الدولة والمرافق العامة، فبعدما وجّهت للمدير العام للوزارة أصابع الاتهام، وضع بتصرف مجلس الوزارء، الذي أعاده الى عمله بـ«قرار سياسي»، استمر الفساد، فللمدير «حصة» من كل معاملة، وموظفو المديرية يقدمون مشاريع وهمية لا تنتهي، فيما وزير الثقافة سليم وردة يمتنع عن إعطاء الضوء الأخضر للتحقيق في الفساد، لا بل يعطي الحماية «المؤسّسيّة» للفساد!إنه الزواج الفج بين الدولة وقوى الأمر الواقع، يقول رئيس مؤسسة البحوث والاستشارات كمال حمدان، فالحكومات المتعاقبة استسهلت إقامة جزر إدارية في مرافق القطاع العام، فوجد مجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة وإيدال ... لا بل زادت اعتمادها على نحو متماد على وحدات من الأمم المتحدة ألحقت بالوزارات، في ظل غياب رؤية واضحة بشأن أجندة عمل هذه الوحدات والجدوى المبتغاة منها، «ما يجعلنا نميل إلى القول إن هذه الوحدات ذاهبة نحو التأبيد» ... وبموازاة ذلك، استسهلت الحكومات التعاقد الوظيفي بدل التوظيف في إدارات الدولة ومؤسساتها، وسيطر نوع من عدم الشفافية والإيحاءات التمويهية على كل ما يتعلق بالإنماء المتوازن والمساواة بين المناطق، وبالطبع مارست الحكومات المتعاقبة استخفافاً أرعن بتطور الأوضاع المعيشية للمواطنين، في ضوء عدم وجود سياسة واضحة للأجور، كل ذلك جعل من فاتورة الفساد في لبنان باهظة، فساد محميّ بالطائفية في كل مراكز العمل الرسمي، الطوائف هي الوسيط بين الدولة والمواطن، هي طوائف سياسية وممر إجباري وشبه وحيد للتحكم بعملية إنتاج واصطفاء ما يسمّى نخب أهل الحكم ورجالات السياسة والإدارة، إنه السبب الأساسي الذي يجهض قيام الدولة المركزية، وخصوصاً دولة المواطن المدنية ... أما كلفة الفساد فوصلت وفق حمدان الى 15% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يمثّل إنفاق حوالى 150 ألف أسرة من أصل 900 ألف أسرة في لبنان!«إن الشعب في الأنظمة الديموقراطية هو مصدر السلطات والرقيب الأصيل على أعمال الحكام الذين يتولون إدارة شؤونه، وهو يمارس هذه الرقابة بواسطة ممثليه في البرلمان، ولذلك فإن رقابة البرلمان على أعمال الحكومة أو الرقابة البرلمانية، هي رقابة شاملة»، هذا ما يؤكده رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، ومن ثم يسهب في شرح المخالفات التي تتحكم في مفاصل إعداد الموازنات في لبنان، وصولاً الى المخالفات المالية الضخمة التي ترتكبها وزارة المال، فالحسابات المالية منذ عام 1992 حتى اليوم «غير مكتملة»، وبمعنى آخر «غير صحيحة»، لا بل إن جميع الموافقات على هذه الحسابات في مجلس النواب كانت تتم مع تحفّظ، والمشكلة الأساس في الرقابة، الرقابة اللاحقة لا المسبقة، أي الـ«لا رقابة»، وكيف لا إن كان الشغور في ديوان المحاسبة يصل الى 60 في المئة، وإن كانت فاعلية الباقين في الديوان لا تتعدى الـ 50 في المئة! يسأل كنعان الحاضرين: «هل يعقل أن الهيئة العليا للتأديب لا يوجد فيها إلا المدير؟»، يتوجه الى حمدان: «تتحدث عن الطائفية المستفحلة في العمل المؤسساتي، وأنا سأحدثكم عن التوازنات السياسية التي تتحكم في معظم مشاريع الدولة»! فقد حصل لبنان على قروض استثنائية للمناطق النائية، ليتبيّن أنها تذهب الى منطقتين فقط في لبنان، والتوزيع كان سياسياً بامتياز!يفرد رئيس لجنة الإدارة والعدل روبير غانم يديه مستهجناً: «كيف يمكن أمراء الحرب أن يدّعوا الإصلاح ومحاربة الفساد؟». ويرى أن المسؤول كان بمنأى عن المحاسبة، وبالتالي أصبح ارتباطه بالمواطنين أشبه بالعبودية لكون المواطنين عاجزين عن المساءلة والمحاسبة، ولكونه هو يعرف أنه لن يحاسب، مشيراً الى أن الرقابة المسبقة التي يقوم بها ديوان المحاسبة غالباً «بلا طعمة»، ويلوم «الظروف» التي من الممكن أن تكون قد حالت من دون تفعيل دوره الرقابي منذ عام 2004 حتى الآن. وتحدث غانم عن أن لجنة الإدارة والعدل باشرت دراسة اقتراح قانون مكافحة الفساد في جلستها المنعقدة بتاريخ 14/12/2009 في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صدّق عليها لبنان في أواخر اعام 2008»، لافتاً الى وجود عدة أسباب أدت الى ضعف الرقابة البرلمانية وعدم وصول التحقيقات البرلمانية الى خواتيمها، ومنها القوانين الانتخابية التي لم تؤمن التمثيل الصحيح، ودور الطائفية والمذهبية في المؤسسات الدستورية ...
اقتصاد
العدد ١٣٦٦ الجمعة ١٨ آذار ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق