4‏/3‏/2012

إنه «زيت الجفت» القاتل



 مُنع في الخارج فشرّع لبنان الباب أمام التجّار لاستيراده!


زيت الزيتون المغشوش يسيطر على 50% من السوق اللبنانية، هذا ما تقوله مديرية حماية المستهلك، ولغة الأرقام الرسمية غالباً ما تحتمل الشك، والشك طبعاً في أنّ الرقم مخفوض لا زائد، لكن في هذا الموضوع تحديداً الرقم ليس هو القصة، فالقصة أن الغش في زيت الزيتون قاتل، والمواد المستخدَمة في عمليات الغش مسمومة، وأخطر ما تصيب: أدمغة الأطفال!
رشا أبو زكي
حتى زيت الزيتون أصبح مادة خطرة في لبنان، لا بل إن تأثيراته تبدأ قبل ولادة المواطن اللبناني، ليكبر وفي خلايا جسمه سموم قاتلة! والتحذيرات ليست قادمة فقط من مزارعين لهم مصلحة في إعلان مخاطر زيت الجفت وخلطه بزيت الزيتون الأصيل، بل من الأمم المتحدة، والدولة المغربية، وإسبانيا، ودول الخليج، التي سحبت جميع كميات زيت الزيتون المخلوط مع الجفت من أسواقها... لتحط في لبنان!فقد كشفت اللجنة الوطنية لحماية الزيت اللبناني أن المواد المسبّبة للسرطان، مثل البنزوبيرين والأكرولين، وصلت إلى أكثر من مئة ضعف النسبة المسموح بها في الزيوت التي بيعت إلى الشعب اللبناني في السنوات الماضية، وذلك عبر عدد كبير من الشحنات التي أدخلت إلى لبنان بعدما سُحبت من معظم بلدان العالم। وأعلنت أن هناك عمليات خلط مبتكرة تشبه عملية الخلط التي أدت إلى وفاة الآلاف في إسبانيا والمغرب... ومن هذه الخلطات القاتلة خلط زيت الكولزا المعدّل وراثياً مع زيت الجفت مع زيت الصويا وتلوينها بمادة الإينيلين الخضراء... أو غيرها من الصباغات المنزلية، كما أن خلطات أخرى تعتمد على إعادة معالجة زيت القلي وخلطه ببذر القطن وزيت الجفت ووحل الزيت... وحذرت العديد من الدراسات من أنّ أدمغة الأطفال قد تتعرّض لتلف دائم جرّاء تناول هذه الزيوت، حيث تحل الدهون الانتقالية مكان الدهون الصحية في الدماغ، ويضيع جزء من التركيب الدماغي، فتؤثر في أنظمة المخّ وأنظمة الإشارات العصبيّة في الخلايا، وبالتالي فإنّ هذه الزيوت السامة تضر بصحتهم الجسدية والعقلية وتضعف ذكاءهم ومهاراتهم الذهنية، كما تضعف الجهاز المناعي وخاصةً وهم في مرحلة التكوين، إضافةً إلى التأثير السام لهذه الزيوت في الكبد والكلى والعظام والمعدة والرئة، مع خطرها على تركيبة البنية الوراثية (DNA) وتسبّبها بالأمراض السرطانية وبالأمراض والتشوّهات الوراثية... فما الذي يحدث فعلياً في هذا الموضوع؟ ومن الذي يرتكب جرائم قتل عن سابق إصرار وتصميم بحق اللبنانيين؟الجواب موجع فعلاً، إذ إنه بعدما حظر عدد كبير من الدول استخدام زيت الجفت في الغذاء بعدما تبيّن أنه مادة سامة، قررت الحكومة اللبنانية في 21 تشرين الأول من عام 2008 فتح الأسواق لاستيراد زيت الجفت، لا بل تغيرت مواصفات هذا الزيت ليصبح «صالح للاستهلاك البشري»، وذلك بناءً على طلب وزارة الاقتصاد والتجارة، التي قررت أيضاً استثناء الزيوت المستوردة من شرط إعادة التكرير، أما السبب، فهو أن كبار التجار المحميّين سياسياً يجنون ثروات على حساب حياة اللبنانيين وصحّتهم، وأبرز هؤلاء شركة يملكها سامي، أخو رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، وصهر السنيورة من آل بعاصيري وتاجر من آل الحريري، وهذه الشركة تستورد الزيوت المكرّرة بكميات ضخمة الى لبنان...وعمليات الغش المنظم ليست خفية على أجهزة الرقابة، وخصوصاً أن مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد أعلنت أن 50 في المئة من عيّنات زيت الزيتون التي حلّلتها كيميائياً بيّنت أنها غير مطابقة لفئة الزيت المعلنة على لاصق البيانات الخارجية الموضوعة على عبوات الزيت، لا بل أشارت المديرية الى أن عدم التطابق «قد» يكون نتيجة خلل في الإنتاج أو خلط زيت الزيتون بزيوت أخرى كزيت الجفت المكرر، لأنه لوحظت زيادة استيراد زيوت مستحصل عليها من الزيوت غير الزيت البكر بنسبة 200 في المئة في النصف الأول من عام 2009 مقارنةً بعام 2008!إلا أن المعلومات التي استقتها المديرية لم تكن دافعاً لحماية اللبنانيين من المافيا القاتلة، إذ لم تسطّر المديرية بحق المخالفين سوى 13 محضر ضبط، بحسب رئيس المديرية فؤاد فليفل، فلمن يُترك اللبنانيون؟يشير مزارعو الزيتون في عدد من المناطق الى وجود مئات المزوّرين، والجهات الرقابية تعلم أين هي مصانع التزوير ومن يمتلكها. ويؤكد المزارعون أن مواصفات المجلس الدولي لزيت الزيتون منحازة للتجار، كما أن مواصفات زيت الزيتون الدولي غير ملزمة لأيّ بلد ويحق لأيّ بلد أن يصدر مواصفات خاصة به، إلا أن لبنان لم يصدر حتى الآن مواصفات دقيقة لزيت الزيتون، لا بل إن مواصفات مؤسسة ليبنور تأتي مناقضة لمصلحة المستهلكين، كما لمزارعين، بحيث تشير في البند الرقم 313 الى أن زيت الزيتون هو خليط من الزيت البكر والزيت المكرر، فيما ليبنور تعلم أن تكرير الزيوت يجري عبر استخدام حرارة مرتفعة ما يؤدي الى تفكك الزيت وإصدار مواد سامة للإنسان، كما تضم المواصفات بنداً ينص على أن زيت الجفت صالح للاستهلاك البشري، وهو أمر مناف للواقع، بحيث إن زيت الجفت غير صالح للاستهلاك البشري ويجب منع استيراده إن كان للتصنيع أو للاستهلاك البشري... أو على الأقل إعلام المستهلك بأن الزيت الذي يشتريه مخلوط، بحيث يوضع على عبوة الزيت «زيت زيتون مخلوط»، إلا أن إعلام المستهلك ممنوع، هذا ما توحيه الوقائع... إذ يفيد محضر اجتماع عقد في ليبنور في 22 شباط الماضي، وكان محوره إعادة النظر في المواصفات اللبنانية رقم 756 الخاصة بـ«زيوت الزيتون وزيوت تفل الزيتون»، موافقة الحاضرين على اقتراح إضافة كلمة «خليط» إلى جانب عبارة «زيت زيتون» بنفس الكتابة وحجم الأحرف على غلاف العبوة مع ذكر مكونات الخليط (زيت الزيتون المكرر وزيت الزيتون البكر) بطريقة واضحة وجليّة على البطاقة البيانية، والموافقون هم: وزارات الاقتصاد والتجارة، الصناعة، الدفاع الوطني، مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، معهد البحوث الصناعية، الجامعة اللبنانية، جمعية المستهلك ـــــ لبنان ICU، الجمعية اللبنانية SILO المهنية البينية لقطاع الزيتون، جمعية مزارعي الزيتون في الكورة، تجمّع مزارعي جبل لبنان، جمعية شارون التعاونية الزراعية، أمّا الجهات التي «تحفّظت»، فهي: شركة قرطاس للمعلبات، شركة أطياب ـــــ زيت بولس، شركة Olivetrade، ممثل عن الجامعة الأميركية في بيروت، والخبيرة هيام فانوس سنو... وكان مستغرباً عدم حضور ممثل عن وزارة الزراعة الاجتماع، لا بل عقدت وزارة الزراعة اجتماعاً لاحقاً لتجار زيت الزيتون من دون دعوة الجهات المعنية الأخرى، وكان الرفض قاطعاً لإضافة عبارة «خليط»... العيون شاخصة الى اجتماع سيُعقد في 5 نيسان للجنة زيت الزيتون، فهل ستنتصر سلامة المواطنين وصحتهم؟
%20
هذا ما يمثّله قطاع زيت الزيتون من الزراعة اللبنانية، فيما ينتج لبنان زيت زيتون يفيض عن حاجة السوق اللبنانية أربعة أضعاف، ورغم كل ذلك، يترك لبنان سوقه مغرقة بأنواع خطرة، منها زيت الجفت المُستخدم في غش زيت الزيتون
«خلطة» عجيبة!
خلط زيت الزيتون لا يقتصر على الجفت، بل يُخلط أيضاً بزيت القلي! إذ تفيد مصادر مطّلعة جداً لـ«الأخبار» بأن عدداًَ من تجار زيت الزيتون يشترون «زيت القلي» من المطاعم بعد أن تستخدم الزيت لعدة مرات، ويعالجون هذا الزيت ويكرّرونه ومن ثم يخلطونه بكمية قليلة من زيت الزيتون إضافة إلى زيت الجفت، وتُمزج هذه المكوّنات بزيوت نباتية مكررة، أحدها زيت بزر القطن الذي يسبّب تصلّباً في العمود الفقري، علماً بأن زيت القلي ينتج مادة الإكرومالايت، تضاف إلى مادة فطرية اسمها أفلاتوكسين ناتجة من حفظ زيت الجفت لفترة قبل استخدامه.
اقتصاد
العدد ١٣٦٨ الاثنين ٢١ آذار ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق