4‏/3‏/2012

ثورة لبنان لم تحن بعد

مظاهرة معيشية لإتحاد الشباب الديموقراطي (بلال جاويش)


 تظاهرة «إسقاط النظام» تقتصر على بضع مئات من اليساريين
لبّى مئات اليساريين دعوة اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني لتنفيذ تظاهرة مطلبية من منطقة الكولا إلى ساحة رياض الصلح تحت عنوان: «دافع عن لقمة عيشك». وفي طقس عاصف وماطر، سار المتظاهرون وحدهم، مردّدين شعارات «إسقاط النظام»، ولكن الصوت بدا كأنه بلا صدى
رشا أبو زكي
كانوا بضع مئات، تلاقوا عند التمثال التذكاري للأمين العام السابق للحزب الشيوعي جورج حاوي، القائم في وطى المصيطبة، ومن هناك جابوا بعض شوارع العاصمة. عنوان التظاهرة «دافع عن لقمة عيشك». عبارة تتردد عشرات المرات على ألسنة الناشطين: «الشعب يريد إسقاط النظام». وصلوا إلى قرب تمثال رياض الصلح. كلمات أذيعت باسم المعتصمين. حماسة استعراضية من بعض الشبان. و... تفرّقوا.
قصة صغيرة تحكى ببضع كلمات لا أكثر، يمكن من خلالها سرد ما حصل في التظاهرة التي دعا إليها اتحاد الشباب الديموقراطي أمس. فشعارات التظاهرة واسعة إلى حدّ الضياع، استهدافاتها غير دقيقة، سلسلة تساؤلات تتزاحم في عقل المشاهد والمشارك في آن، أي حكومة يتوجه إليها المتظاهرون؟ أي وزير؟ أي مسؤول؟ أي مجلس نواب؟ من يرغبون في إسقاطه؟ لا بل أي شعب يريد إسقاط أي نظام؟ أين هو الشعب أصلاً الذي يريد القيام بهذه الفعلة؟ فقد استورد اللبنانيون شعاراتهم من الثورات الشعبية الرائعة التي تحدث في مصر وتونس. أسقطوها على الشارع اللبناني في زمان غير مناسب أبداً، وفي مكان لا يحتضن «ثواراً» ولا جائعين ولا فقراء. نفذوا تحركاً ظهر كرفع العتب. تحرّك ظهر كأنهم يريدون الإثبات لأنفسهم أنه لا ينقصهم شيء ليتماثلوا مع الشعبين التونسي والمصري. شعور ذاتي لا أكثر. نفضوا المياه التي انسابت على ثيابهم من جرّاء المطر لا سيارات الإطفاء. شعور الاستضعاف الدائم يلفّهم من جراء عدم استجابة «الشعب» لمطلب «إسقاط النظام». أداروا ظهورهم للقوى الأمنية، وذهبوا... تظاهرة بلا هدف!«الشعب» في مكان آخرالساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف من صباح يوم عطلة رسمية، وهو يوم الأحد. الشعب نائم حالياً. إمرأة تخرج إلى شرفتها وتصرخ بالمتظاهرين بعربية تغتصبها بعض الأحرف الأجنبية: «معقول؟ يا عيب الشوم عليكن، غوحوا عبيوتكن». أما المتظاهرون، فمدجّجون بأعلام حزبية، يسيرون تحت المطر الغزير، يهدأون بين شعار وآخر، لتعود عبارة «الشعب يريد إسقاط النظام» لتدغدغ ما بقي لديهم من أحلام بالتغيير. ومن الكولا إلى مار الياس كان المشهد موحّداً: الشعب على الـ«برندات» ومئات من اليساريين في الشارع يهتفون «انزل عالشارع يا شعبي، عن حقك دافع يا شعبي»، الـ«برندات» لم تتحرك، وكذلك من يقف عليها. المشهد أصبح مألوفاً لا يستفزّ المتظاهرين الذين لا تتغيّر وجوههم. «أعرف الجميع»، يقول أحد الشبان، كلّهم يساريون. هم أنفسهم يحملون شعارات باسم الشعب كله، فيما كل جزء من الشعب ينتظر كلمة السر من زعيمه لينزل إلى الشارع، لا من أجل الرغيف، لا من أجل البنزين، بل ليدافع عن نظام واستمرارية «فلان»، أو لدعم الدولة الفلانية أو الحزب الفلاني. تُنعم إحدى المتظاهرات النظر في لافتة كتب عليها «الرغيف ليس له طائفة، الجوع ليس له دين»، شعار من المفترض أن يوحّد آلاف اللبنانيين. تنظر الشابة حولها لتستنتج «يبدو أن الدولة تبيع صفيحة البنزين إلى اليساريين بسعر أغلى، وربما هي تنقص رغيفاً إضافياً من ربطة خبز اليساريين دون غيرهم، وإلا أين هم المتضررون الفعليون من السياسة الاقتصادية للحكومة اللبنانية؟» التساؤل يأتي في التوقيت المناسب، إذ وصلت التظاهرة إلى المنطقة المحيطة بجامع زقاق البلاط، هناك الفقر يهضم ملامح الأزقة، وهناك تتقارب المنازل إلى حدّ الاندماج، وهناك أيضاً وقف «الشعب الفقير» أمام منازله، تبعده خطوات عن المتظاهرين، ولا من استجابة تحدث. يستمر المتظاهرون بالسير في وجهتهم المحددة، نحو السرايا. عجقة صور إعلانية للتظاهرة تبرز على الحيطان، «فقر، فساد، سرقات، جوع، بطالة، هجرة، ديون، 30 / 1/ 2010، تحرّك». فقد تميّز هذا التحرك بحملة إعلانية تحريضية غير مسبوقة، حيث بدأت الدعوات منذ أسابيع في وسائل الاتصال الحديثة من فايسبوك ورسائل إلكترونية، ولافتات على الطرقات، وصور إعلانية، كلّها تحضّ على المشاركة... ولكن لا استجابة.
زوبعة في فنجان
يهمس أحد المتظاهرين في أذن صديقته: «فليضيفوا كلمة إلى العبارة. فلتصبح مثلاً: الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي، فقد تصبح منطقية أكثر». فهنا، الآن، عند الساعة الواحدة من بعد ظهر 30 كانون الثاني من عام 2011، يخضع لبنان لحكومة «تصريف أعمال»، وفي المقابل كُلّف رئيس حكومة جديد لم يؤلّف حكومته بعد. الأرجح أنه ما من تغيّر سيحدث في مقاربة الهموم المعيشية للمواطنين. فالسلطة في لبنان لا تنتج سوى نفسها، ولكن التحرك لا بد أن يحدد بسقف، إسقاط النظام هو سقف لا بد منه. النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الممسك برقاب اللبنانيين. إلا أن النظام اليوم، وهنا، والآن، عند الساعة الواحدة من بعد ظهر 30 كانون الثاني من عام 2011 ليس هناك من يسوسه، لا رئيس ولا مسؤول ولا مدافع عن النظام، فالكل يستطيع أن يدّعي المعارضة، الكل من دون استثناء، الحكومة السابقة، ورئيس الحكومة الجديد، والأسماء التي تُطرح للحكومة المقبلة.يحمل أحد الشبان رغيف خبز، يأكل جزءاً منه، «الجوع كافر» يقول، رأسه يذهب يميناً ويساراً، فهو ليس راضياً. يكتمل المشهد عند الواحدة والنصف من بعد الظهر، حوالى 7 أو 8 شبان يتحلقون بعضهم حول بعض، بلباسهم العسكري النافر يتوحدون. يتراصفون. يتدافعون نحو القوى الأمنية، يطلق أحدهم صرخة: «نحو احتلال السرايا»، في المواجهة يكون رفاقهم، يسألونهم «أي سرايا؟ إنها فارغة، المهم حكينا؟». تنتهي زوبعة الفنجان، والسرايا تبقى محررة. يقول أحد المتظاهرين: «أيّ شعب بدو يشارك؟ كل زعمائهم موجودون بالسلطة، بكرا بس يصير في حكومة من لون واحد ساعتها بينزلوا تيثبتوا إنو في لون تاني، هيدا لبنان، مزرعة طوايف». وتردد إحدى المشاركات مقولة لزياد الرحباني مفادها: «لتعمل ثورة على النظام لازم يكون في نظام. ليك إذا عملت ثورة على شي مش موجود كيف بتزبط معك؟ طب ما في نظام كيف عملت ثورة عليه؟ أي ساعة عملتها؟ وين كنت؟ أنا ما شفتك... أول ثورة بدها تصير من أجل النظام وتاني ثورة لتغيّر النظام...».
80%
هي نسبة الضرائب غير المباشرة التي يدفعها اللبنانيون نسبة إلى إجمالي حجم الإيرادات المجباة في لبنان، وهذه الضرائب هي في غالبيتها ضرائب على الاستهلاك، وتستهدف هذه الضرائب خصوصاً الفقراء وذوي الدخل المحدود
وقف الفساد والسرقات
قال رئيس اتحاد الشباب الديموقراطي علي متيرك، في كلمته، إن إعادة بناء الوطن واقتصاده لا تقوم على سياسة الضرائب والـtva وخدمة المصارف لأصحاب ذوي النفوذ، أو في ضرب القطاعات العامة وتغييب دور الدولة الناظم، ومنع الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وضرب التعليم الرسمي من المدرسة إلى الجامعة الوطنية خدمة للجامعات الخاصة والطائفية، بل بإعادة الاعتبار إلى قطاعي الصناعة والزراعة، ووضع حدّ للهجرة الدائمة، وخفض أسعار السلع الغذائية والعقارات والمحروقات، وتوفير الأمن الاجتماعي والاقتصادي، ووقف الفساد والسرقات.
اقتصاد
العدد ١٣٢٨ الاثنين ٣١ كانون الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق