4‏/3‏/2012

مقابلة/ ابراهيم كنعان

الإنجاز الأهم: إطلاع الناس على حقيقة الملف المالي

•لا يجوز المصادقة على الموازنة قبل قطع الحساب وفق الدستور

• لم نفتعل الإشكالات في حسابات الدولة
لم تشهد لجنة المال والموازنة منذ الاستقلال حتى الآن اهتماماً سياسياً وشعبياً كالذي تشهده اللجنة اليوم، ففي بلد الـ«لا رقابة»، دخلت اللجنة إلى النفق المظلم وبدأت النبش فيه، أعلنت أنها ستعيد الموازنات إلى القواعد الدستورية والقانونية، فإذا بباب مغارة علي بابا ينفتح على مصراعيه، وتنكشف ملفات وزارة المال ذات الوزن الكبير، وأهمها أن حكومات لبنان تصرف منذ 17 عاماً من دون أي رقابة على حساباتها المالية... رئيس اللجنة ابراهيم كنعان، يوضح بعض الأمور، ويقترح بعض الحلول في هذه المقابلة مع «الأخبار»



أجرتها رشا أبو زكي
ما الذي تغيّر في لجنة المال والموازنة خلال ولايتك الحالية؟

ـــــ كل إنسان له أسلوب وطريقة عمل وقناعات، ولكن لا ينبغي أن تتحكم القناعات السياسية بعمله، ولذلك اعتمدت على الدستور والنظام الداخلي للمجلس النيابي وقانون المحاسبة العمومية، وأخذت القرار بأن أقول الأمور كما هي، وكما أراها، وأن أعرضها على اللجنة وفق الأصول حتى لو لم يشاركني فيها، كلّها أو بعضها، عدد من الزملاء الذين يمثلون بعض التيارات السياسية. ومن جهة أخرى، فإن نواب اللجنة فاعلون تشريعياً وحاضرون نيابياً، ولجنة المال والموازنة لها أهمية كبيرة تستوجب العمل الجدي والدقيق، وخصوصاً أن رئيس مجلس النواب يطلق عليها اسم «أم اللجان»، لكونها تضم بين أعضائها رؤساء للجان نيابية أخرى، إضافة إلى كونها تضم نواباً ناشطين تشريعياً واستمروا في مواقعهم منذ سنوات ويملكون خبرات واسعة في عمل اللجنة ومهامها.
■ ماذا حققت اللجنة من خلال الأسلوب الجديد الذي أدخلته على آلية عملها؟


ـــــ لجنة المال والموازنة درست وناقشت أكثر من اقتراح قانون، وأثبتت دينامية معينة، وفتحت الباب أمام استعادة دورها الذي يرتكز على وظيفة الرقابة البرلمانية، وذلك بنحو جدي ومعمّق، وكان لها دور في بحث أمور كانت تعدّ من خارج مهامها، أو «تابو» لا يمكن المس به، ومنها مثلاً بحث موضوع ارتفاع الفوائد على سندات الخزينة مع مصرف لبنان وجمعية المصارف ووزارة المال، ما جعلنا ندخل في صلب العمل التدقيقي البرلماني التي أعادت لجنة المال، وعبرها المجلس النيابي، إلى خريطة النظام السياسي حقيقةً وفعلاً. ومنذ البداية وحتى اليوم، ساعدت الظروف الاقتصادية والمالية على تحقيق العديد من مطالب اللجنة وتوصياتها، بحيث أثبتت تماسكاً وحضوراً بهذه الأمور، كما دخلت اللجنة الى عمل الصناديق، ومنها مجلس الإنماء والإعمار ودوره ومدى تقيّده بالقوانين التي تنظم عمله، خاصة المرسوم رقم 77/5 الذي أنشأ مجلس الإنماء والإعمار وأعطاه دور وزارة التصميم، وقد عملنا على إدخال المجلس في سياسة الدولة المالية، بحيث اتخذ قرار في الحكومة بموازنة تشمل كل الصناديق.كذلك قدمنا منهجية جديدة في مناقشة الموازنة لإعادتها إلى حضن الدستور وقانون المحاسبة العمومية. وقد تفاهمنا مع الزملاء على عدد من النقاط، وحققنا تجميع كل الواردات والنفقات وترشيق الموازنة بحيث نُخرج من الموازنة البنود التي لا علاقة لها بها، ليصبح عام 2010 هو عام التأسيس لموازنات قانونية ودستورية ستقدم خلال السنوات المقبلة.
■ لكن هل التزمت هذه المنهجية في موازنة 2011 التي تقدمت بها وزارة المال مؤخراً إلى الحكومة؟


ـــــ نحن في مجلس نواب، وفي لجنة مال وموازنة، لم نتسلم حتى الآن موازنة عام 2011، وبالتالي لا نستطيع إصدار أحكام مسبقة على مضمونها، لكن ما سمعته، وخاصة من وزيرة المال ريا الحسن، أنها أخذت في الحسبان جزءاً من المنهجية، وليس كل شيء، إذ صرّحت بأنها أزالت من مشروع الموازنة نحو 50 في المئة من البنود التي لا علاقة لها بالموازنة. لا شك في أن أسلوبنا أثّر بعملية إعداد الموازنة، وخصوصاً مع مواكبة الرأي العام ووسائل الإعلام لعملنا، وأصبح الناس يعرفون ويشاركون في ملف كان يبعد عنهم، وهنا أرى أن الإنجاز الأهم الذي حققناه يتمثّل بإعادة الاهتمام إلى الملف المالي، وخصوصاً نحن النواب الذين يجب علينا إطلاع مَن نمثّلهم على عملنا من خلال وظيفتنا الرقابية ودورنا في فرض احترام الضوابط القانونية وتحقيق أهداف السياسات المالية.
■ إذا وصلت موازنة عام 2011 الى اللجنة وتبين عدم التزامها سوى جزء من الضوابط الدستورية والقانونية التي تطالبون بتحقيقها، فهل تعيدون سبحة النقاش نفسه في اللجنة؟


ـــــ إن العمل العام يحتاج إلى تراكم، فإذا كانت وزيرة المال قد التزمت 50% من بنود المنهجية الجديدة لإعداد الموازنات، فسنقيمها في اللجنة، وسنحاول العمل على أن تكون ملتزمة كافة بنود المنهجية، إذ على وزارة المال أن تستفيد أكثر من مناقشات لجنة المال لأن ثمة وقتاً قد صرف، وجهداً حقيقياً قد بذل، ونقاشاً جدياً شاركت فيه جميع القوى السياسية الممثلة بالسلطة، وبالتالي من المفترض أن تكون الحكومة قد استفادت من نقاشات اللجنة، وأخذت بتوصياتها.فقد قدّمت وزارة المال مشروع موازنة عام 2011 الى الحكومة بتأخير طفيف عن المهلة المحددة لها، وذلك لتحقيق هدف شكلي وجزئي يقول بأن الوزارة حققت إنجازاً بتقديم الموازنة ضمن المهلة، لكن مجلس الوزراء لم يبدأ بمناقشة المشروع حتى الآن وهو تجاوز المهل المفروضة عليه، وبالتالي فإن المجلس النيابي سيكون مضطراً لعدم التزام المهل، وهذا يخالف توصيات اللجنة. لذلك كان الأفضل لوزارة المال أن تستغل الوقت الضائع لإدخال المزيد من الإصلاحات على مشروع الموازنة، لكن يبدو أن ليس هناك تقدير لعمل النواب في اللجنة من دون استثناء، إذ إن بعض النقاشات تتخطى الانقسامات السياسية، وكانت إرادة الإصلاح لتظهر لدى وزارة المال لو أخذت أكثر بنتيجة النقاش وتفاعلت مع إرادة الناس عبر إعطاء أهمية أكبر للعمل الدستوري والقانوني الذي تمثّله لجنة المال والموازنة.
سمعنا عن الكثير من المعارك في اللجنة، خاضها فريق المعارضة، لماذا تخوضون هذه المعارك؟

ـــــ خلال تستلمي رئاسة اللجنة، صممت على إدخال أسلوب جديد على العمل، علماً أن عدداً كبيراً من أعضاء اللجنة لم يكن معتاداً هذا الأسلوب، وربما الظروف وطريقة طرحي للأمور، ومضمون النقاشات، كل ذلك خلق حالة من التساؤلات، وتباينت المواقف بين الرفض والقبول. كما أن مسار النقاش مع أطراف عدة أوصل إلى تعارض في المواقف، الا أنه مع الوقت أصبحت أفهم أكثر واقع العمل، وأصبح أعضاء اللجنة يتفهمون أكثر طريقة عملي، وتحسّنت الأمور كثيراً، ومنذ تستلمي رئاسة اللجنة كان لديّ ثبات على نهج معين، وحاولت أن أوصل أفكاري وأقنع الآخرين به، كما كان للبعض أحكام مسبقة علي، إلى أن وصلنا الى مرحلة حيث تتكثف النقاشات القانونية والدستورية، إذ ليس في كل الأوقات تتحكم الاصطفافات السياسية بعمل اللجنة، بل العمل البرلماني والرؤية القانونية... وبالطبع السياسة ليست معزولة عن المصالح السياسية، وجزء كبير منها له وقعه في العديد من الملفات إن كانت النقاشات خارج الموازنة أو تدخل في صلب مناقشة بنود الموازنة.
منذ بدء مناقشة موازنة 2010 وأنتم تتعرضون لهجوم وخصوصاً من وزيرة المال وفريقها السياسي، فهل هنالك شيء يخيف هذا الفريق من استمرار النقاشات هذه؟


ـــــ منذ أن وصلت موازنة 2010 الى اللجنة ونحن نتوقّع أن يكون هناك مشاكل،إذ لم تكن هناك نية في التغيير، حتى لو أن وزيرة المال كانت قد حضرت اجتماعات المنهجية الجديدة لإعداد الموازنة وأعلنت موافقتها على 80 في المئة منها، بحسب تصريح لها. إلا أن مشروع الموازنة ورد إلى لجنة المال في تموز الماضي بعد تأخير كبير ومخاض عسير، ولم تلتزم الحكومة نتائج جميع النقاشات التي كانت تدور في اللجنة، إلا بموضوع شمولية الموازنة، بحيث كانت هذه الموازنة كلاسيكية وتشبه سابقاتها، وبالتالي بدأنا العمل وحاولنا بإصرار المناقشة بالتفصيل في محاولة لإحداث خرق في المسار الذي كانت الأمور تسير به، وفي الفصل الأول من الموازنة المتعلق بمواد القانون الأساسية، الذي يتضمن مواد الموازنة، خلقت المادة رقم 5 المتعلقة باالاقتراض شرارة التعارض، بحيث استمر نقاشها جلسات عدة، وكنا نحاول أن نخرج بنتيجة، وهي إرسال مشاريع الاقتراض الى مجلس النواب مستقلةً عن بنود الموازنة، وذلك بحسب الدستور، وكذلك أن يكون حجم العجز هو سقف الاقتراض المسموح به، وهكذا عُدّلت المادة 5 وأصدرنا توصية أنه ابتداءً من عام 2011 يجب تحديد العجز رقمياً، لكونه لم يكن هناك سقف للاقتراض، وبالتالي يجب أن يكون هناك التزام من الإدارة المالية لتحديد نسبة معينة للسقف، وُعلّق أيضاً القانون 476 الذي يجيز للحكومة استبدال ديون بقيمة 7 مليارات دولار من دون العودة إلى مجلس النواب، حيث اكتشفنا أن هناك تجاوزاً لهذه الإجازة بحيث وصلت القروض إلى 8 مليارات دولار.أما موازنات الوزارات، فقد خضعت لتدقيق كبير، طاول أيضاً كل الصناديق والإدارات العامة، وعُلّقت مساهمات وبنود في موازنات الوزارات وحُدّدت فاعلية هذه المؤسسات، ولكون موازنة 2010 هي «بروفا» للسنوات المقبلة، صدرت عدة توصيات لتغيير أسلوب إعداد الموازنات، وخصوصاً أن الوزارات بدأت تنفق على أساس موازنة عام 2010 قبل إقرارها في مجلس النواب.
■ ما العلاقة بين قطع الحساب والموازنة، ولماذا تُتهمون بأنكم تثيرون موضوع قطع الحساب لتأخير إقرار الموازنة؟


الكثيرون رأوا أن موضوع قطع الحساب وحساب المهمة ليس من وظيفتنا ويعطّل عمل وزارة المال، والبعض رأى أن خلفية عملنا سياسية، إلا أنه ثبت أن هذا الموضوع غير صحيح، إذ أنجزت الموازنة ولا تزال جلسات قطع الحسابات مستمرة। التأثير والرابط بين هذين العنصرين هما في المحصّلة النهائية، إذ ثمة فرق بين الإقرار والمصادقة، فالمصادقة على الموازنة من مجلس النواب تفترض أن تبدأ بقطع حساب السنوات الماضية وفق المادة 118 من النظام الداخلي لمجلس النواب التي تقول إن مجلس النواب يبدأ بالمصادقة على قطع الحساب ومن ثم ينتقل إلى مواد قانون الموازنة واعتمادات الوزارات والمؤسسات العامة، وبالتالي فإن القانون لا يجيز للمجلس النيابي أن يصادق على الموازنة إذا كان لا يوجد قطع حساب.
ما هو مستندكم القانوني في هذا الموضوع؟


ثمة ارتباط دستوري، إذ إن المادة 87 من الدستور تجعل من عملية نشر الموازنة في الجريدة الرسمية، أي سريان العمل بها، مشروطة بالمصادقة على الحسابات النهائية، أي قطع الحساب، وهذا يلزم رئاسة الجمهورية دستورياً بطلب قطع الحساب قبل نشر الموازنة... من هنا فإن الرابط هو دستوري وقانوني، وليس رابطاً سياسياً كما يحاولون الترويج له، وبالتالي أصبحت الأمور أوضح بعد إنجاز مناقشات الموازنة بهيكليتها الأساسية، فالمشروع أقرّ في اللجنة لكن مصادقة الهيئة العامّة عليه تنتظر قطع الحساب، ونحن لم نشترط قطع الحساب قبل مناقشتنا مشروع موازنة عام 2010 رغبة منا بتسهيل عمل الحكومة ووزارة المال التي قالت إن قطع الحساب «على الطريق».ومع الوقت، بدأت تتكشف الإشكالات المتعلقة بقطع الحساب وحساب المهمة، وخصوصاً بعد أن أعلن ديوان المحاسبة أن جميع حسابات المهمة بين عامي 1993 حتى 2001 وضع عليها الديوان اعتراضات، فيما لم يتسلم أي حساب مهمة منذ عام 2001 حتى اليوم. وبالتالي نحن لم نفتعل الإشكالات، لأنها موجودة في الواقع، ولم نختلق الأزمة، فالأزمة قائمة بالفعل، وهو ما كشفته أعلى سلطة قضائية رقابية على الحكومة.
■ كيف يمكن الخروج من هذا الواقع الآن؟


ـــــ إن وزارة المال تمتنع عن إرسال مراسلاتها مع ديوان المحاسبة الى اللجنة، وقد وجهت رسالة إلى رئيس مجلس النواب أعلمه بهذا الامتناع المخالف للمادة 32 من النظام الداخلي التي تلزم وزارة المال إرسال أي مستندات إلى مجلس النواب، وسيُعرض ذلك على الهيئة العامة في أول جلسة، وخصوصاً أن الوزارة قبلت بشركة تدقيق دولية ولم تقبل برقابة مجلس النواب وهي رقابة الشعب على الحكومة وعلى عملها.المفروض ألّا نضيّع وقتاً في عمليات التبرير، إذ مرّت 17 سنة من دون حسابات مالية، وديوان المحاسبة أعلن ذلك، ووزارة المال وفريقها السياسي أقرا بوجود خلل تقني، ما يتطلّب تكوين حسابات سليمة عبر العودة إلى ميزان الدخول وفق المواصفات القانونية والدستورية التي وضعها ديوان المحاسبة. أو تأليف لجنة برلمانية رقابية. أو التزام المادة 23 من موازنة 2006 التي دعت ديوان المحاسبة ووزارة المال إلى وضع حل لهذه المشكلة.
العدد ١٢٧٠ الاثنين ١٥ تشرين الثاني ٢٠١٠

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق