4‏/3‏/2012

الحسن تُقر بالمخالفات المالية خطياً!

مذكرة لإنجاز ما لم ينجز خلال 17 عاماً... ونواب يطالبونها بالاستقالة

أقرت وزيرة المال ريا الحسن بالمخالفات الإدارية والتجاوزات القانونية خطياً، إذ أعلنت في مذكّرة سلّمتها إلى لجنة المال والموازنة أنه ليس هناك تدقيق ومطابقة بين حسابات المهمة وقطع الحساب منذ عام 1993، وأنها مستعدّة لمواصلة العبث بالحسابات المالية عبر منح نفسها سنتين لإنجاز ما لم تنجزه الوزارة طوال 17 عاماً... فلم يجد بعض النواب سوى مطالبتها بالاستقالة
رشا أبو زكي

الجلسة السادسة للجنة المال والموازنة المتعلقة بقطع الحساب وحسابات المهمة للدولة اللبنانية اختتمت أعمالها أمس، وبرودة أجواء النواب بعد انتهاء الجلسة خبّأت العاصفة التي دارت حول الطاولة المستطيلة في الطابق السفلي لمبنى مجلس النواب، حيث دارت نقاشات صاخبة، اتهمت فيها وزيرة المال ريا الحسن المعارضة بأنها تريد عدم إقرار موازنة عام 2010، فيما هدد رئيس اللجنة بالاستقالة من موقعه إذا جرى الحديث عن أي تسوية تحاول لفلفة ملفات مالية الدولة... والعاصفة التي بدأت بمناقشة مذكرة الحسن التي أرسلتها الأخيرة إلى اللجنة لتبنيها، ومن ثم أعلنت خلال جلسة اللجنة أنها «مذكرة داخلية» وليست مادة نقاشية، أثارت موجة من التساؤلات، وخصوصاً أن المذكرة تضمنت إقراراً خطياً بالعديد من المخالفات التي ارتكبت خلال السنوات الماضية، وكذلك أقرّت بالخلل الإداري الكبير في وزارة المال। والمذكرة هذه فضحت نية الحسن السير في الآلية نفسها في قطع الحسابات التي أدت إلى الخراب الحاصل، بحيث جاء في البند الأول من المذكرة: «يطلب من مديرية المحاسبة العامة وضع برنامج عمل تفصيلي لإنجاز قطع الحسابات لأعوام 2008 و2009 و2010 وفق الأسس التي اعتمدت سابقاً، وإيداعه ديوان المحاسبة وإيداعي (أي للحسن) نسخة مرفقة مع كتاب إحالة إلى مجلس الوزراء»! وإن كانت الحسن قد عدّت مذكرتها «مسودة حل» لأزمة قطع الحساب وحساب المهمة، إلا أن عدداً من النواب رفضوا أكثرية نقاطها، بحيث لم تحظ بتبني اللجنة ولا بموافقتها... وبالتالي كان الاتفاق على ثلاث نقاط «بالإجماع»، وفق ما قال رئيس اللجنة إبراهيم كنعان، وهذه النقاط هي:1ـــــ تأليف لجنة فرعية مصغرة تمثل الكتل النيابية في لجنة المال والموازنة لبحث تفاصيل قطع الحساب وحساب المهمة منذ عام 1993 حتى اليوم، والتوصيات التي ناقشها النواب في لجنة المال، على أن تضم هذه اللجنة التي يرأسها كنعان النواب: غازي يوسف، ياسين جابر، علي فياض، هنري حلو। وتعمل اللجنة الفرعية على تقصي الحقائق للوصول إلى أسباب الإشكالات الموجودة في حسابات الدولة المالية، وإيجاد حلول للخروج من الأزمة القائمة.2ـــــ إصدار توصية إلى الهيئة العامة لمجلس النواب تتعلق بتأليف لجنة تحقيق برلمانية لتقصي أسباب وجود مشكلات في الحسابات المالية.3ـــــ العمل على إنجاز البنود العالقة في موازنة عام 2010، خلال الجلسات المقبلة للجنة المال والموازنة، على أن يتزامن هذا الموضوع مع إنجاز وزارة المال أرقام قطع حساب موازنة عام 2008.الاستقالة فوراًوالصخب الذي رافق النقاشات داخل اللجنة أفرز مناكفات حادة خارج قاعة الاجتماع، بحيث خرج النائب عباس هاشم ليطالب باستقالة الحسن فوراً نتيجة المذكرة التي قدمتها ولأسباب عدة «أولاً لكي لا تكون هي المسؤولة عن كل الموبقات التي حصلت منذ سنة 93 لغاية اليوم، وثانياً لكي لا تكون هي الستار الواقي للتعمية التي حصلت في الحقب السابقة، وثالثاً حرصاً على إبراز الوجه التقني الذي رأيناه في هذه الوزيرة، لكونها أقرت بالكثير، عبر مذكرات وكلام مباشر بالصوت والصورة، أعتقد أنها كانت تستأهل أن نحيطها بعملية الطلب منها ومناشدتها الاستقالة تمهيداً للسماح بالدخول إلى دويلة وزارة المال، هذه الدويلة الحقيقية. وهذا يطرح أسئلة عن سبب الإصرار على إبقاء وزارة المال مع فريق سياسي واحد طوال الفترة الممتدة من 93 حتى اليوم»، داعياً إلى «محاكمة ومحاسبة كل الذين أساؤوا إلى المال العام وأساؤوا إلى العزة والكرامة عبر عملية إسقاطهم بهذا الكم من الإفقار».إلا أن تيار المستقبل رصد تصريح هاشم خارج قاعة الاجتماع، بحيث قال النائب أحمد فتفت لـ«الأخبار»: لقد علمنا كل ما قاله هاشم خلال وجودنا في الجلسة «نحن نعلم كل شيء، هيدي شغلتنا»! وهكذا خرج النائبان جمال الجراح ومحمد الحجار من الجلسة إلى قاعة الصحافيين، وباشرا ببث سيل من الاتهامات طالت رئيس كتلة الإصلاح والتغيير ميشال عون ونواب الكتلة! ومن دون وعي لما يقوله، أثبت الحجار خلال تصريحه أن وزارة المال هي مغارة علي بابا وأن من يريد أن يرأسها لا يكون مؤهلاً إلا إذا كان له باع في المخالفات القانونية والمالية، إذ قال إن «طموح الجنرال ميشال عون هو وزارة المال، لا رئاسة الجمهورية، وخصوصاً أن لديه نواباً ووزراء مهمين ولديهم باع طويل أمثال جبران باسيل وشربل نحاس، والمخالفات القانونية والمالية التي ارتكباها يمكن أن تؤهل أحدهم لأن يكون وزيراً للمال»!.أما الجراح فقال: «إن الحسابات المالية للدولة ليست منظمة بسبب حرب التحرير التي قام بها البعض ضد كل اللبنانيين»! واللافت في هذا الإطار، أن كلاً من النائبين أحمد فتفت وعاطف مجدلاني حضرا المؤتمر الصحافي للنائب كنعان عقب انتهاء الجلسة لـ«نرى إذا كانت ثمة حاجة للرد». أما الأكثر غرابة، فهي الضحكة القوية التي أطلقها مجدلاني حين ذكر ما قاله كل من الجراح والحجار!أما فتفت، فحاول أن يعلن أن تيار المستقبل هو «البطل»، بحيث أشار إلى أن «فريقنا هو من طالب بتأليف لجنة تحقيق نيابية، وذكرنا بمشروع القانون الذي تقدم به الرئيس فؤاد السنيورة في حكومته الأولى في شهر أيار 2006 بأنه طالب بتدقيق كل حسابات الدولة اللبنانية». إلا أن فتفت لم يشر إلى الأسباب التي دفعت نواب المستقبل في لجنة المال والموازنة إلى رفض تأليف لجنة فرعية للتحقيق وفق المادة 142 من النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تتولى وفق النظام نفسه «سلطات هيئات التحقيق القضائية»!مذكرة الإقرار والفضائح!أما مذكرة الحسن التي أثارت كل هذا الصخب، فقد تضمنت المزيد من الفضائح في مغارة وزارة المال، فقد حملت المذكرة الرقم 3753/ص1، وعنوانها «خطة عمل لإنجاز قطع الحساب وحساب المهمة»، وجاء فيها: «يطلب من مديرية المحاسبة العامة وضع برنامج عمل تفصيلي لتنفيذ ما يأتي:1ـــــ إنجاز قطع الحساب لأعوام 2008 و2009 و2010 وفق الأسس التي اعتمدت سابقاً وإيداعه ديوان المحاسبة وإيداعي نسخة مرفقة مع كتاب إحالة إلى مجلس الوزراء.2ـــــ توضيب مستودعات المديرية وأرشيفها ومستنداتها بطريقة عصرية، ما يسهّل عمل المديرية، ولاحقاً عمل هيئات الرقابة.3ـــــ تدقيق وإنجاز حساب المهمة لعام 2001 حتى عام 2010 ضمناً، على أن يُطابَق حساب المهمة مع قطع حساب لتلك الأعوام.5ـــــ تدقيق وإنجاز حسابات المهمة لعام 1997 وحتى عام 2000 ضمناً، وذلك بعد إعادة إنجازها من مديرية الخزينة وفق ملاحظات ديوان المحاسبة، على أن يُطابَق حساب المهمة مع قطع حساب تلك الأعوام.6ـــــ تدقيق وإنجاز حساب المهمة لعام 1993 حتى عام 1996 بعد إعادة إنجازه من مديرية الخزينة، على أن يُطابَق حساب المهمة مع قطع الحساب لتلك الأعوام. وطلبت الحسن أن يودع رؤساء فرق العمل التي ستؤلَّف رئيس دائرة المحاسبة ومدير المحاسبة العامة نتيجة المطابقة والتدقيق التي أجريت لتصحيح هذه الحسابات.وهنا تساءل عدد من النواب عن أسباب تمسك الوزارة بالأسس التي اعتمدت سابقاً في قطع الحساب والتي ثبت عدم صحتها وعدم قانونيتها كما ورد في التقارير السنوية لديوان المحاسبة؟ وعن الطريقة المعتمدة حالياً لتوضيب مستودعات المديرية وأرشيفها ومستنداتها، إن كانت وزيرة المال تطلب في مذكرتها تحويلها إلى طريقة «عصرية»، وكيف يمكن إيكال إنجاز حساب المهمة إلى مديرية المحاسبة العامة، مع أن المفترض أن يقوم بها محتسب الماليةالاتفاق على تأليف لجنة فرعية مصغرة للبحث في تفاصيل قطع الحساب وحساب المهمة منذ عام 1993 حتى اليوم

توصية إلى الهيئة العامة لمجلس النواب لتأليف لجنة تحقيق برلمانية المركزي؟ لا بل أشار عدد من النواب إلى أن طلب الحسن فتح الحسابات السابقة وتصحيحها يتنافى مع القانون الذي يجعل من هذه الحسابات مقفلة ويحدد طريقة تصحيحها بما لا يؤثّر على شفافيتها، ولا سيما أن مضمون مذكرة الحسن يقرّ بوجود مشكلة في حسابات الدولة منذ عام 1993 تستدعي المعالجة والكشف عن أسبابها ونتائجها।كذلك طلبت الحسن في المذكرة من مديرية الخزينة الآتي:1ـــــ إعداد مشروع قرار لوضع المادة 23 من قانون موازنة عام 2005 موضع التنفيذ، بما فيها وضع الحل التقني لميزان الدخول، وذلك بالتنسيق مع مديرية المحاسبة العامة.2ـــــ وضع برنامج لتدقيق سجلات وحسابات الفئة 4 من لائحة الحسابات وأهمها الأمانات والتأمينات والكفالات والمحجوزات وسلفات الخزينة والهبات والبلديات والأموال المودعة عن جميع الأعوام.3ـــــ مراجعة وتدقيق وتصحيح حساب المهمة لعام 1997 وحتى عام 2000...4ـــــ مراجعة وتدقيق وتصحيح حساب المهمة لعام 1993 وحتى عام 1996 ضمناً، وتصحيح الحسابات.5ـــــ توضيب مستودعات المديرية وأرشيفها ومستنداتها بطريقة عصرية... وقد أعطت وزيرة المال مدة «لا تتجاوز سنتين لإنجاز الأعمال المطلوبة في حسابات عام 1993 حتى 2010»! وهنا رأى بعض النواب أن قرار وضع المادة 23 من قانون موازنة عام 2005 يجب أن يكون مشتركاً بين وزارة المال وديوان المحاسبة، فيما توجيه الطلب إلى مديرية الخزينة هو تجاوز لعمل الديوان. كذلك إن المادة 23 قد استنفدت مفعولها عند إعداد حساب المهمة لعام 2006، وبالتالي يكون إصدار القرار بعد هذا التاريخ تجاوزاً لحد السلطة. وتساءل النواب عن الطريقة التي توضَّب فيها المستودعات وأرشيفها ومستنداتها، وكيف يمكن إيكال تدقيق حسابات الفئة 4 إلى مديرية الخزينة، فيما ذلك من مهمات مديرية المحاسبة العامة، وهل الهبات هي من واردات الموازنة أم من حسابات الفئة 4؟ وهل يوافق ديوان المحاسبة على طلب تصحيح الحسابات بعد إقفالها؟وتساءل النواب كذلك عن سبب تهميش المدير العام لوزارة المال، بحيث لم يُستَشَر بأي بند من بنود المذكرة ولم يدمغها بتأشيرته، على الرغم من أن المذكرة نفسها تلقي عليه مهمات عديدة، لا بل إن عدم تأشير المدير العام يعرض العمل الإداري للإبطال!يشار إلى أن المذكرة قد طلبت كذلك من المركز الإلكتروني تلبية ما تطلبه مديرية المحاسبة العامة من تقارير واطلاع على الأنظمة بناءً على طلب خطي من مدير المحاسبة! ما يطرح تساؤلاً عن السبب الذي يمنع ربط مديرية المحاسبة تلقائياً بالأنظمة المحاسبية في الوزارة، وعن المسؤول عن وضع أنظمة ثبت عدم صلاحيتها بدليل الفروقات في الحسابات التي ظهرت في بيانات الوزارة من جهة وفي الأسئلة التي توجه بها النواب في اللجنة من جهة أخرى. وقد رأى عدد من النواب أن هذه المذكرة ليست سوى إعلان نيات، وهي مذكرة الهرب إلى الأمام والمحافظة على الإدارة المالية ذاتها التي ثبت أنها لا تفعل شيئاً منذ 17 عاماً، لا بل إنها عبثت بالحسابات ولا تزال بالرغم من النصوص القانونية التي تحدد تواريخ إقفال الحسابات، ورأوا كذلك أن المذكرة هي محاولة لكسب الوقت لمدة سنتين للمماطلة، من دون أن يضمن أحد أن وزيرة المال ستأتي بعد سنتين لتقول: «لم أستطع إنجاز هذا العمل»!


7 أسئلة
قدمها النائب محمد الحجار تشير إلى أن المشكلة تعود إلى ميزان الدخول، وأن المشكلة محصورة في حسابات الغير، وأنه كان هناك دائماً تعاون مطلق بين وزارة المالية وديوان المحاسبة، وأن النيابة العامة المالية تحركت سابقاً، وتبين أن الأخطاء كانت تقنية بحتة، ولم تكن بنية الغش...
عجيبة العجائب
رأى النائب عباس هاشم (الصورة) أن الطلب من المركز الإلكتروني إعداد دفتر شروط لتلزيم شركات تدقيق متخصصة لإجراء مراجعة وتدقيق لأنظمة الموازنة والمحاسبة لا يستند إلى نص تشريعي، وهو «عجيبة العجائب» ويخالف الدستور والقوانين، إذ كيف يمكن المركز الإلكتروني إعداد دفتر شروط لتلزيم جهة تريد مراقبته؟ مشيراً إلى أن هذه «آخر وسيلة من وسائل لن نقول نهب المال العام، بل التعمية والتورية عن كيف سرق هذا الوطن، وكيف أصبح بهذا العجز وبهذا الكمّ من الدين العام»।

اقتصاد
العدد ١٢٨٢ الخميس ٢ كانون الأول ٢٠١٠

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق