4‏/3‏/2012

أمـــن المطـــار فـي قبضـــة الحـــوت!

 رشا أبو زكي
«في مطارنا إمبراطور»، يردد عمال شركة طيران الشرق الأوسط. يتحكم بكل التفاصيل. تارة يكون مديراً عاماً للشركة، وتارة يرتدي عباءة الاختفاء ويتزعّم نقابة عمال الشركة نفسها. يخلع العباءة، فيظهر في أول رواق الشركة مناصراً للحريرية بغض النظر عن حامل شعلتها، يختفي، فيظهر في نهاية الرواق مقرباً من حركة أمل... القوة الأسطورية، قدرة تمنح فقط للشخص القادر على الجمع بين الحريرية وأمل، وتجعله المدير العام لشركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت، صاحب القوة الضاربة!إنها قوة استطاعت ليل أول من أمس إدخال الضابطة العدلية إلى خط المواجهة بين الحوت وعمال الشركة، فإذا بها تستدعي رئيس نقابة مستخدمي وعمال شركات الطيران في لبنان محيي الدين مجبور وتحتجزه لأكثر من ساعتين بجرم «وضع لافتات في المطار»، رغم أن النقابة كانت قد أطلعت رئيس جهاز الاستقصاء في المطار على تحرك ستقوم به النقابة ضد من يهدد ديمومة العمال اللبنانيين في المطار!ترتبط قصة التحرك بفضيحة بُدئ الإعداد لها منذ ثلاث سنوات، عندما لزّم الحوت متعهداً من آل غلاييني استقدام عمال «حمّالين»، ومتعهداً من آل سعادة لاستقدام عمال تنظيفات، فكان أن بدأ كل منهما باستقدام عمال آسيويين، رغم وجود مئات الطلبات التي تقدم بها لبنانيون للعمل بصفة حمّال وعامل تنظيفات. وأسباب استقدام العمال الأجانب عديدة، منها تهديد العمال اللبنانيين بوجود بدائل في حال تنفيذهم أي إضراب وتحركات تطالب بتحسين ظروف عملهم، إضافة إلى تحصيل أموال إضافية للمتعهد؛ فأجرة العامل الأجنبي «الحمّال» هي تحديداً 200 دولار شهرياً، يُضاف إليها 70 دولاراً بدل منامة وسكن يؤمنها المتعهد، على ألا يقل دوام العمل عن 13 ساعة يوميّاً. أما أجرة العامل اللبناني فهي بين 500 و550 ألف ليرة، يُضاف إليها بدل نقل وبدل منح مدرسية، ويُدرَج العامل في الضمان. والفارق لا ينحصر بـ250 ألف ليرة، بل بفارق العمولة التي يتقاضاها المتعهد من الحوت التي تصل إلى 900 ألف ليرة عن كل عامل يُشغَّل في حرم الشركة. وهكذا يحصل المتعهد على 600 ألف ليرة على الأقل من كل عامل أجنبي يُشغَّل!يتحدث الحمّالون عن معاملة سيئة يتلقونها في الشركة، إذ يُشغَّلون لساعات طويلة مقابل أجرة زهيدة في ظروف عمل لا تراعي أدنى متطلبات السلامة والصحة العامة! لا بل إن المتعهد غلاييني يحسم يومين من أيام عمل كل عامل يتغيبـ ولو اقترن غيابه بوثيقة طبيّة تثبت حاجته إلى الإجازة. أما لزوم الوثيقة فيعود إلى سبب واحد هو: تحاشي الطرد من العمل!هذه الممارسات استدعت نقابة مستخدمي وعمال شركات الطيران في لبنان إلى التحرك، فأرسلت بتاريخ 7 آذار الجاري كتاباً إلى المدير العام لوزارة العمل بالإنابة عبد الله رزوق رقمه 575/3 ناشدوه التدخل لوقف عمليات استقدام العمال الأجانب وطرد اللبنانيين، وحمّلوا وزير العمل بطرس حرب مسؤولية «تشرد العمال وأسرهم»؛ لأنه وافق على منح تراخيص للمتعهدين المذكورين لاستقدام عمال أجانب من الخارج لمصلحة شركة طيران الشرق الأوسط. فأعلن حرب أن التراخيص التي وقّعها تتعلق حصراً باستقدام عمال أجانب للعمل في التنظيفات، وألف لجنة تحقيق للتأكد من معطيات النقابة، فإذا بتقرير اللجنة يطمس بعدما أثبت أن العمال الأجانب يزاحمون اللبنانيين فعلياً في أعمال لا تتعلق بالتنظيفات، وأن ظروف عملهم سيئة جداً.وفي اليوم التالي بعد مجيء اللجنة إلى المطار، استدعى المدير العام للطيران المدني بالوكالة دانيال الهيبة رئيس النقابة محيي الدين مجبور، وأعلمه بسحب إذن دخوله حرم المطار. لم يسلَّم مجبور الإذن، وناشد وزارة الداخلية والقصر الجمهوري التدخل، فكان ما أرادته النقابة... إلى أن نُفذ اعتصام أول من أمس في المطار، ورفعت خلاله لافتات تدعو إلى إنصاف العامل اللبناني وعدم تشريده، فما كان من الضابطة العدلية في المطار إلا أن نزعت اللافتات من دون إبلاغ النقابة، واستدعت رئيس النقابة إلى التحقيق بـ«جرم وضع لافتات من دون إذن»، علماً بأن النقابة أرسلت إلى رئيس جهاز الاستقصاء في المطار كتاباً يعلمه بتنفيذ التحرك، الساعة الواحدة و6 دقائق من بعد ظهر يوم 14 آذار، وبيّنت آلة الفاكس وصول الكتاب إلى المتلقي! ويشير المتابعون إلى تدخل مباشر من الحوت للانقضاض على النقابة، بعدما سيطر على نقابة عمال شركة طيران الشرق الأوسط، فبدأت الإشكالات لتنتهي إلى وقف عمل النقابة. وأجل الحوت شخصياً انتخابات النقابة من مطلع العام الجاري إلى شهر نيسان المقبل باتصال مباشر مع وزير العمل بطرس حرب! ويؤكد المتابعون أن الحوت قدم سلفاً بقيمة 10 ملايين ليرة لعدد من العمال «الحمّالين» بعدما ألفوا لجنة نقابية، فسبب الانشقاق في صفوفهم.المجلس التنفيذي لاتحاد نقابات قطاع النقل الجوي في لبنان انضم أمس إلى المطالبين بوقف المخالفات في المطار، فأعلن بعد اجتماع برئاسة محمد شبلي فواز أنه «عوضاً عن بذل الجهود الحقيقية لمكافحة البطالة المتزايدة في البلاد واتخاذ الإجراءات الفاعلة لحماية اليد العاملة اللبنانية من المنافسة غير المشروعة من العمال الأجانب، وخلف الخطابات الاستعراضية المتلفزة، أغدق وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال بطرس حرب عشرات الموافقات لمتعهدي الخدمات في مطار بيروت لاستقدام أكثر من 250 عاملاً آسيوياً تحت ذريعة عمال تنظيفات وحمّالين، مبرراً أن العمال اللبنانيين يأنفون من العمل في هذه المهنة».ولفت إلى أن «ما يجري في مطار بيروت من مخالفات قانونية واستباحة لهذا المرفق العام، يوضح خلفية القرار السياسي لوزير العمل باستبدال العمال اللبنانيين بعمّال آسيويين، لكي يستروا عري الممارسات والمخالفات القانونية والهيمنة على هذا المرفق الحيوي العام».دائرة المحتجين تتوسع... الاتصالات بوزارة الداخلية أدت إلى إخلاء سبيل رئيس النقابة محيي الدين مجبور مساء أول من أمس بسند إقامة... النقابة ستعاود تحركاتها قريباً... بانتظار أسلوب جديد من القمع!
سياسة
العدد ١٣٦٥ الخميس ١٦ آذار ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق