10‏/11‏/2011

الأجر الاجتماعي: الصحّة [1/3]


التغطّية الصحّية الشاملة تدعم مداخيل الأسر غير المضمونة
(أرشيف ــ تصوير هيثم الموسوي)
تتحمّل ميزانيات الاسر المقيمة في لبنان أكلافاً باهظة للحصول على خدمات الصحّة والتعليم والنقل (بالاضافة الى السكن وبدائل الكهرباء والمياه طبعاً)، وهذا ما يجعل مقاربة تصحيح الاجور المقتصرة على زيادة الاجر النقدي مقاربة ناقصة، اذ إن أنها تنحصر بفئة الاجراء النظاميين الذين يؤلفون نحو 29% فقط من القوى العاملة... في ما يأتي تحقيق من 3 اجزاء يتناول اكلاف الصحّة والتعليم والنقل
رشا أبو زكي
ماذا لو؟ سؤال يتضمن أمنيات، او يرسم علامات استفهام، والأكيد انه ينطوي على اقتراح حل لمشكلة قائمة. فماذا لو ان جميع اللبنانيين المقيمين يتمتّعون بنظام ضمان صحّي شامل مموّل من الضرائب التي يتحمّلونها؟ ماذا لو ان اكثر من نصفهم لا يتحمّل كلفة الطبابة والدواء والمختبر والاستشفاء على حساب مستوى معيشته؟ وماذا لو ان احدا منهم لا يكون معرّضا للموت على باب مستشفى يرفض استقباله لأنه لا يملك المال الكافي للعلاج؟ ماذا لو ان في لبنان دولة تحترم حق مواطنيها بالصحّة من دون ان يضطروا الى الاستزلام او بيع الولاءات؟
الاجوبة ليست صعبة، إذ ان كلفة تأمين الرعاية الصحّية تمثّل العبء الأهم على ميزانيات الاسر، وبالتالي فإن تعميم الضمان الصحّي ينطوي على تحسين ملموس في مستوى الدخل، ولا سيما دخل غير المشمولين بأي نظام تأمين دائم ومستقر.
حتى اليوم لم يعمل أي جهاز احصائي للحصول على رقم دقيق يحتسب كلفة الصحة من ميزانيات الأسر غير المضمونة، الا أن الخبراء يقدّرون هذه الكلفة بنحو 15 في المئة من الميزانية السنوية للأسرة، وهذا لا يشمل الكلفة المترتّبة على عدم الحصول على الطبابة او الدواء في حالات معيّنة يتجاهلها من لا يقدر على تحمّل هذه الكلفة.
على اي حال، تشير منظمة الصحة العالمية في دراسة نشرتها في العام 2009 الى ان حصّة الفرد من مجموع النفقات الصحّية تبلغ نحو 1054 دولاراً أميركياً، فيما مجموع النفقات الصحية يبلغ 8.1 في المئة من الناتج القومي الإجمالي. وتشير تقديرات البنك الدولي الى ان اللبنانيين يمولون من جيبهم الخاص نحو 80 في المئة من الانفاق الخاص على الفاتورة الصحية. والانفاق الخاص يؤلف نحو نصف الانفاق على الصحّة في لبنان، وهذا الرقم يدل الى الواقع المطلوب استكشافه، وهو مؤشر كان قد ارتكز عليه رئيس رابطة الاساتذة الثانويين حنا غريب في المؤتمر النقابي الأخير للقول إن الفاتورة الصحية في لبنان هي الأعلى عالمياً.
ويرى الخبير الاقتصادي غسان ديبة أن كلفة الصحّة مرتفعة، والأسباب تعود الى وجود فائض في العرض داخل السوق الصحية، ما يؤدي الى زيادة في استخدام الخدمات الصحية والمعدات الطبية. فضلاً عن ان العدد الكبير للصناديق الضامنة وتشابه تقديماتها وتشتتها يزيد من الطلب. والنتيجة أن النظام الصحي يدفع الناس إلى استخدام الاستشفاء «اكثر من اللزوم». اذ ترتفع نسبة الاستهلاك الصحي نتيجة عدم توافر الطب الوقائي والرعاية الصحية الأولية. وهكذا ينتظر اللبنانيون، غير المضمونين خصوصاً، تطور أزماتهم الصحية للدخول الى المستشفى.، فترتفع كلفة العلاج، وتتضخم أسعار الأدوية، ويزيد استهلاك الأدوات الطبية، وبالتالي تتزايد الكلفة الصحية.
ويقدّر معدل كلفة الفاتورة الصحية في الشرق الاوسط بنحو 5 في المئة من الناتج المحلي، بالمقارنة مع أكثر من 8 في المئة في لبنان. الكلام للخبير الاقتصادي جاد شعبان. ويشير الى ان المشكلة تكمن في أن 54 في المئة من الانفاق الصحي هو انفاق الخاص و80 في المئة منه يموّل مباشرة من جيب المواطن، علماً ان المستشفيات تمتص 75 في المئة من الانفاق العام على الصحة.
اذاً، المشكلة الاساسية بحسب شعبان موجودة في بنية القطاع. «في لبنان تتم معالجة المواطنين حين تتطور أمراضهم، إذ لا وجود لبرامج الوقاية الصحية ولا للرعاية الصحّية الاولية، هكذا ينتظر المريض ليصبح معه مرض في القلب أو السكري أو غيره، ترتفع كلفة العلاج، تصل الى ضعف ما كان على الدولة انفاقه لإيجاد نظام للرعاية الصحية الأولية، وللبرامج الوقائية في آن.
يقول شعبان ان هناك حلقة مترابطة، فانخفاض الانفاق على الرعاية الصحية الاولية والبرامج الوقائية يقابله نمو لمستوصفات ومراكز الجمعيات السياسية والطائفية في بيروت والمناطق. ومن جهة أخرى ترتبط الدولة بعقود مع المستشفيات الخاصة لتمويل فواتيرها الباهظة وجزء منها وهمي. والسؤال يطرحه شعبان: «لماذا لم تعمد الدولة خلال السنوات الماضية إلى الإنفاق على الرعاية الصحية الأولية بدلاً من الانفاق المسرف على المستشفيات؟» الجواب في كنف السؤال.
الهدر موجود في طبيعة السوق الصحية، يقول ديبة، ولذلك يساهم نظام التغطية الصحّية الشاملة في حل المشكلة، اذ انه يؤمّن حقّهم بالصحّة ويخفض انفاقهم على الخدمات الصحّية ويسمح برسم سياسات صحّية ترتكز على الرعاية الاولية والطب الوقائي، وبالتالي يؤدي الى خفض توجه المواطنين نحو المستشفيات والمؤسسات الصحّية، فينخفض فائض العرض والطلب والكلفة الاجمالية. ويشير ديبة الى ان مشروع التغطية الصحّية المطروح يتيح الابقاء على انظمة تكميلية، وذلك بهدف المحافظة على مكتسابات العاملين في بعض القطاعات الذين يتمتعون بمزايا أكبر في التغطية من خلال الصناديق القائمة، وهي صناديق تمول من الاشتراكات حصراً.
ويستند ديبة الى الدراسات التي تفيد بأن الدولة تدفع حالياً نحو 900 مليار ليرة على تمويل الانفاق العام على الصحّة، في حين ان شمول جميع اللبنانيين بالضمان الصحي يرتّب كلفة تصل الى نحو 1850 مليار ليرة، اذا اعتمد مستوى التقديمات التي يوفّرها صندوق الضمان حالياً، ويمكن ان ترتفع الكلفة الى الفي مليار ليرة في حال شمول طب الاسنان والعيون. هذا الفارق في الكلفة يمكن ان يمول من الضرائب على الريوع العقارية والمالية، وليس من ضرائب الاستهلاك، ما يؤدّي الى تحسين مستوى المعيشة عبر خفض انفاق الاسر على الصحة بنحو كبير، وترتفع بذلك مستويات الدخل نتيجة التخلص من عبء الخدمات الصحّية الثقيل لأكثر من نصف اللبنانيين غير المشمولين بأي تغطية صحية، وللآلاف الذين يخرجون من العمل النظامي الى التقاعد او البطالة.
ويشدد شعبان على ان الضمان الصحّي الشامل «هو خطوة اولى» نحو اعادة النظر كلياً في النظام الصحي، اذ لا بد من اعتماد نظام البطاقات الصحية التي تحتوي على الملفات الطبية لجميع المرضى، وذلك يساهم في رصد الاوضاع الصحّية ومؤشّراتها ورسم سياسات الرعاية الصحية الأولية والطب الوقائي والاستثمار في تحسين صحّة اللبنانيين. ويقول شعبان إنّ اصلاحات كهذه يمكن أن تخفض كلفة الفاتورة الصحية على الأسر الى النصف تقريباً.


56%
هي نسبة الإشغال في المستشفيات الحكومية، وهذه النسبة تعدّ متدنية جداً بحسب جاد شعبان، اذ يزيد المعدل العالمي على 80 في المئة، لافتاً الى أن تطوير المستشفيات الحكومية يخفض من الكلفة الصحية ويقلل من الاعباء على الاسر اللبنانية.

المتعاقدون مع الضمان
ارتفع عدد المستشفيات المتعاقدة مع صندوق الضمان إلى 135 مستشفى، والأطباء إلى 10.489 طبيباً، والصيدليات إلى 2.188 صيدلية والمختبرات إلى 365 مختبراً ومراكز الأشعة إلى 113 مركزاً. ويشير تحليل التقديرات التي أجراها برنامج «MILES» إلى أن الدولة تدفع ما لا يقل عن 730 مليار ليرة على الخدمات الصحية: 315 مليار ليرة بواسطة وزارة الصحة العامة، 135 مليار ليرة على الضمان الاجتماعي، 74 مليار ليرة لتعاونية موظفي الدولة، 11 مليار ليرة لصناديق التعاضد، 40 مليار ليرة لتغطية العجز في الضمان الاختياري، 155 مليار ليرة لتمويل صناديق الأسلاك الأمنية والعسكرية.
اقتصاد
العدد ١٥٥٨ الخميس ١٠ تشرين الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق