11‏/11‏/2011

الأجر الاجتماعي: التعليم [2/3]




الدولة تشجع التعليم الخاص على حساب العام (هيثم الموسوي)
27 مليار ليرة لتطوير الرسمي، و350 ملياراً لمدارس الطوائف!
تتحمّل ميزانيات الأسر المقيمة في لبنان أكلافاً باهظة للحصول على خدمات الصحّة والتعليم والنقل (إضافة الى السكن وبدائل الكهرباء والمياه طبعاً)، وهذا ما يجعل مقاربة تصحيح الأجور، المقتصرة على زيادة الأجر النقدي، مقاربة ناقصة، إذ تنحصر بفئة الأجراء النظاميين الذين يؤلفون نحو 29% فقط من القوى العاملة... في ما يأتي الجزء الثاني من تحقيق من 3 أجزاء يتناول أكلاف الصحّة والتعليم والنقل
رشا أبو زكي
في برنامج الـ «شي أن أن» الفكاهي مر تقرير عن التعليم الرسمي في العالم. ذكر أن أفضل الجامعات العالمية هي أميركية وبريطانية، وهي جامعات رسمية طبعاً. في لبنان الجامعة اللبنانية هي مكسر عصا السلطة اللبنانية لمصلحة المؤسسات التعليمية التي يمتلكها أو يرعاها الموجودون في هذه السلطة نفسها. وهذا ما يفسّر المفارقة الغريبة، إذ إن الدولة اللبنانية تنفق أكثر من 350 مليار ليرة لتشجيع الأهالي على إدخال أولادهم إلى المدارس الخاصة، في الوقت الذي لا تخصص فيه إلا أقل من 27 مليار ليرة لتطوير التعليم الرسمي في لبنان. عندما يجري التطرق الى كلفة التعليم في لبنان مع أيّ أسرة ذات دخل متوسط او منخفض، يكون ردّ الفعل الأول شتيمة أو عبارة يكون أقلها التعبير عن قرف شديد من الحالة التي وصلنا اليها. ففي لبنان، وبعكس جميع دول العالم، الدولة مسخّرة بأموالها وأجهزتها الرسمية كافة لدعم التعليم الخاص. تمارس نوعاً من التدمير الممنهج (خارج مفهوم المؤامرات الشمولية) للتعليم الرسمي من قاعدة الهرم التعليمي الى رأسه. النتيجة بحسب دراسة لمركز البحوث والاستشارات: يدفع الشعب اللبناني من جيبه الخاص 80 في المئة من كلفة التعليم. والنتيجة الثانية بحسب دراسات البنك الدولي والأمم المتحدة: الإنفاق على التعليم في لبنان هو الأعلى عالمياً. فلماذا يجب أن يتحمل اللبنانيون هذه الكلفة المرتفعة؟ لماذا يعد اللبنانيون ملزمين بتمويل التعليم الخاص؟ الى متى سيستمر اقتطاع هذه الكلفة من أجور المواطنين الزهيدة أصلاً؟ ولمصلحة من؟ الأكيد أن الدولة اللبنانية تنفق أكثر من 350 مليار ليرة لدعم المدارس الخاصة من الموازنة العامة، بهدف هدم التعليم الرسمي. 350 مليار ليرة سنوياً، أليست كافية لجعل التعليم الرسمي من الأفضل عالمياً؟ لندع الأرقام تتكلم.
الانطلاقة تبدأ بالموازنة العامة. الموازنة التي ترسم عمل الحكومات سنوياً، وتترجم سياساتها. تخصص موازنة عام 2012 مبلغ 166 مليار ليرة لدعم المدارس الخاصة المجانية. والمفاجأة أنها تخصص 27 مليار ليرة فقط لكل الخطة التربوية التي طرحها وزير التربية لإصلاح نظام التعليم الرسمي في لبنان. يقول رئيس رابطة الأساتذة الثانويين حنا غريب إن هذه الخطوة ليست بريئة طبعاً. إنها آلية معتمدة لضرب التعليم الابتدائي الرسمي لمصلحة دكاكين الأحزاب الموجودة في السلطة ودكاكين الطوائف. فما يعرف بالمدارس المجانية في لبنان مدعومة على نحو كامل من الدولة اللبنانية، وهي متخصصة في التعليم الابتدائي، وتدفع الدولة عن كل تلميذ فيها ما يوازي 1.25 من الحد الأدنى للأجور، أي 625 ألف ليرة.
عدد «المدارس» المجانية في لبنان يصل الى حوالى 378 مدرسة، ويرتادها حوالى 140 الى 145 ألف تلميذ، بحسب الخبير في الإحصاء التربوي نبيل قسطنطين. تدفع الدولة حوالى 166 مليار ليرة لدعم مدارس الزعامات الطائفية، علماً أن هذه الكلفة كانت مقدرة في مشروع قانون موازنة 2011 بـ 83 مليار ليرة! ويلفت قسطنطين الى أن معظم المدارس المجانية هذه إما ذات مستوى تعليمي أكثر من سيّئ، وإما وهمية، شارحاً أن هذه المدارس بمعظمها تجاري، تقوم باستغلال المعلمين برواتب ضئيلة جداً، وبعدد قليل جداً من الطلاب، ما يضمن حصولها على الدعم الحكومي السنوي.
أما حنا غريب، فيستغرب كيف تُطلق على هذه المدارس صفة «المجانية» وتلصق بها صفة «الخاصة»، وهي تموَّل من جيوب الشعب اللبناني لضرب المدارس الرسمية الابتدائية. ويسأل: «أليس باستطاعة الحكومة دعم المدارس الرسمية بالـ 166 مليار ليرة هذه؟ وإن كان زعماء الطوائف يريدون توزيع خيراتهم فليتحملوا هذه المسؤولية من جيوبهم، لا على حساب المدرسة الرسمية»، مؤكداً أن هذا المبلغ كفيل بتطوير ليس التعليم الرسمي الابتدائي فقط، بل الروضات أيضاً.
فلننتقل الى الروضات، أو ما يطلق عليه تسمية «رياض الأطفال». يشير غريب إلى أن الدولة تعمل على تقويض الروضات الرسمية لمصلحة المدراس الخاصة، من خلال عدم توحيد سن الدخول الى المدرسة. فهي تحدد عمر الطفل الداخل الى الروضة الرسمية بأربع سنوات، فيما ينخفض العمر الى 3 سنوات في المدراس الخاصة، كما أن عدد الروضات الرسمية يكاد لا يذكر، بحيث إن 90 في المئة من الروضات في لبنان تعود الى مدارس خاصة، و10في المئة فقط رسمية. وهكذا يفضل الأهل إعطاء أبنائهم فرصة الدخول المبكر الى المدرسة للإفادة من عام دراسي، ومن هنا تجبر الدولة الأهل على إدخال أطفالهم الى المدرسة الخاصة، لضرب المدرسة الرسمية من الجذور. ويلفت غريب إلى أن ما يزيد من مشكلات الروضات الرسمية عدم وجود أساتذة متخصصين بسبب عدم إجراء الدولة أية مباريات توظيفية في هذا المجال، فيما الأبنية والتجهيزات شبه معدومة، ويؤكد أن عدد الطلاب الثانويين في المدارس الرسمية يوازي عدد هؤلاء الموجودين في المدارس الخاصة، إلا أن الضربة القوية هي في الروضات والابتدائي.
الكلفة الإضافية التي تدفعها الدولة لتمويل المدارس الخاصة على حساب الرسمية هي ما يعرف بـ «المنح التعليمية» للعاملين في القطاع العام. يشرح قسطنطين أن المنح المدرسية هي أكبر ضربة توجهها الدولة إلى التعليم الرسمي، إذ بمجرد تقديم هذه المنح فهذا يعد دعوة صريحة للموظفين إلى إدخال أبنائهم الى المدارس الخاصة، ما يضعف المدرسة الرسمية بضربات متلاحقة وإضافية. ويلفت إلى أن أكثر من 85 في المئة من الموظفين العاملين في القطاع العام، من إداريين وموظفين وعاملين وعسكريين، يحصلون على دعم يراوح بين 30 الى 40 في المئة من القسط المدرسي، ما يغري الأهل بإدخال أولادهم الى مدارس ذات أقساط مرتفعة للإفادة من هذه المنح.
غريب يشدد على أن قيمة المنح التعليمية تصل الى أكثر من 150 مليار ليرة سنوياً. هذا المبلغ يحوَّل مباشرة الى ميزانيات المدارس الخاصة التي تعود بمعظمها الى إرساليات طائفية أو إلى زعامات سياسية. يسأل غريب: «لماذا لا يجري دعم المدرسة الرسمية بهذا المبلغ بدلاً من تقديمه منحاً تعليمية لتمويل أقساط المدارس الخاصة؟ لماذا لا يحوَّل لإجراء إصلاحات إدارية في التعليم الرسمي؟».


%11.4
هي نسبة إجمالي الإنفاق على التعليم في لبنان من الناتج المحلّي القائم، وتتحمّل الأسر 7 في المئة من الناتج، وتعدّ مساهمة الأسر كنسبة من الناتج المحلّي من أعلى المساهمات في المقارنات الدولية، إذ لا تتجاوز 0,4 في المئة في فرنسا، و2,2 في المئة في الولايات المتحدة، و2,8 في المئة في كوريا الجنوبية

المحسوبيات الخانقة
يقول رئيس رابطة التعليم الثانوي حنا غريب إن إنفاق الدولة على المتعاقدين بهذا الحجم أصبح مريباً فعلاً، إذ يجري حشر المتعاقدين من دون الحاجة اليهم بسبب «الواسطات»، كما يُزاد عدد الساعات الوهمية للتعليم، ما يزيد من الأكلاف غير المبررة. وهكذا يفيد زعماء الطوائف من دعم مدارسهم الخاصة من مالية الدولة من جهة، ومن توظيف المحسوبين عليهم في المدرسة الرسمية من دون الالتفات الى الكفاءات، ويلفت تقرير التفتيش التربوي حرفياً «لقد بلغ التضخم في مسألة التعاقد حداً بدأ يهدد مصير التعليم الرسمي برمته».
اقتصاد
العدد ١٥٥٩ الجمعة ١١ تشرين الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق