2‏/8‏/2011

الوضع السوري «يكربج» الاقتصاد اللبناني [3/1]

التجارة في وضع كارثي... والسياحة البرية مشلولة

ترابط جيواقتصادي بين لبنان وسوريا (عمر إبراهيم ــ رويترز)
الواقع التجاري أصبح في أزمة حقيقية، والسياحة البرية كذلك، فتأثيرات الاحتجاجات السورية على الاقتصاد اللبناني بدأت تترك ندوبها على وجه المؤسسات من القطاعات كافة؛ فالسياسة الاقتصادية اللبنانية كما السورية، فاشلة. هناك انتفض الشعب، وهنا يتلقى الشعب الضربات من دون حراك
رشا أبو زكي
الاقتصاد اللبناني دخل مرحلة الخطر بفعل استمرار الاحتجاجات في سوريا. أصبحت المسألة تؤرق الاقتصاديين والعاملين في القطاعات كافة، من التأمين والمصارف والتجارة والسياحة وغيرها. مسألة تعيد إلى صفحات الجرائد ووسائل الإعلام بحث نقاط الخلل في الاقتصاد اللبناني، هذا الاقتصاد القائم على كل ما هو خارجي، الواهن والضعيف والتابع، الذي لا يملك مقوماً واحداً من مقومات الصمود إن حلت حلت كارثة داخلية أو خارجية، اقتصاد لا يعرف سوى الربح السريع، ولا يبرع إلا بقذف القطاعات الإنتاجية الحقيقية إلى الهامش.
فقد تراجع عمل الشركات اللبنانية التي كانت تنقل البضائع عبر سوريا بنسبة 50% منذ بدء الاحتجاجات في سوريا في آذار الماضي، فيما وصلت نسبة تراجع عمل وكالات السفر والسياحة إلى 60 في المئة (براً)، وكذلك تقهقر مدخول القطاع التجاري 20 في المئة... إلا أن هذه النسب لا تزال وفق عدد من المتابعين في أولها؛ إذ إن الأزمة اللبنانية الحقيقية لم تبدأ بعد!
وبالطبع، أولى التأثيرات المباشرة التي طالت الاقتصاد اللبناني من جراء ما يحدث من سوريا أصابت القطاع التجاري. ويشير رئيس مركز الدراسات في المجلس الأعلى اللبناني السوري روجيه صوايا إلى تباطؤ حركة التبادل التجاري بين لبنان وسوريا من جهة ولبنان والدول العربية وتركيا من جهة أخرى، نتيجة صعوبة التصدير البري الذي يمر كله عبر سوريا، ما أدى إلى تراجع الصادرات بنسبة 7 في المئة، وخصوصاً مع انحسار دخول الشاحنات وخروجها في الفترة الأخيرة بنسبة 40 في المئة بسبب التشدد الرقابي عبر المعابر الحدودية (الأردن وتركيا)، ما أدى أيضاً إلى تراجع ملحوظ لحركة دخول الشاحنات من طريق المصنع، التي تأتي من الدول العربية من طريق معبر «النصيب» الأردني، وهي تمثّل 90 في المئة من حركة دخول وخروج الشاحنات إلى لبنان وبالعكس عبر سوريا، وكل ذلك انعكس سلباً على حركة التبادل التجاري من ناحية، وعلى حركة مكاتب التخليص الجمركي من ناحية أخرى.
وبالأرقام، يلفت صوايا إلى أن المستوردات اللبنانية (المصرّح عنها) من سوريا تراجعت من 32 مليوناً و500 ألف دولار في آذار الماضي إلى 25 مليون دولار في أيار الماضي، فيما تراجعت الصادرات من 21 مليون دولار إلى 13 مليون دولار في أيار! ويشرح أن تراجع المستوردات السورية عبر المعابر البرية انخفض من 114مليوناً و300 ألف دولار إلى 102 مليون دولار بين آذار وأيار الماضيين، فيما عدد السيارات السياحية العابرة للحدود البرية بين لبنان وسوريا يومياً انخفض من 1500 سيارة في عام 2010 إلى 150 سيارة في عام 2011، أي بما يعادل تراجعاً بنسبة 90 في المئة!
في هذا السياق، وصف نقيب الوكلاء البحريين في لبنان، حسن جارودي، تأثيرات الأحداث الأمنية في سوريا على قطاع الشحن والنقل البحري في لبنان، بـ«الكبيرة»، وعزا ذلك (في حديث إلى وكالة الأنباء المركزية) إلى أن «نقل المستوعبات إلى الأراضي السورية يجري عبر لبنان من خلال الشركات الكبيرة التي تعتمد محطة المستوعبات في مرفأ بيروت، وبالتالي انخفض حجم الاستيراد في سوريا إلى معدل 50 في المئة من إجمالي الحركة التجارية العادية. من هنا، إن الشركات اللبنانية التي كانت تنقل البضائع تراجع نشاطها إلى 50 في المئة. وأشار إلى أنّ هناك 30 في المئة تقريباً من الحركة التجارية تعتمد على الأسواق السورية.
وإذا كان القطاع التجاري في تراجع، فإن السياحة البرية شبه مشلولة؛ اذ يشير رئيس نقابة وكالات السياحة والسفر جان عبود، إلى تراجع السياحة البرية، وخصوصاً العربية على نحو كبير جداً، وقد لجأ عدد قليل من السياح إلى السفر جواً. لكن هذا الواقع انعكس تراجعاً في حركة المجموعات السياحية العربية يراوح بين 10 و12 في المئة، فيما تراجعت السياحة السورية بين 50 و60 في المئة، وقد تبدلت وجهة السياح بسرعة نحو تركيا التي تشهد خلال هذه الفترة فورة سياحية مذهلة.
أما صوايا، فقد أكد تأثر السياحة سلباً في لبنان، حيث تُعدّ سوريا ممراً مهماً للسياحة الإقليمية عامة وللسياحة المزدوجة إلى لبنان وسوريا خاصةً؛ إذ تراجعت حركة العابرين والزوار عبر المعابر الحدودية بنسبة 60 في المئة، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ لنشاط القطاعات الاقتصادية في مناطق البقاع والشمال (الفنادق، المقاهي، المحالّ التجارية، الصيرفة، المصانع، المؤسسات الزراعية). وكذلك تراجع عدد السياح العرب والأتراك الذين يقصدون لبنان براً عبر المعابر السورية بنسب كبيرة. ويلفت إلى وجود مشكلة تلوح في الأفق من ناحية الأعباء المترتبة على الاستقرار الاجتماعي والمعيشي والسياسي والأمني والاقتصادي في المناطق المحاذية لسوريا إن تكثفت عملية نزوح عائلات سورية إلى لبنان.
وإضافة إلى المخاطر الناتجة من الضغوط والعقوبات المالية ونتائجها السلبية على العمليات المصرفية، يشير صوايا إلى تراجع النمو الاقتصادي في نتيجة حتمية وانعكاساته على الميزانية العامة، حيث من المتوقع تراجع الإيرادات والضرائب في مقابل ارتفاع النفقات، وبالتالي توقع ازدياد العجز في الميزانية والدين العام. وتوقع تراجع أسعار الأصول والعقارات في ظل تراجع الطلب على الشقق والمكاتب التجارية، وتوقع أيضاً تراجع نسبة الودائع من الخليج، وتحويل الكثير منها إلى أوروبا بدلاً من تحويلها إلى لبنان. وتوقع تراجع حجم المساعدات الرسمية الخاصة بالتنمية والمقدمة من الدول العربية، فضلاً عن تأثير ارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة الخوف والقلق المرتبطين بالإنتاج والنقل، لا نتيجة العرض والطلب، ما يدفع إلى توقّع تصاعد أسعارها داخلياً وارتداداتها، وخاصة على الصناعة، وتأثر الاستثمارات على المدى القصير؛ إذ يستحيل على الاقتصاد اللبناني غير المهيأ أن يجذب استثمارات نوعية أو هاربة من الدول العربية في ظل الأوضاع الحالية. ويشرح صوايا أن حركة الاستثمارات اللبنانية في سوريا تقلصت بسبب الخوف وأجواء عدم اليقين، فيما تراجعت الرساميل الوافدة من الخارج إلى لبنان بنسبة 25.6 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2011 مقارنة مع 2010، إذ بلغت 3.22 مليارات دولار.

8.7 في المئة
نسبة تراجع المستوردات الصناعية اللبنانية في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، وبلغت قيمتها 52.8 مليون دولار.

البقاع والشمال... الأكثر تأثراً
يلفت صوايا إلى أن منطقتي البقاع والشمال هما الأكثر تأثراً بما يحدث في سوريا؛ فقد تراجعت صادرات المنتجات اللبنانية بنحو لافت، وتجلت بتراجع معاملات التصدير وشهادات المنشأ التي تصدرها غرفة زحلة والبقاع مثلاً؛ إذ تعتمد غالبية المصانع البقاعية بما نسبته 70 في المئة من إنتاجها على التصدير إلى الأسواق العربية التي أصبحت راكدة اليوم، ما أدى إلى تراجع الصناعات البقاعية مترافقاً مع ارتفاع الأكلاف الإنتاجية والمواد الأولية، وأبرزها النفط، مع تخوف كبير من فقدان الأسواق السورية التي تستورد المنتجات الزراعية والصناعية البقاعية.

اقتصاد
العدد ١٤٧٧ الثلاثاء ٢ آب ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق