12‏/11‏/2011

الأجر الاجتماعي: النقل [3/3]





طلاب يستقلون احد الباصات الخاصة (مروان طحطح)
مليارا دولار ينفقها اللبنانيون والدولة 400 مليون دولار
تتحمّل ميزانيات الأسر المقيمة في لبنان أكلافاً باهظة للحصول على خدمات الصحّة والتعليم والنقل (إضافة إلى السكن وبدائل الكهرباء والمياه طبعاً)، وهذا ما يجعل مقاربة تصحيح الأجور المقتصرة على زيادة الأجر النقدي مقاربة ناقصة، إذ إنها تنحصر بفئة الأجراء النظاميين الذين يؤلفون نحو 29% فقط من القوى العاملة... في ما يأتي الجزء الثالث من تحقيق من 3 أجزاء يتناول أكلاف الصحّة والتعليم والنقل
رشا أبو زكي
«ترين» (Train): هي التسمية الأجنبية لإحدى وسائل النقل الأكثر أهمية وشهرة في دول العالم. لكن في لبنان تستخدم كلمة «ترين» لوصف شخص بأنه بلا بصيرة! ربما إسقاطات كهذه تشي بمفهوم سلبي عن القطار. ربما أوصاف كهذه تنمّ عن عقلية الفوضى التي تحكم قطاع النقل في لبنان، والتي لم تتغيّر منذ عشرات السنين، لا بل تستفحل أزمة النقل العام لتصبح نذير شؤم تقسيمي للمناطق اللبنانية، وتسويقي للنقل الخاص على حساب النقل العام، علماً بأن عرض أوضاع النقل في لبنان منذ 6 عقود يكشف عن حجم التراجع الكبير الذي أصاب البلاد. ففي هذا المجال يجب ألا ينسى اللبنانيون أنهم كانوا يمتلكون خطوط سكك حديد وشبكات ترامواي ومصلحة نقل مشترك... إلى أن جرى إنهاء كل هذه التجهيزات والمؤسسات.
يشرح أحد الباحثين أن غياب النقل العام في لبنان له أوجه مجهولة للناس، ولكن معلومة لدى أصحاب القرار، إذ إن المستفيدين من غياب هذا المرفق الخدماتي كثر، وأبرزهم أربعة أطراف: 1ــــ عدد من مستوردي السيارات. 2ــــ الكارتيل النفطي. 3ــــ أصحاب شركات النقل الخاص. 4ــــ المنتفعون من هدر الأموال العامة في الوزارات المعنية والمؤسسات العامة والرديفة. هكذا يمكن التحدث عن «بازل» يمكن تركيبها من هذه الأطراف الأربعة، فتنتهي اللعبة بصورة تجسد زعماء سياسيين وشخصيات نافذة من أطراف مختلفة تسيطر على الاستيراد والنفط والنقل الخاص والصفقات داخل الوزارات والمؤسسات.
إلا أن التنفيعات الممهورة بأختام عدة تقابلها أكلاف باهظة يتحملها المواطنون وحدهم على حساب مستوى معيشتهم ومداخيلهم. وهذه الأكلاف تطال أكثر فئات أصحاب الدخل المحدود، لكون النقل العام يعمل في جميع البلدان على الحدّ من أكلاف التنقل لدى هذه الفئة تحديداً.
الرقم التراجيدي الذي يمكن استخلاصه هو أن الدولة تدفع أكثر من 400 مليون دولار سنوياً للموظفين في القطاع العام بدل نقل، وستنفق حوالى 50 مليون دولار لدعم السائقين لمدة 3 أشهر، فيما يدفع اللبنانيون حوالى ملياري دولار سنوياً ثمناً لبنزين السيارات. أكلاف ضخمة يمكن بحسب الخبراء أن تؤسّس لأكبر مشروع نقل عام في لبنان، وتشيّد إضافة إليه عدداً من الجسور، وتحسّن عدداً كبيراً من الطرقات في المناطق. بمعنى آخر، إن استثمار ما تتكبّده الدولة اليوم يكفي لإنشاء شبكة مواصلات متطورة جداً وفعّالة ووسائل نقل عام ومشترك حديثة وقادرة على التأثير في خفض أكلاف المعيشة والاقتصاد عموماً، ولا سيما في مجال خفض كلفة السكن.

الهدر فنون
كيف تعمل الدولة على تشجيع النقل الخاص على حساب العام من جيوب المواطنين أنفسهم؟ وكيف يمكن أن يكون اللبنانيون كبش محرقة؟
الهدر فن قائم بذاته في لبنان. فما تنفقه الحكومات المتعاقبة من أموال بدل نقل لموظفي القطاع العام مثلاً، كان كفيلاً بإجراء ورشة وطنية ضخمة لتنمية النقل العام في لبنان. وبحسب رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان، تدفع الدولة حوالى 400 مليون دولار سنوياً بدل نقل لحوالى 200 ألف موظف في القطاع العام، على أساس 8 آلاف ليرة يومياً، وستتكبد حوالى 300 ألف دولار إضافية من جراء زيادة بدلات النقل ألفي ليرة إذا ما تمّت الموافقة على تصحيح الأجور. ولو أن الدولة راكمت هذا الإنفاق على ثلاث سنوات فقط، لكانت أنجزت أكبر خطة للنقل العام في لبنان. إلا أنه بدلاً من ذلك، ستنفق الدولة 75 مليار ليرة، أو ما يوازي 50 مليون دولار، لدعم السائقين العموميين، ضمن استراتيجية غير مفهومة «لخفض أكلاف النقل». ويلفت حمدان إلى أن حوالى 500 مليون دولار تدفعها الدولة سنوياً بدلاً للنقل ودعماً له، من دون أيّ إفادة فعلية من هذه المبالغ لتطوير النقل العام.
وفي هذا السياق، تشرح مصادر نفطية أن لبنان يستهلك حوالى مليون و450 ألف طن من البنزين شهرياً، فيما يوجد في لبنان حوالى مليون و100 ألف آلية، حوالى 700 ألف منها تستهلك البنزين. وبين الـ700 ألف سيارة هناك 33 ألفاً و500 سيارة فقط تعود للسائقين العموميين (وفق رئيس نقابة السائقين العموميين عبد الأمير نجدي)، وهكذا لم تستفد سوى قلة قليلة من اللبنانيين من الدعم هذا، وبقيت الغالبية العظمى تحت وطأة الأكلاف الضخمة للتنقل.
وتشرح المصادر النفطية أن المتوسط الأدنى لاستهلاك كل سيارة يصل إلى 350 ألف ليرة شهرياً، وهو مبلغ يأكل أكثر من نصف الحد الأدنى للأجور في لبنان. وبالتالي يدفع مستخدمو السيارات الخاصة حوالى مليار و960 مليون دولار سنوياً ثمن بنزين مخصص للتنقلات. مبلغ ضخم، يمكن أن يوفر على اللبنانيين أكلافاً باهظة يستطيعون استثمارها في مشاريع منتجة يمكن أن تحقق نقلة نوعية في بنية الاقتصاد اللبناني بأسره.

أكلاف وأكلاف
الكلفة الإضافية التي تترتّب على غياب النقل العام في لبنان لا تتوقف عند البنزين وحده. يشرح رئيس نقابة السائقين العموميين عبد الأمير نجدي، إذ إن زحمة السير تزيد عادة من أكلاف التنقل بنسبة 35 في المئة. فقد ارتفعت كلفة كيلوغرام زيت السيارات من 3 آلاف إلى 9 آلاف ليرة. كذلك ازدادت أسعار إجراء إصلاحات ميكانيكية للسيارة خلال السنوات الماضية. وبذلك، لكي تكون السيارة في حالة جيدة، يجب أن تخضع لفحص وتصليحات لا تقل قيمتها عن 200 ألف ليرة شهرياً.
يقول نجدي إن من المعلوم أن التنقل في الدول الأوروبية مثلاً يحصل من خلال الأتوبيسات والتاكسي والقطارات، لا عبر السيارات الخاصة. أما في لبنان «هناك هدر للأموال العامة. مثلاً يوجد حوالى 700 سائق في النقل العام يتقاضون رواتبهم من دون أن يعملوا. ومثال آخر أن الدولة استبدلت أسطول الباصات ثلاث مرات حتى الآن، فيما شركات القطاع الخاص لا تزال تستخدم الباصات نفسها منذ أكثر من 20 عاماً».
ماذا عمّن لا يمتلك سيارة؟ ماذا عن الأجراء غير النظاميين الذين لا يتقاضون أصلاً بدلاً للنقل؟ يسأل هاشم عدنان باسم مجموعة شبابية بدأت العمل في سبيل الضغط لتحقيق المطالب الأساسية للمواطنين، أو حقوقهم المشروعة، كما يقول هاشم. يشرح أن المجموعة التي انبثقت من تحرك أطلق عليه عنوان «عدلية بنت نزيهة» تتناول موضوع النقل من ضمن سلة حقوق متكاملة أساسية للمواطن اللبناني، معتبراً أن طرح الحقوق «بالمفرق» ينتهي دائماً بشعارات ترقيعية على الطريقة اللبنانية، ويؤدي إلى إصلاحات شكلية من دون التطلع إلى سلة حقوق متكاملة.


50 مليار ليرة
يطالب بها وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي لشراء 165 حافلة للنقل العام. ويرى أن هذه الخطوة هي مدخل لإصلاح النقل العام في لبنان، علماً بأن الدولة كانت قد اشترت أسطولين للنقل العام، وبدلاً من إجراء تصليحات دورية لها، ها هي يأكلها الصدأ ومتوقفة في عدد من الأحياء البيروتية.

«من دهنو سقّيلو»
يرى هاشم عدنان، وهو عضو في مجموعة شبابية تألفت حديثاً للقيام بتحركات ضاغطة لتأمين الحقوق الأساسية للمواطنين، أن سياسة النقل الفوضوية التي تزكيها الحكومات تقوم على مبدأ «من دهنو سقّيلو». يشرح أن أركان السلطة هم المستفيد الأساسي من الدمار الذي حلّ بالقطاع، بدءاً بأزمة السير وصولاً إلى أسعار البنزين. ويرى أن القيام بمشروع نقل عام ناجح يمكن أن يخفض أكلاف التنقل على اللبنانيين، وفي الوقت نفسه يقلل من الأكلاف الصحية الناتجة من التلوث و«احتراق الأعصاب»، إضافة إلى خفض ضحايا حوادث السير. والوصول إلى خطة نقل شاملة ووطنية يمكن أن يربط المدن الأساسية لتحقيق وحدة اقتصادية لبنانية متماسكة ومتفاعلة يمكن أن تنهض بالمستوى الإنتاجي إلى حدود تنموية مهمة.

اقتصاد
العدد ١٥٦٠ السبت ١٢ تشرين الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق