4‏/10‏/2011

ترويقة بيض بـ4500 ليرة!





الأسعار ارتفعت والزيادة المرتقبة على الحدّ الأدنى للأجور ستتبخر خلال شهرين (بلال جاويش)
التجار يتربصون لتصحيح الأجور برفع الأسعار
عادت المسرحية ذاتها لتتكرر. المسرح ذاته: لبنان. الأبطال ذاتهم: التجار. الضحايا ذاتهم: المواطنون. اسم الفيلم: «رفع الأسعار استباقاً لتصحيح الأجور». لا يتعلق الموضوع بالـ«مزاج»؛ حضور كل المواطنين إلزامي، والفيلم ليس بأبعاد ثلاثية (3D)، فكل لبناني سيكون ضحية وسيعيش وقائع الفيلم «غصباً». استمتعوا. بصمت كالعادة.
رشا أبو زكي
«3 بيضات بألف»، يقول البائع. رنا تتصلب في مكانها: «ليه؟ على أساس 5؟ صار يطلعلنا فيهن ذهب؟». تعيد الكيس إلى مكانه قرب الصندوق. تعيد ربطة الخبز أيضاً. ترويقة بيض أصبحت تكلف 4500 ليرة، 3 آلاف ليرة لشراء 9 بيضات، و1500 ليرة لربطة الخبز. بدء العد العكسي لارتفاع الأسعار استباقاً لتصحيح الأجور. أيها اللبنانيون استعدوا!
عودة بالزمن 3 سنوات، إلى عام 2008. في 5 أيار من ذاك العام قررت الحكومة زيادة الحد الأدنى للأجور من 300 ألف ليرة إلى 500 ألف ليرة وزيادة مقطوعة على الأجور بقيمة 200 ألف ليرة... في التاسع من أيلول، أقرت الزيادة مع مفعول رجعي من أول أيار. وخلال فترة التفاوض هذه، ارتفعت الأسعار في لبنان بطريقة هستيرية. حينها ردّ التجار هذا الارتفاع إلى التضخم العالمي. حينها، خرج رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان ليعلن لـ«الأخبار» أن التضخم العالمي على الأسعار كان 3 في المئة، فيما ارتفعت خلال هذه الفترة أكثر من 11 في المئة. حينها، قال حمدان إن الارتفاع المحلي مصطنع لامتصاص الزيادة التي لحقت بالأجور مسبقاً.
لنعد إلى اليوم. وزير العمل أعلن انطلاق المباحثات لتصحيح الأجور، منذ نحو أسبوعين. منذ ذلك الحين بدأت الاعتراضات تلف الجسم التجاري. الأسعار في لبنان انطلقت إلى الارتفاع. العالم لا يشهد أزمة تضخم يمكن الاعتداد بها كما حصل في 2008. فالأسباب واضحة وأصبحت معلومة ومتوقعة من جميع اللبنانيين تحت معادلة: «ارتفعت الأجور، ارتفعت الأسعار، التجار يريدون زيادة أرباحهم». إذاً، اللعبة التجارية أصبحت «عالمفضوح». الهدف رفع تدريجي للأسعار المحلية بغية تعويض ما سيدفع التجار وأصحاب العمل لعمالهم بعد إعلان تصحيح الأجور. وكالعادة، كل مسؤول ينام نصف «غفوة»، يفتح العين الساهرة على التجار ومصالحهم، ويغلق العين «الراعية» لمصالح المواطنين.

تبخر الزيادة على الأجور؟
الأسعار ارتفعت من فترة. وبحسب تقديراتنا، إنّ الزيادة المرتقبة على الحدّ الأدنى للأجور ستتبخر خلال شهرين في حدّ أقصى؛ «لأنّ الرقابة مفقودة، والاحتكار يُسيطر» يُعلّق رئيس جمعيّة حماية المستهلك زهير برّو. برأيه، إنّ من الأهمية بمكان ارتباط الزيادة على الأجور بسلسلة من الإجراءات التي تبدأ بقانون المنافسة الملقى في أدراج مجلس النواب منذ سنوات، إضافة طبعاً إلى الخطوات العملية والتنفيذيّة كتفعيل الرقابة. فالممارسات في السوق الآن تقوم على مبدأ: إذا زادت الأجور نزيد الأسعار. ويُشدّد زهير برّو على أنّ هذه مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى؛ تلك المسؤولية التي غابت عنها سنوات طويلة. «فإذا لم تستفق الدولة لحل أمور الناس، فستستمرّ الأمور على ما هي عليه».
المكتب الفني للأسعار في وزارة الاقتصاد والتجارة أشار في التقرير الأسبوعي لأسعار سلة السلع الغذائية بتاريخ 26/9/2011 إلى أن أسعار الخضار الطازجة ارتفعت هذا الأسبوع 3.8% عن الأسبوع الماضي، فيما انخفض معدل أسعار مبيع الفواكه هذا الأسبوع بنسبة طفيفة بلغت 0.2%، بينما ارتفع سعر مبيع حليب البودرة (2%) والبيض (3%) جبن القطع (6 %). أمّا أسباب ارتفاع معدل أسعار مبيع سلع هذه الفئة عن الفترة نفسها من العام الماضي، فيعود (وفق وزارة الاقتصاد) جزئياً إلى ارتفاع أسعار تسليم الحليب الطازج المنتج محلياً نحو 45%، كذلك يعود جزئياً إلى الارتفاع العالمي في كلفة الأعلاف والأدوية البيطرية، ما أدّى إلى ارتفاع كبير في أسعار مبيع البيض (53%) وبعض الأجبان.
إلا أن لبرو موقفاً مغايراً بالنسبة إلى أسباب الارتفاع؛ إذ يؤكد أن فريق عمل جمعية المستهلك لحظ ارتفاع أسعار الأجبان والألبان والبيض والسكر والحمص والزيوت. وجزم بأن الارتفاع هذا مصطنع وغير حقيقي، وسببه واضح ومعلوم، هو تعويض الزيادة التي ستلحق بالحد الأدنى للأجور، قبل إقرار الزيادة.
رئيس نقابة الصناعات الغذائية جورج نصراوي، يبدو أكثر وضوحاً. هناك مواد ارتفع سعرها عالمياً، إلا أن المواسم لا تزال في أرضها، ومن المتوقع انخفاض الأسعار حتى نهاية الشهر الحالي. يشير إلى أن ارتفاع بعض المواد الغذائية مثل الألبان والأجبان قد يكون مرده عدم دخول مواد أولية لهذه الصناعة الغذائية من سوريا بسبب الاضطرابات هناك، وكذلك ارتفاع كلفة الحليب البودرة عالمياً. «باختصار [يشرح نصراوي]، بعض التجار والمصانع الصغيرة وبعض المستوردين بدأوا برفع الأسعار فعلياً، وذلك بسبب التخوف من تصحيح الأجور، وبالتالي إن رفع الأسعار هو إجراء وقائي من قبلهم، إلا أن المصانع الكبرى للمواد الغذائية لا تدخل في مغامرات كهذه، وتصريف الإنتاج هو همهم الأول.

ماذا عن أسعار الدخان؟
أما الدخان، فقضيته غريبة فعلاً؛ فمنذ يوم السبت الماضي ارتفع سعر علبة السجائر بين 250 و500 ليرة، بحسب المحل التجاري الذي يبيعه. إلا أنه يوم أمس، شهدت الأسواق اللبنانية انقطاعاً فعلياً للسجائر من مختلف الأنواع. أصحاب المحال والسوبرماركت قالوا للمواطنين إن السبب هو قرار سيصدر اليوم (أمس) يقضي برفع سعر السجائر، وبالتالي أزالت المحال مخزونها من الواجهة استعداداً لبيعه بالسعر الجديد.
القصة كانت «عالمفضوح» كذلك. فالتجار يريدون بيع العلبة بـ2500 ليرة بدلاً من 2250 ليرة مثلاً. حتى السوبرماركت الكبرى حملت هذا التعليل إلى زبائنها من دون أي تردد، وكأنها تقول لهم: «سنقنص منك 250 ليرة، انتظرونا قليلاً، فنحن ننتظر صدور القرار».
صدر القرار فعلاً وعاش التجار في مجد الدخان. فقد أشارت أوساط وزارة المال إلى أن الوزير صدّق على قرار إدارة حصر التبغ والتنباك بزيادة 250 ليرة على كل علبة دخان ابتداءً من الاثنين (أمس). قد يظن البعض أن السبب هو حماية صحة اللبنانيين، إلا أن السبب المضحك إلى حد البكاء لزيادة السعر هو الآتي: «تزايدت نسبة تهريب الدخان إلى سوريا، ورفع تجار الدخان والوسطاء الأسعار في لبنان. ولكي تذهب الزيادة إلى الخزينة، رفعت الوزارة الأسعار». انتهى الخبر.


500 ألف ليرة
الحد الأدنى للأجور المعمول به حالياً، ونسبة غير قليلة من العمال تتقاضاه. وإذا أراد هؤلاء العيش على «البيض» حصراً في 3 وجبات يومياً، فسينفقون 405 آلاف ليرة شهرياً. فيبقى لهم 95 ألف ليرة من راتبهم، بحيث لا تكفي لدفع فاتورة الكهرباء، فكيف بفاتورة «الموتير؟».

عبارات سيسمعها اللبنانيون
مع بدء المشاورات بين العمال وأصحاب العمل والدولة لتصحيح الأجور، سيسمع اللبنانيون عبارات عديدة، فلنعدد بعضها: تصحيح الأجور سيرفع معدلات البطالة، لأن المؤسسات لم تعد تحتمل أي نفقات إضافية. أقساط المدارس سترتفع لأن الأساتذة يريدون زيادة على أجورهم. سعر ربطة الخبز سيرتفع... يتناسى أصحاب العمل أن الإجراء يهدف الى «تصحيح الأجر» لا الى «زيادته». فالعمال يريدون تعويض بعض الخسائر في أجورهم المتواضعة أصلاً، وهذا حق لهم ولا سيما أن الأرباح تتعاظم بسبب الفارق بين القوة الإنتاجية للعامل وراتبه الضئيل.
اقتصاد
العدد ١٥٢٨ الثلاثاء ٤ تشرين الأول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق