3‏/4‏/2012

النظام الطائفي لعبة الكبار





النظام الطائفي المسيطر على تفاصيل الحكم لا ينحصر في محاصصات مذهبية على الكراسي. البعض يرى أن أساس استمرارية هذا النظام هو التنفيعات الاقتصادية والاجتماعية، والبعض الآخر يرى أن الطائفية تولّد تخلف الاقتصاد وتفرز الفساد
رشا أبو زكي
في دراسة للخبير الاقتصادي سمير مقدسي وماركوس ماركتانر تحت عنوان «لبنان في فخ التوافقية»، يتبيّن أن كل لبناني مقيم في لبنان يخسر سنوياً أكثر من 23500 دولار من دخله بسبب سياسات التقاسم الطائفي، أي إن دخل الفرد في لبنان كان يمكن أن يكون أعلى بنحو 2000 دولار شهرياً لو أن النظام السياسي بُني على أساس ديموقراطي. ويوضح مقدسي لـ»الأخبار» أن ثمة علاقة أساسية بين النظام والتقدم الوطني في الدول، بما فيه التقدم الاقتصادي. فعندما نتحدث عن تطور ما، يتداخل الاقتصاد والاجتماع والسياسية والعدالة، بحيث إن التنمية لا تعني تقدماً في مستوى الدخل أو في جزء اقتصادي، بل تعني تطوراً اجتماعياً وسياسياً، وتطال الحريات والعدالة والديموقراطية.
ويلفت إلى أن وجود النظام الطائفي وتكريسه المذهبية وتقاسم المناصب وخلق حيثيات مذهبية على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي تعطي نتائج غير إيجابية في موضوع التنمية، بحيث لا توظّف موارد لبنان، لا بل تعمّ حالة من سوء استعمال لها وتخلق تفاوتاً وعدم قدرة على تنفيذ ما يسمّى الخير العام، بسبب التأثير السلبي على المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الفاعلة. فالنظام الطائفي يوصل إلى نتائج تنموية ضارة أو غير محبّذة.
هذا ما يسهب في شرحه رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان، لافتاً إلى أنه ليست هناك دراسات إحصائية تناولت بطريقة علمية شاملة تموضع الظاهرة الطائفية في شبكة العلاقات الاقتصادية. ولكن من الناحية المبدئية، وانطلاقاً من الدراسات الإحصائية الجزئية المنفذة، يمكن الباحث أن يضع اليد على عدد من الموضوعات التي قد تكون بنسبة أو بأخرى شديدة التأثر بالموضوع الطائفي وعلاقته بالاقتصاد، من ذلك مثلاً عدم تطابق الخصائص الطائفية لبنية عرض العمل (أي مخرجات نظام التعليم الجامعي والمهني) مع بنية طلب المؤسسات على العمل، ومن هذه الأمثلة أيضاً موضوع تأثر التوزيع المناطقي للاستثمارات الرأسمالية في شبكات البنى التحتية، حيث غالباً ما يكتنف هذا التوزيع توجيه للاستثمارات نحو مشاريع غير ذات أولوية، بحجة مراعاة ما يسمّى «التوازن المناطقي» في الخطاب الرمزي الطائفي.

نظام خدمة «للاعبين الكبار»
تتعدد الأمثلة العلمية على تأثير النظام الطائفي على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، إذ يشير حمدان إلى أن غلبة اللون الواحد تتجه نحو التزايد كلما ازداد خضوع فروع النشاط الاقتصادي لظاهرة احتكار القلة. وينتج النظام الطائفي التفاوت الكبير في الأوزان النسبية لمؤسسات الأوقاف الدينية المختلفة، وما يرتبط بكل منها من نشاطات اقتصادية وفرص عمل، ويذهب إلى موضوع التفاوت في وزن الريع العقاري بين منطقة بيروت الكبرى والمناطق الطرفية وأهميته، أو موضوع التركز الشديد لخريطة توزع المؤسسات السياحية في مناطق على حساب أخرى، وكذلك مسألة نمو الإدارة العامة في سرعتين، سرعة تهتم بأمور العامة من الناس، أي الفقراء منهم، وسرعة تهتم بعدد من مرافق الحقل العام ذات الانكشاف الواسع على الخارج، مثل مصرف لبنان وبعض إدارات وزارة المال ومجلس الإنماء والإعمار، وفي السرعتين تتفاوت الأوزان النسبية للفئات من جهة، وللفاعليات الطائفية المختلفة من جهة أخرى. ويشير حمدان إلى مسألتين منهجيتين: أولاً أنه لا يجوز تعميم غلبة اللون الطائفي الواحد في هذه الأمثلة المختلفة، إذ تحتمل دينامية هذه الموضوعات تعدداً وأحياناً تبايناً في الجهات الغالبة. أما المسألة الثانية فإنها تشير إلى ضرورة عدم الإمعان في البحث والتحرّي عن السمات الطائفية للنشاط الاقتصادي أو الإداري من دون ربطه بالاعتبارات التي تتعلق بالمصالح الطبقية. فما يجمع طبقياً بين «اللاعبين الكبار» من مختلف الطوائف هو أكبر بكثير مما قد يفرق بينهم في الظاهر لدى الحديث العام عن السمات الطائفية لتوزع النشاط الاقتصادي.
ويكبح النظام الطائفي إمكان توفير فرص العمل للشباب خارج التأثيرات الطائفية على القطاع العام والخاص على حد سواء، إذ يوضح مقدسي أنه إذا وجدت شركات أو مشاريع تتأسس، فمن يلتزمها هو أقرب إلى السلطة لا الأكفأ. فإذا كانت إقامة المشاريع وتنفيذها خاضعان لنظام المحاصصة، والمحاصصة خاضعة لفكر التوزيع المذهبي، فإن ذلك ينعكس تراجعاً في الإنتاجية ونوعية التنمية في البلد. ويلفت مقدسي إلى أن المحاصصات المذهبية تدخل في كل شيء حتى في تنفيذ المشاريع، كذلك فإنه ليس هناك خريطة عامة للبنان ووضع أولويات اقتصادية أو اجتماعية، لكون كل شيء خاضع لمنطق المحاصصة، إذ ليس هناك عدالة اجتماعية، لا بل يسأل مقدسي: «إذا كان مجلس النواب خاضعاً للمحاصصة المذهبية، فكيف يمكن أن يسنّ مشاريع تعنى أساساً بما يسمى المصلحة الوطنية العامة؟».
ويؤكد مقدسي أنّ من مصلحة السلطة في لبنان إبقاء النظام الطائفي القائم، وأن استمرارية هذا النظام لا يمكن أن تنكسر إلا من خلال الشعب اللبناني والمجتمع المدني. فمن يتظاهر لإلغاء الطائفية السياسية اليوم هم أساساً يريدون محاربة الفساد وتحقيق الإصلاح، لأنهم وصلوا إلى مرحلة رفض الخيار الثاني... خيار الهجرة وإبقاء الوضع الداخلي على حاله!
سياسة
العدد ١٣٧٣ الاثنين ٢٨ آذار ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق