20‏/10‏/2011

جمهورية الفاتورة الثانية.. والثالثة




أكلاف باهظة على الأسر بسبب غياب الخدمات الأساسية

من الاعتصامات (تصوير مروان طحطح)
كثر الحديث عن قرار الحكومة زيادة الأجور بنسب هزيلة وبآلية ظالمة، الا أن هذا القرار فتح الباب للسؤال عن دور الدولة في توفير الحاجات الاساسية للبنانيين، وأعاد طرح مفهوم «الأجر الاجتماعي» الى الواجهة. فكيف يمكن الدفاع عن أجر هزيل في مقابل السكوت عن سياسة الفاتورتين المتبعة منذ سنين؟ وأين الحكومات المتعاقبة ومن ضمنها هذه الحكومة من توفير الخدمات العامة التي تستطيع رفع دخل المواطنين؟
رشا أبو زكي
تسكن سعاد مع زوجها وولديها في الضاحية الجنوبية من بيروت. حين سمعت بقصة زيادة الأجور «ضربت بيدي على رأسي»، تقول. الأسعار كلها سترتفع، ايجار المنزل، فاتورة تعبئة المياه، اشتراك الكهرباء، وفاتورة الاستشفاء والطبابة والدواء واقساط المدارس، وربما ضريبة الـ TVA ورسوم البنزين... كل شيء. في اليوم نفسه، حين عاد زوجها وابنتها العاملان الى المنزل، رأت سعادتهما بـ«الزودة» الجديدة لأن اجر كل منهما اقل من مليون و800 الف ليرة، لكن سعاد عادت الى دفتر حساباتها، جمعت وطرحت وضربت الارقام التي تدفعها شهرياً، فكانت النتيجة سلبية. في مقابل الزيادة الهزيلة التي وعدت بها عائلة سعاد، والاسعار التي انفلتت من عقالها فور شيوع خبر تصحيح الأجور، تدفع سعاد فواتير في مقابل الخدمات التي تسمى خدمات عامة. «لا يوجد دولة» تقول سعاد باستهزاء. كيف يشعر المواطن بوجود دولة إذا كانت الكهرباء مقطوعة دائماً ولا وجود للمياه، والبنزين أسعاره تزيد اسبوعياً، ولا وجود للضمان الصحي ولا لأي خدمة اساسية نحتاج إليها كعائلة للاستمرار؟ «طبعاً» تجيب سعاد، اذا أمنت لنا الحكومة حاجياتنا «بلا دفع فاتورتين فستكون زيادة الأجور مصدر تحسين لمعيشتنا، لكن مع غياب الدولة، كل ما يعدّونه تحسيناً ليس سوى زيادة في المشكلات التي نعانيها». تشرح رانيا ابنة سعاد التي دخلت سوق العمل منذ نحو 3 سنوات ولا تزال تتقاضى مليون ليرة راتباً شهرياً، «مع أن اختصاصي كلفني أكثر من 15 ألف دولار لإتمامه»، قتلوا التعليم الرسمي لحساب جامعات خاصة يملكها المتمولون الذين يسيطرون على السلطة. بدل الضمان الصحي نشأت الجمعيات الطائفية والمذهبية الممولة هي الأخرى من أموال عموم الناس. وبدل النقل العام تم اعلاء شأن شركات النقل الخاص وتجارة البنزين والسيارات. وبرواية لا يمكن أن يقتنع بها أي عقل بشري، لا تزال مؤسسة الكهرباء تحت عجز متواصل وتقنين متزايد منذ أكثر من 21 عاماً. اما المياه فشبكاتها المهترئة وانقطاعها الدائم وعدم القدرة على استخدامها كمياه للشرب جعلت من مياه المعبأة وشركات توصيل المياه الى المنازل هي البديل الشرعي. وبالتالي لا وجود لدولة في لبنان.
ترى رانيا أن التفكير قليلاً بـ«الزودة» الهزيلة التي أقرتها الحكومة، «يجعلني أتمنى لو يسحبونها، وبدلاً منها فليقدموا لنا الكهرباء والنقل العام والضمان الصحي على الأقل». عائلة سعاد ليست فقيرة (بالمعنى الضيق للكلمة)، انما يمكن عدّهها من العائلات التي تستطيع ان تؤمن مصاريفها «حتى 25 الشهر، وبعدها نبدأ بالاستدانة من الدكان وموزع المياه وغيرهما» تقول سعاد...
لنحتسب الأكلاف الاضافية التي تدفعها سعاد شهرياً بسبب غياب الخدمات العامة الاساسية او ضعفها، لنعرف حجم المدفوعات الاضافية المترتبة على أسرة متوسطة الحال، وتأثير غياب الأجر الاجتماعي على معيشة هذه الأسرة.
تدفع سعاد شهرياً بين 60 و105 آلاف ليرة فاتورة الكهرباء، يضاف اليها 120 دولار أميركي فاتورة مولد الكهرباء. للمياه ثلاث فواتير، فاتورة سنوية بقيمة 236 ألف ليرة (نحو 20 ألف ليرة شهرياً)، الا أن المياه غالباً ما تنقطع، وإن جاءت فتكون خفيفة أو «لونها مصدّي»، وبالتالي تستخدم سعاد مياه الدولة لتنظيف المنزل فقط، أما للاستحمام والاستعمالات الشخصية فتشتري سعاد نحو 10 براميل مياه كل اسبوع بقيمة 50 ألف ليرة أي ما يعادل 200 ألف ليرة شهرياً. فاتورة المياه الثالثة هي لمياه الشرب. إذ تدفع سعاد كل يوم ونصف اليوم ثمن غالون مياه معبّأ بقيمة 5 آلاف ليرة، أي نحو 100 ألف ليرة شهرياً. وبالتالي تكون فاتورة المياه الشهرية 320 ألف ليرة.
تنتقل سعاد الى احتساب قيمة البنزين التي يدفعها زوجها وابنتها (لكل منهما سيارته الخاصة) وهي تصل الى نحو 35 الف ليرة يومياً. وبالتالي تدفع العائلة نحو مليون و15 الف ليرة ثمناً للبنزين. الى الخلوي تنتقل الحسابات، 3 هواتف للأب والولدين يستخدمون فيها بطاقات مسبقة الدفع، ثمن كل بطاقة نحو 22 دولاراً، أي ما يوازي 66 دولاراً شهرياً. إذن تدفع سعاد نحو مليون و675 ألف ليرة شهرياً لتأمين الكهرباء والمياه والتنقل والهاتف، من دون التطرق أبداً الى كلفة الطبابة والادوية واقساط الجامعات، ولا ايجار المنزل، ولا مشتريات الطعام، ولا الألبسة، ولا أي تكاليف هي الاخرى أساسية. اذ إن البحث ينحصر في ما يجب على الدولة تأمينه للمواطن من دون ان يضطر الأخير الى دفع فاتورتين واكثر عن كل خدمة. ماذا لو كان في لبنان دولة؟ كيف ستنخفض كلفة تأمين الحاجات الاساسية لعائلة سعاد؟
طبعاً كانت سعاد ستؤمن الكهرباء والمياه بكلفة 125 ألف ليرة شهرياً بدلاً من 560 ألف ليرة، موفرة من خلال قيام الدولة بواجباتها في تأمين هاتين الخدمتين 435 ألف ليرة. اما اذا طبقت الحكومة خطة انشاء نظام نقل عام فلكان باستطاعة كل من زوج سعاد وابنتها التنقل عبر وسائط النقل العام بقيمة لن تزيد يومياً على 5 آلاف ليرة لكل منهما، أي ما يعادل نحو 300 ألف ليرة شهرياً، وبالتالي توفر هذه العائلة 715 ألف ليرة للنقل.
أما الهاتف الخلوي، ففاتورته ملغومة بـ65 في المئة من الضرائب المنظورة وغير المنظورة، وبالتالي لو طبقت العدالة الضريبية وانتزعت الضرائب غير المشروعة لكانت كلفة خطوط الهواتف الثلاثة لا تتعدى الـ23 دولاراً أميركياً بحيث توفر العائلة شهرياً 43 دولاراً أميركياً.
وبالتالي لو كانت لدينا دولة لبنانية، وسلطة مسؤولة عن توفير الخدمات الاساسية للمواطنين، لكانت فاتورة سعاد الشهرية في بنود الكهرباء والمياه والبنزين والهاتف الخلوي لا تتعدى 459 ألفاً و500 ليرة فقط لا غير، بدلاً من مليون و675 ألف ليرة شهرياً تدفعها حالياً، أي تكون قد وفرت مليوناً و215 ألف ليرة لبنانية، اي اكثر من متوسط الاجور في لبنان.
ووفق المعادلة الثانية (أي وجود دولة فعلية)، كان يمكن جميع اللبنانيين ان ينعموا بنظام تغطية صحّية شاملة يوفّر على اغلبيتهم نحو 20% من ميزانيات الاسر غير المضمونة التي تُستنزف في هذا المجال، وكان يمكنهم ان ينعموا بتعليم مجاني حديث وتنافسي، وبالتالي كانوا سيوفّرون كثيراً من دخلهم المستنزف في التعليم... لكن الدولة ليست موجودة حتى الآن، وبالتالي فإن زيادة الاجور على النحو الذي صدرت فيه لن يرضي احداً مهما بلغت ومهما اصابت من اجراء وموظّفين.


50 في المئة
مشمولون بتغطية صحية إما عبر الصناديق الرسمية الضامنة أو شركات التأمين، أما النصف الباقي فتدفع الأسر بنفسها كلفة استشفائها، ويقدر إنفاق الأسر على صحة الفرد بنحو 4 أضعاف ما تنفقه تونس والأردن، ومن شأن الضمان الصحي الشامل أن يحل أزمة حقيقية تتعلق بأكلاف الاستشفاء في لبنان

لا دولة بل دولتان
في لبنان لا وجود لمعادلة تقول إنه في مقابل الضرائب المفروضة على المواطن تتوافر الخدمات الاجتماعية الاساسية. فالدولة هي نفسها خرجت عن الانتظام العام. خرجت عن كل ما يتعلق بالعقد الاجتماعي الذي يضع على كل من السلطات الناظمة للمجتمع والمواطنين حقوقاً وواجبات. من ينظر الى هذه اللوحة المتكاملة يستنتج أن لبنان ليس دولة بل هو دولتان. دولة لها اسم مركّب «موتير، سيتيرن، ضرائب خلوي وبنزين» تتغذى من وهن الثانية التي يُطلق عليها اسم «لبنان». وهذه الدولة الثانية لا تريد أن تستعيد الادوار التي وهبتها للأولى!

اقتصاد
العدد ١٥٤٢ الخميس ٢٠ تشرين الأول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق