26‏/7‏/2011

صور بين سارق ومسروق





الربح السريع هو أصل الحكاية (أرشيف ــ مروان طحطح)
6 محتالين استولوا على 51 مليون دولار في أقل من سنة
خلال عام واحد، استطاع ستة أشخاص القيام بعمليات احتيال مالية بقيمة تقديرية وصلت إلى 51 مليون دولار. عمليات كانت حدودها منطقة صور، وضحايا هذه العمليات أيضاً من هذه المنطقة... وخلف هذه العمليات مآسٍ عديدة تضاف إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها قضية صلاح عز الدين التي انفجرت في نهاية عام 2009، وقضية شركة نور القابضة التي أعلنت إفلاسها منذ نحو أسبوع!
رشا أبو زكي
ماذا يحدث في صور؟ عمليات احتيالية مالية تودي بمدّخرات الناس، أبطالها من المنطقة، وضحاياها كذلك في معظمهم! فبعدما أصبحت قضية إفلاس صلاح عز الدين نكبة على أبناء الجنوب، وبعدما تبين امتداد الضحايا إلى عدد كبير من المناطق الأخرى، ظهرت منذ فترة قضية شركة «نور الدوليّة» لصاحبها محمد صالح، الذي أعلن منذ نحو أسبوع إفلاس الشركة، تاركاً أصحاب الحقوق يواجهون المصير القاتم.
أما الآن، فقد ظهرت إلى الواجهة أيضاً ستّ قضايا مشابهة في فترة لا تتعدى سنة، وقد وصل مجموع الأموال التي استحوذ عليها «المحتالون» من جيوب الجنوبيين، وفروا بها إلى جهات غير معلومة، نحو 51 مليون دولار أميركي.
قضية رقم 1: 5 ملايين دولار
فقد اختفى أحد العاملين في القطاع الصيرفي، واسمه م. ش. عن الأنظار في نهاية حزيران الماضي، ومعه اختفى نحو 5 ملايين دولار، هي ودائع لعدد من المواطنين. ويقول محمود حلاوي، رئيس نقابة الصرافين السابق، إن المتهم كان يعمل منذ 10 سنوات في مجال الصيرفة على نحو طبيعي، وذلك من خلال مؤسستين: «شور للصيرفة» و«موركس للصيرفة». إلا أن عملية الاحتيال التي قام بها كانت من خارج عمل شركتيه؛ فهي ليست موجودة في سجلاتها، وبالتالي يشير حلاوي إلى أن هذا الموضوع هو فردي نتيجة أعمال غير منظمة مع الناس، وليست لها علاقة بموضوع الشركة؛ لأن الدفاتر والميزانيات مقدمة إلى مصرف لبنان.
والمتهم هو من بلدة طورا في قضاء صور، وقد كان يقدم لزبائنه فوائد مرتفعة جداً لـ«توظيف» أموالهم لديه، وصلت إلى 30 في المئة، وأقنع عدداً من زبائنه بتشغيل أموالهم في البورصة مقابل مردود وصل إلى 15 في المئة. إلا أنه وقع في حفرة الأعمال غير المنظمة، آخذاً معه العشرات من أبناء صور الذين تركوا بعهدته ما يزيد على 5 ملايين دولار.
ورأى حلاوي أنه حين تصبح أرباح الزبائن أكثر من طبيعية، من المفترض أن تدور حول هذه الأعمال شكوك عديدة، ولا بد من التفكير في أن أرباحاً كهذه هي تغطية لأعمال أخرى، ولتمويل إشكالات مالية عبر اجتذاب سيولة سريعة من أشخاص يبغون الربح السريع.

قضية رقم 2: 10 ملايين دولار
القضية الأكثر استفزازاً، تلك التي تتعلق بمدير فرع أحد المصارف في صور، واسمه ي. د. الذي استغل موقعه من اجل إغراء زبائن المصرف استثمار أموالهم عبره بفوائد راوحت بين 40 إلى 50 في المئة، وامتد عمله لأكثر من 3 سنوات، إلى أن وقع في عجز يزيد على 10 ملايين دولار، راح ضحيتها عشرات المودعين. وكذلك، اختلس 350 ألف دولار من المصرف الذي يعمل فيه.
ويشرح الخبير الاقتصادي غازي وزني، قائلاً إن انتشار هذه الظاهرة من الاحتيال في منطقة الجنوب يعود إلى أسباب عديدة: الأول هو رغبة الأشخاص في تحقيق الربحية المرتفعة. والسبب الثاني أن الجهة التي يودعون الأموال لديها تكتم وضعيتها الحقيقية ومدى سلامتها المالية. وبما أن فوائد التوظيفات في القطاع المصرفي عبر الودائع والأسهم تُعَدّ متواضعة مقارنةً بما يقدمه المحتالون، مما يؤدي الى توجّه الناس نحو هذه التوظيفات الخطرة. ويلفت وزني إلى أنه خلال السنوات الخمس الأخيرة، دخل إلى لبنان ـــــ وخصوصاً منطقة الجنوب ـــــ أموال كثيرة، جزء منها وُظِّف في العقارات، وآخر توجه نحو التوظيفات الخطرة ذات المردودية المرتفعة. وإضافة إلى هذه الأسباب، يعاني لبنان ضعفاً رقابياً، سواء من مؤسسات الدولة، أو من السلطات النقدية والمالية، ومن المفترض الانتباه إلى وجود ظاهرة احتيال حقيقية، وأن تصدر تعاميم تنظيمية وتوجيهية عن كل من مجلس الوزراء ووزارة المال ومصرف لبنان.

قضية رقم 3: 18 مليون دولار
اللافت في قضايا الاحتيال دخول النساء على «الخط»؛ فقد استطاعت ف. ل. من جويا ـــــ قضاء صور، من اقتناص 18 مليون دولار من أبناء منطقتها، تحت شعار تحقيق الربح السريع كذلك. وفي التفاصيل، أن المتهمة ادعت أنها صاحبة شركة كاكاو في أبيدجان، وقد أقنعت عشرات الزبائن من جويا ومحيطها بتوظيف أموالهم في تجارة الكاكاو مقابل فائدة راوحت بين 40 إلى 50 في المئة. وتبين بعد شهرين تقريباً، أن الشركات التي تدعي امتلاكها ليست سوى شركات وهمية، وأنها استطاعت تجميع ما لا يقل عن 18 مليون دولار والفرار بها إلى جهة مجهولة.
ويشير حلاوي في هذا الإطار إلى أن أزمة الاحتيال المنتشرة بقوة في منطقة صور تحتاج إلى وعي من المواطنين لعدم الوثوق بأي شخص مهما كان قريباً منهم لإيداع أموالهم لديه، والتوجه فقط نحو المؤسسات المالية والمصارف، بحيث إن هاتين الجهتين مراقبتان من مصرف لبنان، وهو الجهة الوحيدة التي تمتلك صلاحية الاستثمار في الأموال وتوظيفها. ولفت حلاوي إلى أن تكرار هذه الأمور في الجنوب لا يعني أن الاحتيال محصور في هذه المنطقة. والمشترك في جميع قضايا الاحتيال، سواء في الجنوب أو غيره من المحافظات، قلة خبرة المواطنين، واعتقاد سائد بأن إيداع الأموال لدى بعض «المستثمرين» يعطي نتائج مالية ومردوداً ضخماً، وهم لا يفهمون أن الاقتصاد يحول دون وصول الشركات إلى أرباح ما بين 50 و100 في المئة. والمسؤولية هنا تقع على القطاعات المالية والوزارات التي يجب أن تنشر الوعي لدى المواطنين لتحصينهم من الاحتيال. وأوضح حلاوي أن مشكلة الاحتيال هذه تكررت مع العديد من الأشخاص في الجنوب، والعديد من الحالات لم تنته إلى خواتيم تنصف المودعين، بل ذهبت مع الأموال المنهوبة أدراج الرياح؛ إذ لا ملاحقة ولا متابعة، وخصوصاً أن من يقومون بهذه العمليات لا يتركون أي موجودات عينية للحجز عليها ولتعويض المتضررين؛ إذ تذهب الخسائر في البورصة أو أعمال أخرى، وبالتالي تضيع حقوق الناس، ليصبح المبدأ السائد: «ذهب المحتال وذهبت معه الأموال»!

بين الليمون ورجال الدين: 19 مليون دولار
قضايا الاحتيال ليست كلها ضخمة من حيث قيمة الأموال الضائعة؛ فمثلاً، يشير حلاوي إلى تاجر ليمون، هو ع. ي. وهو من صور أيضاً، تعثرت أعماله ولم يستطع الإيفاء بديونه للناس وللتجار فوقع في مشكلة مالية واختفى منذ أشهر وفي جعبته ديون بنحو مليونين و600 ألف دولار. ويلفت أحد المتابعين لهذه القضية إلى أن المسؤولية تقع في هذا الموضوع على عدد من الصرافين الذين لم يتوانوا عن صرف شيكات تعود إلى المتهم بمئات آلاف الدولارات من دون طرح سؤال واحد عن صاحب هذه الشيكات وقدراته المالية. وامتدت عمليات الاحتيال إلى رجال الدين أيضاً؛ فإذ بالشيخ ق. غ. يحتال على عشرات من تجار السيارات في منطقة صور، وبلغت قيمة عملياته الاحتيالية 7 ملايين دولار. وقد فر إلى جهة مجهولة كذلك. والحال نفسها تنطبق على الشيخ م. ف. الذي فر إلى خارج لبنان أيضاً، بعدما أقنع العشرات من أبناء صور بإيداع أموالهم لديه، فجمّع زهاء 8 ملايين دولار من جيوبهم ووضعها في جيبه واختفى.
وفي هذا الإطار، يستغرب الباحث الاقتصادي، جاد شعبان، أن يتوجه الناس بأموالهم إلى جهات غير موثوقة للقيام باستثمارات خطرة. ولفت إلى أن التداعيات الاجتماعية لظاهرة الاحتيال في المناطق التي تُعَدّ فقيرة نسبياً يمكن أن تؤدي إلى كوارث؛ إذ إن معظم المودعين الذين خسروا أموالهم من طريق الاحتيال، هم إما يدخرون أموالهم للمستقبل، وإما يوظفون أموال التقاعد أو يستثمرون بأموال أرسلها أبناؤهم من الخارج. وهؤلاء ينتمون في معظمهم إلى الطبقة المتوسطة أو الطبقة الفقيرة التي تعتمد في كل تفاصيل حياتها على تحويلات المغتربين. وبالتالي إن توسع ظاهرة الاحتيال المالي يضرب مباشرة هذه الفئات ويضعهم في أزمة مالية آنية ومستقبلية، وخصوصاً أن بعض المودعين الذين تعرضوا للاحتيال استدانوا الأموال ليوظفوها في مقابل فوائد مرتفعة، وبالتالي إن وقوعهم في الفخ يؤدي إلى زيادة نسبة الديون عليهم أيضاً، مما يوسّع حلقة المتضررين. ويشرح شعبان قائلاً إن انحصار هذه الظاهرة في مناطق محددة يؤدي إلى أزمة جماعية ضمن نطاق جغرافي ضيق، ويمكن من خلال مشهد كهذا معرفة التأثير الاقتصادي والاجتماعي الجماعي على سكان قرية صغيرة. ويشدد شعبان على أن مشاكل الاستثمارات المالية لا تنحصر بالاحتيال الفردي، بل تمتد إلى المصارف التجارية، حيث إن معظم العملاء لا يعلمون ماهية الفوائد التراكمية ونتائج العروض التي تقدمها المصارف على عدد من منتجاتها. ومن هنا لا بد من إجراء عمليات توعية شاملة للمواطنين على الاستثمار المالي؛ كي لا يقعوا في أزمات مماثلة.

التلطي بالأحزاب
يتحدث الخبير الاقتصادي كمال حمدان عن وجود مشكلة في الوعي لدى المواطنين، تتلازم مع قدرة كبيرة نسبياً للوسطاء المغامرين أو المقامرين في التحايل على الناس، نتيجة سهولة إيهام هؤلاء الناس بأن الوسطاء قريبون من مركز القرار السياسي، بحيث يستخدمون «تلطيهم» بالأحزاب والفاعليات السياسية المسيطرة واجهةً لعمليات الاحتيال. ويشير حمدان إلى أن المشكلة تقع أيضاً على الأحزاب والفاعليات السياسية التي لا تبذل جهداً كافياً لتمييز نفسها عن هذا النوع من اللاعبين، وطبعاً لا إحصاءات لتوزُّع ادخارات الناس الذين وقعوا في حبائل هؤلاء المقامرين. لكن الأرجح أن معظم هذه الويلات يصيب الفئات ما دون المتوسطة، بحيث إن ادخاراتها قليلة إلى معتدلة نسبياً، وهي غير كافية لتأهليها، أمام عدم استقرار العملات، للجوء إلى الاستثمار الأنجع المتمثل بالاستثمار العقاري؛ لأنه الملجأ في ظل أزمة العملات في العالم. وهؤلاء أموالهم قليلة، ما لا يسمح لهم بشراء العقارات، وبالتالي حين تعرض عليهم فوائد مرتفعة يتوهمون وينجرّون، وتتفجر الأمور على حسابهم.
ويلفت حمدان إلى عدم وجود حلول تنظيمية لعمليات الاحتيال؛ إذ لا آمال للمتضررين إلا إذا كان المقامرون قد خلفوا أصولاً سائلة أو غير سائلة، ما يؤهل المتضررين لاسترداد خسائرهم عبر الدعاوى القضائية. لكن من يمارس هذه الضروب من المقامرة، عادة لا يترك خلفه أية أصول، وإذا كانت لديه أصول، يكتبها بأسماء أسرته أو أشخاص قريبين منه، وذلك لتهريب موجوداته من العقاب.


500 مليون دولار
هو المبلغ الذي خسره مئات اللبنانيين من خلال توظيف أموالهم مع صلاح عز الدين، ويرتفع هذا المبلغ الى مليار و200 ألف دولار بحسب تقديرات أخرى، إذ إنه حتى الآن لم يصدر أي تقرير رسمي يحدد حجم الخسائر التي مني بها المواطنون في هذه القضية

هشاشة الاستثمار في مناطق الأطراف
يقول الخبير الاقتصادي كمال حمدان إن هناك هشاشة في مناخ الاستثمار في مناطق الأطراف، ومنها الجنوب الذي لا يعدّ الأفقر بين المناطق الطرفية، لكنه يستفيد من التحويلات الوافدة من المغتربين، وهذا يخلق حجماً من الادخارات المتوسطة القيمة بمعظمها، وهذا العامل يدفع المواطنين الى التوجه نحو الاستثمار المربح الخطر، بدلاً من إنشاء مشاريع إنتاجية، وهذا التوجه يعود بطبيعة الحال الى النموذج اللبناني الفريد الذي يختصر النشاط الاقتصادي والمردود الإنتاجي ببيروت وحدها.
اقتصاد
العدد ١٤٧١ الثلاثاء ٢٦ تموز ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق