12‏/10‏/2011

مصارف تستبق تصحيح الأجور!





بعض المصارف بدأ الدفع منذ آذار الماضي، في مقابل مصارف بدأت بالدفع منذ حزيران الماضي (أرشيف ــ هيثم الموسوي)
دفع سلف تتراوح بين 150 و200 ألف ليرة لقضم الزيادة السنوية؟
بدأ عدد من المصارف بدفع سلف على تصحيح الأجور منذ أشهر. البعض ردّ هذه الخطوة إلى رأفة المصارف بموظفيها، ولكن البعض الآخر عاد إلى تجربة عام 2008، حينها رأى بعض المصارف أن السلف المسبقة تحدّ من تراكم الفروقات إذا كان هناك مفعول رجعي. والأهم أن معظم المصارف يستخدم هذه السلف لقضم الزيادات الإدارية السنوية المنصوص عليها في عقد العمل الجماعي، والتي تُقتطع من أرباح المصارف كحق مكتسب للموظفين!
رشا أبو زكي
«هل أقرّوا تصحيح الأجور؟ لماذا بعض المصارف بدأ بدفع سلف للموظفين استباقاً للتصحيح؟». أسئلة عديدة تطرحها زينب على صفحة فايسبوك، والأجوبة عن هذه الأسئلة تشكّك في نيّات المصارف انطلاقاً من تجربة عام 2008، إذ جرى قضم الزيادة السنوية من خلال هذه الآلية التي تتخفّى بمبرر تفادي تراكم المفعول الرجعي. وتأتي هذه الشكوك نتيجة مسارعة عدد من المصارف إلى تقديم سلف على تصحيح الأجور، رغم أن المصارف عادة ما تكون من المعارضين الأساسيين لطرح تصحيح الأجور أساساً.
توجهت«الأخبار» إلى عدد من المصرفيين بسؤال زينب: «هل صحيح؟». الجواب: نعم، بدأ عدد من المصارف منذ أشهر بدفع سلف للموظفين لاستباق إقرار تصحيح الأجور. الجواب لا يزال مبهماً بعض الشيء. «وماذا ستستفيد المصارف من هذا الإجراء؟ هنا يبدأ «الجد».
تختلف الشروحات في تفسير هذا الإجراء بين مسؤول مصرفي وآخر. فالبعض حصر الأمر بإقرار إدارات المصارف بصعوبة الوضع المعيشي في لبنان وتأثر موظفي المصارف بالتدهور الاجتماعي الحاصل. ولفت هؤلاء إلى أن هذا الإقرار يعطي مشاورات تصحيح الأجور مظلة من القطاع الأكثر«دلعاً» في لبنان، فيما أكد البعض أن بعض هذه المصارف يحاول المراوغة. فعقد العمل الجماعي في القطاع المصرفي يفرض على كل مصرف توزيع 7 في المئة من أرباحه السنوية كـ«زيادات إدارية» على الموظفين. وفي عملية الاستباق هذه، يحاول بعض المصارف الخروج في نهاية العام بمذكرات إدارية تقول إن هذه السلف هي بديل من الزيادات الإدارية. هذا ما حصل فعلاً في عام 2008... وهو يتكرر الآن.

ظاهرة أم تهرّب؟
ويقول أحد المصرفيين إن السلف ليست سوى خطوة استباقية تقدم عليها المصارف لكي لا يتراكم المفعول الرجعي الذي من الممكن أن ينتج من تأخير تطبيق قرار تصحيح الأجور كما جرت العادة. وبالتالي، لا تقع المصارف دفعة واحدة تحت إلزامية دفع مبالغ ضخمة للموظفين. ويشير إلى أن بعض المصارف بدأ بدفع 150 ألف ليرة شهرياً لموظفيه، والبعض الآخر يدفع 200 ألف ليرة شهرياً. كذلك فإن بعض المصارف بدأ الدفع منذ آذار الماضي، في مقابل مصارف بدأت بالدفع منذ حزيران الماضي، أي قبل البدء الفعلي بمناقشة تصحيح الأجور في لجنة المؤشر في نهاية أيلول!
النقطة الأخيرة هذه يؤكدها موظف في مصرف آخر، إذ إن هذه السلف (بحسبه) هي محاولة من عدد من المصارف للتهرّب من اقتطاع 7 في المئة منها لتوزيعها كزيادة إدارية على الموظفين. ويشرح هذا الموظف أن الاقتطاع من الأرباح السنوية يمثّل هاجساً دائماً لأصحاب المصارف. فعلى الرغم من أن العقد الجماعي ينص على اقتطاع نسبة الـ7 في المئة من الأرباح وتوزيعها على الموظّفين، لا يلتزم عدد كبير من المصارف بهذه النسبة، وخصوصاً أن النص غير واضح في هذا الخصوص (لا يحدد إن كانت نسبة الـ7% هي من إجمالي الأرباح ويجري توزيعها انتقائياً، أم أن كل موظف يحصل على زيادة بنسبة 7 في المئة على أساس راتبه). وبالتالي تختلف الزيادة الإدارية بين موظف وآخر، فتتراوح بين 1 في المئة لدى البعض لتصل إلى 10 في المئة لدى البعض الآخر. لكن، يؤكد الموظف، أن لا إمكانية للمصرف من التهرّب من هذا البند، رغم المحاولات الحثيثة لذلك.

ليست المرة الأولى
«هذه ليست حالة عامة» يقول رئيس نقابة موظفي المصارف جورج الحاج. ففي عام 2008، حين بدأت المشاورات لتصحيح الأجور، بادرت المصارف إلى دفع السلف للموظفين منذ آذار، أي مع انطلاق المفاوضات. ويوضح الحاج أن مبادرات كهذه يمكن تفسيرها بأنها خطوة استباقية من إدارات بعض المصارف لمساعدة موظفيها في ظل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية القائمة. إنها إقرار بوجود أزمة، يقول.
إلا أن الحاج يؤكد أنه لا يوجد مذكرة إدارية صادرة عن جمعية المصارف لدفع سلف للموظفين، وبالتالي فإن مبادرات كهذه لا تكتسب صفة جماعية في القطاع، إذ إن عدد المصارف التي باشرت تقديم السلف لا يتخطّى أصابع اليد الواحدة.
ويشرح أن إجراءً كهذا يأتي عادة مع توقيع الموظف على إبراء ذمّة يقرّ فيه بموافقته على حسم قيمة السلف من راتبه إذا كان المصرف قد دفع سلفاً تفوق قيمة المفعول الرجعي. ويلفت الحاج إلى أن ما يُدفع حالياً لا يتجاوز 200 ألف ليرة، فإذا كان التصحيح أعلى من هذه القيمة يدفع المصرف الفارق إلى الموظفين حين إقرار تصحيح الأجور من قبل الحكومة. ولكن ماذا عن استبدال الزيادة الإدارية بالسلف المسبقة؟ يدخل الحاج إلى صلب الموضوع:«أي مصرف يحاول اعتبار هذه السلفة بديلاً من الزيادة الإدارية سيكون مخالفاً للقانون، وسيواجه بقوة». فالزيادة الإدارية مقرّة في العقد الجماعي، وهي حق للموظفين، ولا علاقة لها بغلاء المعيشة. وبالتالي، فإن أي مصرف مخالف «سنلاحقه في وزارة العمل، وسنحمّل جمعية المصارف المسؤولية».
كلام الحاج ليس عبثياً، وليس آتياً من فراغ. ففي عام 2008 أعلن أحد المصارف لموظفيه أن السلف التي دفعها قبل إقرار تصحيح الأجور هي تعويض عن الزيادة الإدارية. حينها واجه أحد أعضاء نقابة المصارف (وهو موظف في المصرف) هذا القرار، وطالب إدارة مصرفه بالتراجع عن إجرائها المخالف. ردّ المصرف بصرف الموظف النقابي، فدخلت النقابة في نزاع قانوني مع إدارة المصرف من خلال وزارة العمل، وأدى ذلك إلى سحب المصرف قراره هذا، بحيث عاد والتزم بدفع الزيادة الإدارية بمعزل عن السلف المرتبطة بتصحيح الأجور. يحذر الحاج «من الآن» أيّ مصرف من اللجوء إلى«هذه اللعبة»، داعياً موظفي المصارف إلى اللجوء إلى النقابة في حال حصول مخالفة في هذا الإطار.

19794 موظفاً
هو حجم العمالة في المصارف العاملة في لبنان، وبلغت حصة العاملين دون سن الأربعين 57,5 في المئة
886 مليون دولار
هو حجم أرباح المصارف العاملة في لبنان حتى نهاية تموز الماضي، في مقابل 969 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2010
2 في المئة
هي نسبة اليد العاملة اللبنانية العاملة في المصارف نسبة إلى مجموع اليد العاملة الإجمالية في لبنان
سبّاقة؟
يشرح أحد المصرفيين أنه إذا كان المفعول الرجعي لشهرين مثلاً، فستحسم المصارف الزيادات التي دفعتها للموظفين كسلف بعد إقرار التصحيح. وإذا كان المفعول الرجعي لخمسة أشهر أو ستة، تكون المصارف قد «ارتاحت» من تراكم المبالغ المستحقة للموظفين كمفعول رجعي. وعلى كل الأحوال، تكون قد تهرّبت من دفع الزيادة الإدارية للموظفين بحجة أنها كانت السبّاقة في دفع سلف تصحيح الأجور.
اقتصاد
العدد ١٥٣٥ الاربعاء ١٢ تشرين الأول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق