29‏/12‏/2011

للفساد نصيب.. حتى في اليانصيب!



«الشركة التقليدية» تحرم الخزينة مليارات الليرات بتواطؤ من وزارة المال

القضاء على اليانصيب له أسبابه، وهو أساساً لتطوير لعبة اللوتو التي تضم خفايا غير ظاهرة للرأي العام (هيثم الموسوي)
أوراق الحظ أيضاً في قمقم الفساد. فاليانصيب الوطني الذي شهد تراجعاً في مبيعاته لا يلقى أي اهتمام حتى من الشركة الملتزمة. مليارات الليرات تخسرها الخزينة من جرّاء عدم التزام الشركة بدفتر الشروط الذي على أساسه ربحت المناقصة. عدم الالتزام مغطّى من وزارة المال ومن ديوان المحاسبة... ويحظى بالتالي بتغطية سياسية طبعاً. وبدلاً من فسخ العقد، تُكافأ الشركة عبر تمديد عقدها منذ سنوات خلت، بلا أي مبرر اقتصادي أو إداري
رشا أبو زكي
70 مليار ليرة هي قيمة المبالغ التي تُهدر منذ عام 2001 في اليانصيب الوطني اللبناني. وهذه اللعبة التي من المفترض أن تدرّ مليارات الليرات على الخزينة اللبنانية، تسجّل منذ سنوات خسائر فادحة نتيجة تراجع المبيعات، وهذه الخسائر أصبحت تتعدى الرقم الوارد أعلاه بأضعاف! والسبب هو عدم التزام «الشركة التقليدية» بالعقد الموقّع مع الدولة اللبنانية، لا بل تواطؤ وزراء المال المتعاقبين ومديرية اليانصيب الوطني اللبناني مع هذه الشركة، إذ يجري إعفاؤها من التقيّد ببنود العقد، ويُمدّد لعملها بطريقة غير قانونية منذ عام 2005، وذلك لأسباب تتصل بمصالح شخصيات سياسية من الصف الأول في لبنان وسوريا، «إذ إن هذه الشخصيات مساهمة في شركة ألعاب الحظ التي تسيّر اللوتو اللبناني، ولزيادة أرباحهم وصلاحياتهم المطلقة في اللوتو، يجري ضرب اليانصيب»، يقول أحد المطّلعين! أما النتيجة، فمخالفات لا تحصر، وانتهاكات صارخة لمبدأ تحصين المال العام... ليصبح اليانصيب جزءاً من سلسلة طويلة من التعدّي على أموال المواطنين لمصلحة قيادات سياسية، بحيث لا تفرز سوى نزف متواصل في إيرادات الخزينة، تقابلها إجراءات ضريبية ظالمة يجترحها المسؤولون لتغطية هذا النزف!
تلزيم أعمى!
في تشرين الثاني من عام 2001 أُعدّت مزايدة عامة لتسلّم إدارة اليانصيب الوطني اللبناني، وخلال المزايدة تقدمت «الشركة التقليدية» بعرض يفيد بالتزام الشركة بيع 92% من أوراق اليانصيب الصادرة، إلا أن الالتزام بهذه النسبة صدم المشاركين في المزايدة، لكونه أعلى عرض يحصل منذ إنشاء اليانصيب الوطني، بعدما وصل العرض الأكبر في السابق إلى 80% من نسبة الأوراق الصادرة... وقد بدأ العمل بتنفيذ الالتزام في شهر كانون الثاني من عام 2002، إلا أنه منذ بدء الالتزام حتى نهاية الفصل الأول من العام نفسه لم تستطع الشركة تحقيق نسبة الـ92 في المئة. بررت الشركة لوزارة المال ولمديرية اليانصيب عدم التزامها هذا بسبب ظروف قاهرة، منها انعقاد القمة الفرنكوفونية والقمة العربية في لبنان، وبداية حرب العراق، «والعواصف التي ضربت لبنان»، بحسب ما ورد حرفياً في التبريرات. طالبت الشركة بإعفائها من 75% من المبلغ الإجمالي المفروض سداده، وافق وزير المال في حينها فؤاد السنيورة «مبدئياً» على الإعفاء، وطلب رأي ديوان المحاسبة الذي وافق هو الآخر.
هكذا بدأت «الشركة التقليدية» سيرتها العملية. «الأسباب القاهرة» انتهت، ومرّت الأعوام الأربعة المحددة كمدة للعقد، وكانت نسب المبيعات تتراجع سنوياً، من دون التزام الشركة بالـ92%، وهكذا وصلت الشركة إلى عام 2005، وهو تاريخ انتهاء فترة الالتزام، وفي جعبتها جملة من المخالفات لقانون المحاسبة العمومية ولدفتر الشروط. أما المديرية فلم تصادر الكفالة، ولم تطالب بدفع فروقات الخسائر المتراكمة طوال هذه السنوات، والتي وصلت إلى أكثر من 70 مليار ليرة، بحسب مصدر مطّلع على الملف!
تشير المادة 135 من قانون المحاسبة العمومية إلى أنه «إذا ترتّب على الملتزم في سياق التنفيذ مبلغ ما، تطبيقاً لأحكام دفتر الشروط، يحق للإدارة اقتطاع هذا المبلغ من الكفالة ودعوة الملتزم إلى استكمالها ضمن مدة معينة، فإذا لم يفعل اعتُبر ناكلاً، فتعمد الإدارة إلى إعادة المناقصة أو إلى تنفيذ الصفقة بالأمانة. فإذا أسفرت المناقصة الجديدة أو التنفيذ بالأمانة عن وفر في الأكلاف عاد الوفر إلى الخزينة. وإذا أسفرت عن زيادة في الأكلاف، رجعت الإدارة إلى الملتزم الناكل بالزيادة. وفي جميع الاحوال تصادر الكفالة موقتاً الى حين تصفية الصفقة، وفقاً لأحكام هذه المادة»،
في حين تشير المادة 140 من القانون نفسه الى أنه «إذا خالف الملتزم في تنفيذ الصفقة دفتر الشروط أو بعض أحكامه قامت الإدارة المختصة بإنذاره رسمياً بوجوب التقيّد بكامل موجباته، وذلك ضمن مهلة معينة يعود لها أمر تقديرها. وإذا انقضت المهلة المحددة من دون أن ينفذ الملتزم ما طُلب إليه، يحق للإدارة، مع مراعاة أحكام دفتر الشروط العام، أن تعتبره ناكلاً، وأن تطبّق بحقه أحكام المادة 135 من هذا القانون. وفي حال إعادة المناقصة، لا يحق للملتزم الناكل أن يشترك فيها مجدداً».
وقد حدد دفتر الشروط (الذي على أساسه جرت المزايدة وفازت الشركة بالعرض) في المادة الأولى أن «التلزيم يجري بالنسبة المئوية من قيمة المبلغ السنوي المقترح في دفتر الشروط، والبالغ ستين ملياراً وأربعمئة مليون ليرة لبنانية». إلا أن الميزانية التي وضعتها المديرية أصبحت توازي خمسين مليار ليرة منذ عام 2004، ما ضيّع مبلغ عشرة مليارات ليرة لبنانية سنوياً، وهي خسائر تُمنى بها الخزينة من دون أي مبرر!
كذلك تشير المادة 27 من دفتر الشروط إلى أنه «في حال تأخر الملتزم في تسلّم أوراق اليانصيب أو تمنّعه عن ذلك، وأثّر ذلك على القيمة السنوية للالتزام، فإن الكمية المتوجب عليه بيعها يقيّد عليه ثمنها وتحفظ له أمانة في المديرية يتسلمها وقت يشاء ويستفيد من جعالتها وممّا قد يصيب من جوائز». إلا أن الشركة تأخرت مراراً عن التسلّم أو تمنّعت عنه، وأثّر ذلك على القيمة السنوية للالتزام انخفاضاً. في المقابل لم تحفظ المديرية الكمية الواجبة على الشركة (لاستكمال نسبة التلزيم البالغة 92%) ولم تتسلمها، بل تركت الكمية الباقية من كل إصدار في مستودع المديرية، وبالتالي تُحسب لمصلحة الشركة من كل إصدار منذ عام 2001 نسبة 92% من جميع الجوائز للأوراق غير المبيعة وليس من نسبة الـ92% التي تعود للشركة، ما يعطي الشركة زيادات لا تجب لها قانوناً. كذلك يؤدي ذلك إلى استفادة الملتزم من أرباح جوائز لا تعود له طبقاً لدفتر الشروط، ما يؤدي إلى حرمان الخزينة من ملايين الليرات أسبوعياً.
وتشير الفقرة الثانية من المادة 32 من دفتر الشروط إلى أن على الملتزم أن يسدد في نهاية كل ثلاثة أشهر النقص عن النسبة الموازية للمبلغ السنوي للالتزام، وذلك خلال المهلة التي يعيّنها الإنذار الذي يرسله الوزير إلى الملتزم، بناءً على اقتراح المديرية. وإذا انقضت المهلة المحددة في الإنذار ولم يجر التسديد، تطبّق بحق الملتزم العقوبات القانونية المنصوص عليها في المادة 26 من دفتر الشروط، على أن تجري المحاسبة السنوية النهائية في نهاية شهر كانون الثاني من كل سنة.
بين الشركة... والمديرية!
يشير مصدر مطّلع على الملف إلى أن القضاء على اليانصيب له أسبابه، وهو أساساً لتطوير لعبة اللوتو التي تضم خفايا غير ظاهرة للرأي العام، إذ إن إدارة اللوتو تمتلك صلاحيات واسعة، على عكس اليانصيب، كذلك فإن الجوائز يديرها الملتزم مباشرة ويدفعها من دون أي رقابة من المديرية. ويلفت إلى أن شركة ألعاب الحظ التي تدير اللوتو (عدد من المساهمين في شركة اليانصيب هم مساهمون أيضا في اللوتو، وعلى رأسهم مدير اللوتو رينيه جريصاتي) منذ عام 2002، كان من المفترض أن ينتهي عقد تلزيمها في عام 2009، إلا أن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مدّد للشركة قبل سنتين من انتهاء العقد، من دون أي مبرر، حتى نهاية عام 2010، علماً بأن بعض الشركات تقدّم بعروض تسمح بزيادة نسبة المبيع 15 في المئة، إلا أن ذلك لم يحل دون تمديد العقد من دون أي مزايدة جديدة!
رأى رئيس مجلس إدارة الشركة اللبنانية لألعاب الحظ، وعضو مجلس إدارة «الشركة التقليدية»، رينيه جريصاتي «أن عدم التزام الشركة بنسبة البيع المقررة في العقد تعود إلى أن المديرية رفعت عدد الأوراق الصادرة في العام الثاني من دون استشارة الملتزم، وذلك في ظل تراجع سوق اليانصيب لمصلحة اللوتو، لافتاً إلى أنه كان على المديرية أن تسوّق اليانصيب عبر حملات إعلانية، لكنها لم تفعل ذلك، فيما وزارة الداخلية منعت الباعة من البيع على الطرقات. ويشرح أنه بعد انتهاء مدة العقد في عام 2005 قالت الشركة التقليدية إنها لا تريد التجديد، إلا أن المديرية طرحت مزايدة وخفضت عدد الأوراق الى حوالى نصف ما التزمت به «الشركة التقليدية»، وعلى الرغم من ذلك لم يتقدم أحد للمزايدة. ولفت إلى أن الشركة نقلت الدواليب من تلفزيون لبنان إلى المؤسسة اللبنانية للإرسال على حسابها، في حين يجب أن يكون ذلك على حساب الدولة. كذلك دفعت الشركة التقليدية من جيبها الخاص بين 400 ألف دولار ألف و500 ألف دولار كإعلانات لضمان استمرارية اليانصيب. ويلفت إلى أن الدولة مقصّرة ولا يهمها أن «ينكسر» الملتزم، ويشير إلى أنه جرى التجديد للشركة التقليدية حتى عام 2007، ومن حينها تعمل من دون تمديد أو تجديد قانونيين، ولكن وفق العقد الذي يقول إنه «تلتزم الشركة بيع الأوراق إلى حين مجيء ملتزم جديد».
ويشير وزير المال السابق الياس سابا إلى أنه كان من المفترض على مديرية اليانصيب ألا تقبل بالعرض المقدم في عام 2001 من قبل «الشركة التقليدية»، لكونه غير منطقي و«محروق»، ويتضمن عيباً شكلياً وأساسياً في النسبة المقدمة، وهي 92%. ولفت إلى أنه في العام الأول، لكي ينزع الوزير المسؤولية عنه، أرسل إلى ديوان المحاسبة اقتراح إعفاء الشركة من الالتزام بالعقد، وبدلاً من أن يقرر الديوان أن تسدد الشركة الفارق عن الأوراق التي لم تستطع بيعها، أعفيت الشركة من هذا الموجب. ويشرح أن العقد يشدد على أن نسبة البيع يجب أن ترتفع سنوياً لا أن تنخفض. ويلفت الى أن المبررات المتعلقة بتفضيل الناس اللوتو يتناقض مع القانون، إذ إن الملتزم يجب أن يدرس السوق قبل تقديم عرضه، وحين يلتزم عليه تنفيذ الالتزام، وعليه أن يتحمل مسؤولية نص العقد الموقع وبنوده. ويشرح سابا أنه لم تدم ولايته كثيراً، ولكن حين تسلّم وزارة المال أرسل رسالة إلى الملتزم بفسخ العقد إن لم يحقق نسبة المبيعات المحددة فيه، من منطلق أن المخاطر يتحمّل مسؤوليتها الملتزم لا الدولة. كذلك أوقف سابا المدير العام للمديرية عن العمل لمدة شهر لأنه لم يستجب للمذكرات والمراسلات التي تدعو إلى محاسبة الملتزم وفق القانون.


1943
هو تاريخ انشاء اليانصيب الوطني اللبناني في عهد الرئيس بشارة الخوري، وكان الهدف الاساسي من اطلاق هذه اللعبة تأمين ايرادات للخزينة العامة، وفي حين أن هذا النوع من الالعاب يدرّ اموالاً للخزينة في معظم دول العالم، فإن «الخصوصية اللبنانية» جعلت من هذه اللعبة خسارة على الخزينة!

“زيد” يزيد المخالفات
أضاف قرار وزير المال جهاد ازعور رقم 327/1 الصادر بتاريخ 31 آذار 2008 إلى يانصيب اللوتو اللبناني لعبة جديدة باسم «زيد Zeed» هو في الواقع قرار بإنشاء يانصيب جديد. هذا اليانصيب أنشئ خلافاً لأحكام القانون الذي حدد ابتداءً من 5 شباط 1998 أنواع اليانصيب المعمول بها في لبنان بثلاثة هي: اليانصيب الوطني اللبناني، يانصيب اللوتو اللبناني واليانصيب الفوري. لا بل لم يستشر مجلس شورى الدولة بشأنه من جهة، ولم ينشر في الجريدة الرسمية من جهة ثانية، بالرغم من كونه قراراً تنظيمياً بامتياز. وجاء في القرار ان الملتزم غير ملزم ببيع عدد معين من الأوراق كما هب الحال بالنسبة إلى اليانصيب الوطني اللبناني.
اقتصاد
العدد ١٥٩٧ الخميس ٢٩ كانون الأول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق