12‏/1‏/2012

أزمة المازوت مفتعلة

غش وسوق سوداء وانقطاع يتزامن مع العاصفة

أزمة المازوت في كل المناطق اللبنانية (أرشيف ــ بلال جاويش)
لا ينقص اللبنانيين الذين يعانون انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وارتفاع كلفة الاستشفاء... ونشرات الأخبار السياسية القاتلة، سوى أن يموتوا برداً. المازوت الأحمر مقطوع. الغش «ماشي». السوق السوداء تسيطر على الأسواق. سلفة دعم المازوت انتهت فاعليتها. كل ذلك، يتزامن مع عاصفة وصقيع يضرب لبنان. عاصفة لم تصل إلا إلى بيوت الفقراء؛ فالمعنيون بحلّ الأزمة شرايينهم متصلِّبة أصلاً، لكن ليس من البرد طبعاً!
رشا أبو زكي
التكرار أصبح مملاً. عند كل قرار دعم لمادة أساسية للمواطن، في كل عام، وفي كل المناطق. مجدداً أزمة المازوت إلى الواجهة. المازوت الأحمر المدعوم بقرار حكومي بقيمة 3 آلاف ليرة للصفيحة، أصبح عملة نادرة. شبه انقطاع هذه المادة من الأسواق يتزامن هذه المرة مع عاصفة قوية تضرب لبنان. برد وصقيع، في المقابل مازوت مقطوع، وإن توافر فبسعر وصل إلى 31 ألف ليرة للصفيحة في السوق السوداء. بالطبع، وكالعادة، تكثر التحليلات. ندرة المازوت المهرب من سوريا سبب أساسي.
جشع عدد من التجار في تخزين هذه المادة المدعومة لبيعها في ما بعد بسعر أعلى، أو لبيعها في السوق السوداء، مؤثر مباشر. أما الإضافي، فهو أن مخزون المازوت لدى مصفاتي الزهراني وطرابلس «قليل أصلاً». في حين أن السلفة التي من خلالها دُعم المازوت الأحمر شارفت على الانتهاء. تحليلات لن تعيد الدفء إلى عائلة عكارية. لن تطرد الصقيع من بيت في الهرمل. لن تشعل مدفأة في منزل شوفي ولا جنوبي...
فقد أقر مجلس الوزراء الشهر الماضي تخصيص سلفة خزينة قيمتها 22.5 مليار ليرة لوزارة الطاقة لتحقيق دعم المازوت الأحمر المخصص للتدفئة، وذلك في انتظار صدور قانون في مجلس النواب يُعفي هذه المادة من الضريبة على القيمة المضافة. رئيس تجمع شركات النفط مارون شماس شرح أن قيمة السلفة هذه لا تغطي سوى 25 يوماً من الدعم، وفق حسابات منشآت النفط. بالتالي، الكمية المدعومة شارفت على الانتهاء في حد أقصى 18 الشهر الجاري (الأربعاء المقبل). يلفت إلى أن لجنة الأشغال العامة والنقل النيابية رفعت توصيتها بإزالة الضريبة على القيمة المضافة عن المازوت بنوعيه الأحمر والأخضر، إلا أنّ التوصية ستحوَّل إلى لجنة المال والموازنة، وبعدها ستُعرَض في الهيئة العامة لمجلس النواب لطرحها. الأكيد هنا أن هذه الدورة البرلمانية لن تنتهي قبل الأربعاء المقبل. لذا، من المنتظر أن يعلن مجلس الوزراء عن سلفة جديدة إلى حين انتهاء مجلس النواب من إقرار القانون. المشكلة أن عدداً كبيراً من التجار يحتكرون المازوت الأحمر بعد تسلمه من المصفاة ويخلقون أزمة للإفادة من موضوع الدعم عبر تخزين هذه المادة ومن ثم بيعها في ما بعد بأرباح إضافية، أو لبيعها في السوق السوداء بسعر مرتفع، يقول شماس. يشرح أن التهريب من سوريا ضئيل جداً، ما خلق جو انكماش في الكميات، وإفادة بعض الأطراف الذين يفتعلون الأزمة وفق مصالحهم الخاصة.
هذا الواقع تؤكده مصادر «الأخبار». تسأل الأخيرة: «كيف يُقَرّ دعم لمادة، فيما الدولة لا تملك مخزوناً كافياً منها؟». يلفت إلى أن اختلاق أزمة في كل مرة يُدعم فيها المازوت أصبح مشكلة بحد ذاتها؛ إذ لماذا لا تتنبه الحكومة لهذه الحالة المتكررة؟ لماذا لا توجَد آلية أخرى للدعم، بحيث لا تكون مقدمة لأزمات يتحملها المواطنون وحدهم؟ تلفت المصادر إلى أن السوق السوداء مزدهرة، فسعر الصفيحة 25 ألفاً و800 ليرة، إلا أنها ترتفع في السوق السوداء لتصبح أغلى من سعرها قبل إقرار الدعم! تشرح أن مصفاتي الزهراني وطرابلس تسلمان كميات لا تكفي السوق؛ إذ وصلت إلى 4 ملايين ليتر، فيما خُفضت الحصة هذه 40 في المئة أمس، بحيث سُلِّم مليونان و700 ألف ليتر فقط.
وإن كانت الشركات تراهن على السلفة الجديدة، والمواطنون يعدّون أيام البرد القارس، فأصحاب المحطات لهم موقفهم المختلف. سامي براكس، رئيس نقابة أصحاب المحطات يضع اللوم على المحطات غير المرخصة بعلم من وزارة الطاقة. يقول إنّ 1800 محطة من أصل 3 آلاف محطة تعمل بلا ترخيص، وأصحابها يحصلون على المازوت الأحمر ويبيعونه في السوق السوداء. يرى أنه لا يوجد انقطاع في المازوت الأحمر، بل تقنين وخلل في التوزيع. لكن لماذا التقنين؟ يجيب براكس بأن صاحب المحطة ليس مستعداً في الشتاء والثلج أن يبيع المازوت بربح قليل؛ «فقد طالبنا بزيادة الجعالة ولم تفعل». يرى أن المازوت لم يعد مادة مربحة للمحطات، وبالتالي تحبذ عدم شرائها ولا بيعها! يلفت من جهة أخرى أن المحطات المرخصة ملتزمة بعقود مع الشركات، وبالتالي لا تستطيع شراء المازوت إلا من خلال الشركة المتعاقدة معها، وهذه الأخيرة تسلم المحطات مادة المازوت «بالقطارة». يرى براكس أن المسؤولية تقع على وزارة الطاقة في البداية والنهاية، والحل هو بتعويم السوق بمادة المازوت لا غير.
في المناطق معاناة حقيقية؛ إذ يعاني أبناء البقاع (رامح حمية) الغش في مادة المازوت، بحيث يُخلَط المازوت الأخضر والأحمر ويباع على أنه أحمر ومخصص للتدفأة. بالطبع، لا التزام بالأسعار المدعومة، فسعر الصفيحة وصل إلى 29 ألف ليرة. يقول أصحاب عدد من المحطات إنهم يتعرضون لعقاب من مصفاتي النفط، السبب هو اتكالهم الدائم على المازوت المهرب من سوريا. يرسم حمية مشهداً يتكرر أمام المحطات، «الناس يتجمعون في البرد القارس لتعبئة المازوت بغالونات صغيرة»، مشهد يبدو أنه سيستمر مع العاصفة.
في الجنوب (كامل جابر)، الوضع هو نفسه. «الناس يقطعون مسافات طويلة لتجد المازوت، وغالباً ما يصابون بخيبة الأمل». يقول من استطاع الحصول على المازوت الأحمر إن اشتعالاً غريباً ينتجه المازوت المبيع، إضافة إلى كميات من «الشحبار» تتصاعد من المدافئ. الغش موجود وأكيد، أما الأسعار فقد ارتفعت إلى 30 ألف ليرة لدى عدد من المحطات التي ترفض تسليم المواطنين سوى كميات قليلة من المازوت.
الشمال يعاني الصقيع أيضاً (روبير عبد الله). غالبية المحطات توقفت عن بيع المازوت الأحمر. عدد قليل جداً من المحطات يسلم المازوت (المدعوم) بسعر وصل إلى 31 ألف ليرة، وشرط المحطة الدائم، البيع بكميات قليلة. الأخضر متوافر، إلا أنه غير مطلوب؛ إذ إنه يحترق بسرعة، سعره مرتفع، ولا يمكن استخدامه في مولدات الكهرباء. يتحسر أبناء الشمال على المازوت المهرّب من سوريا، «إلا أن أبناء سوريا يعانون الصقيع كذلك؛ فهم يعانون من أزمة المحروقات أيضاً». شكاوى المواطنين أصبحت ترتفع، ومخاوف من استمرار الأزمة تسيطر على العائلات.


1200 ليرة
هي القيمة التي سيرتفع فيها المازوت الأحمر خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، بحيث سيكون معدل الارتفاع الأسبوعي 400 ليرة، فيما سيرتفع البنزين 400 ليرة الأسبوع المقبل، و300 ليرة في الأسبوع الذي يليه و200 ليرة في الأسبوع الثالث.

البحث بـ«التقسيط»
أشار رئيس لجنة المال والموازنة، إبراهيم كنعان، الى أن اللجنة ستبحث مشروع قانون إلغاء الضريبة على القيمة المضافة على مادة المازوت الأحمر في جلسة ستعقد يوم الثلاثاء المقبل. فيما أشار رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل، محمد قباني، الى أن اللجنة، بعدما أصدرت توصيتها للهيئة العامة بأن يتم إلغاء الـ TVA عن المازوت الأحمر وكذلك الأخضر لمدة سنة، ستعود لتبحث الموضوع بعد شهر من الآن في ضوء وجود اقتراح بتحرير قطاع النفط بالكامل. كما ستبحث بعد 8 أشهر إمكان استبدال إلغاء الـ TVA بسياسة دعم حقيقية للأسر الفقيرة ومتوسطي الحال، بحيث لا تذهب الى الشركات والمعامل وإلى غير المحتاجين.
اقتصاد
العدد ١٦٠٧ الخميس ١٢ كانون الثاني ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق