9‏/2‏/2012

الاكتشاف الثاني بعد الأبجديّة: اتحاد عماليّ ضدّ العمّال




نحّاس سيحيل مشروع قانون النقل إلى الحكومة فور معاودة جلساتها
رشا أبو زكي
الوجوه جديّة بمعظمها. غلبة ملحوظة للطالبات. تثاؤب. ابتسامة رضى. عيون من الواضح أنها تريد أن تستوعب المقال، ولا تنجح. رأس ينخفض، موافقة ... موزاييك شبابي كان حاضراً في ندوة قطاع الشباب في الحزب الشيوعي في الجامعة اللبنانية. الضيف لا يشجع على ملء القاعة، إذ إن وزير العمل، شربل نحاس، «يتحدث اقتصاد، والاقتصاد صعب» تقول طالبة كانت تهمّ بالمغادرة. العيون تراقب انفعالات نحاس الواضحة على وجهه، وأسلوب صوغه العبارات. يسابق نحاس الأسئلة. يشرح المراحل التي مرت بها مراسيم الأجور الأربعة. مقاطعة رئاسة الاتحاد العمالي العام لجلسات لجنة المؤشر، شكلت افتتاحية الندوة. «قاطعوا الجلسات احتجاجاً على تضمين وزير المال زيادة الـ TVA في الموازنة، فإذا بالقيادة ذاتها تجتمع مع وزير المال ورئيس الحكومة والهيئات الاقتصادية للاتفاق على صيغة لتصحيح الأجور».
يكرّ نحاس سبحة المراسيم. يتحدث عن مشروعه الرامي الى ضم «ما يسمى بدل النقل» الى صلب الأجر، ليصبح الحد الأدنى للأجور 868 ألف ليرة. «بعد اكتشاف الأبجدية، حقق الاتحاد العمالي ظاهرة جديدة في تاريخ البشرية، فقد أصر على زيادة الحد الأدنى الى 675 ألف ليرة بدلاً من 868 ألف ليرة، واقفاً في وجه مصالح من يمثلهم، عجيبة». والعجيبة الأخرى، هي أن أصحاب العمل الذين أعلنوا تمسكهم ببدل النقل، اتضح أنهم قدموا 32 طعناً الى مجلس الشورى بمراسيم بدلات النقل منذ عام 1995 حتى اليوم. أما العجيبة الثالثة، فهي «أن اصحاب العمل قرروا السير بآلية بدل النقل التي قدموا بها طعوناً، الى حين إقرار مشروع قانون بدل النقل».
مشروع قانون نحاس يحمل عنوان «حماية الأجر وصونه»، ويحدد بالتفصيل التقديمات التي يجوز عدم اعتبارها جزءاً من الأجر، «ما يعيد الانتظام العام الى سياقه». ويقول نحاس إن «إقرار المشروع في انتظار انعقاد مجلس الوزراء لإحالته».
مسألة الأجور تناقش من مستويات ثلاثة. يصنف نحاس المستويات، (مطعّماً شرحه بتجربة نشوء الولايات المتحدة الأميركية وتحولها الى مركز اقتصادي عالمي، ومقصد لأصحاب الكفاءات من طالبي الأجور المرتفعة): مستوى محاسبي، بحيث يحتسب الأجير قيمة الزيادة على أجره، وصاحب العمل قيمة الكلفة الإضافية التي سيدفعها (وهي الغالبة). مستوى اقتصادي، بحيث يتم الحديث عن مفاعيل تصحيح الأجور على التوازن الاقتصادي العام الذي ينعكس على الإنتاجية والاستثمار في آن. أما المستوى الثالث فهو ذو بعد أوسع وأشمل، بحيث يصبح تصحيح الأجور مسألة مفصلية وخياراً مجتمعياً يتخطى الاعتبار المحاسبي والاقتصادي الى اعتبارات أخرى، منها تأمين فرص العمل وخفض معدلات الهجرة، والاستفادة من الكفاءات الشبابية لتحسين إنتاجية الدولة ...
ينتقل النقاش الى الواقع المعيش. «فور تخرجكم ستبحثون عن عمل، ستجدون عراقيل عديدة، ومنها الأجر المتدني، والسبب هو اتكال القطاعات على اليد العاملة الأجنبية الزهيدة الأجر، أتلقى شخصياً عشرات الاتصالات والضغوط للموافقة على استقدام العمال الأجانب»، إلى مسألة أخرى «منذ 5 سنوات، كان عدد مغاسل السيارات الآلية أكثر من اليوم، إذ يعتقد أصحاب المحطات أن تشغيل يد عاملة أجنبية أقل كلفة من شراء الآلات وتشغيلها، كما يسود مفهوم مغلوط بأن اللبنانيين لا يعملون في بعض القطاعات».
انتهت المحاضرة. حان وقت أسئلة الطلاب. يحاول الوزير مخاطبة الشباب بلغتهم. يتوجه اليهم بـ«يا خيّي (أخي)». يتهكّم أحياناً. يقلّل من أهمية بعض الأسئلة الخارجة عن سياق موضوع الندوة. السؤال الأول بديهي ومركّب من 4 أسئلة: «لماذا تقبل بالضغوط لاستقدام العمال الأجانب؟ لماذا هناك أجانب يستلزم وجودهم في لبنان إقامة، وآخرون لا يحتاجون الى إقامة؟ لماذا لا تفرض ضريبة على العمال الأجانب كما في جميع الدول؟ حكومة لون واحد لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فكيف إذا كانت لونين؟».
يجيب نحاس عن السؤال ببعض الارتباك: «في ما يتعلق بالعمال الأجانب، الضغوط التي تمارس علينا قادمة من حاجة فعلية إلى هؤلاء العمال، إذ إن هناك بنية اقتصادية قائمة، ويمكن توقع انهيار بعض القطاعات في حال وقف دفق العمالة الأجنبية، مثل محطات البنزين وقطاع البناء والزراعة، والانتقال من مرحلة الى أخرى ليس بسيطاً، كما أن موافقتنا على الطلبات ليست بهذه السهولة. ونحن نعمل على تعديل القانون المتعلق بالرسوم والضرائب على العمال الأجانب لكونه عنصرياً، ونحاول تثبيت بعض الحقوق البديهية للعمال الأجانب، أما في ما يتعلق بالحكومة فهي ليست لوناً واحداً بتاتاً».
أسئلة أخرى تتوالى، بعضها يسأل عن مصير الحكومة، عن مواضيع سياسية. لا يستسيغ نحاس الرد «شو هالأسئلة، موضوع الأجور مهم أكتر». يطرح الطلاب أسئلة أخرى: «إذا كانت الحكومة فاشلة، فلماذا لا تزال فيها؟ لماذا بعض الحلفاء صوّتوا ضدكم؟ كيف يمكن حماية عامل من الصرف في حال رفع شكوى لدى وزارة العمل؟ كيف يمكن محاسبة صاحب العمل إذا قرر صرف عماله؟».
يُشعِر نحاس الحضور بأن الاسئلة لا ترتقي الى ما يريد، يجيب: «أحياناً، هناك حالات صرف فردية مبررة، كأن يكون العامل ثقيل الدم (!) أو كسولاً، وهناك حالات غير مبررة وهي تعتبر تعسفية، وقد حاولنا حماية العمال من هذا النوع من الصرف، إلا أن قيادة الاتحاد العمالي العام وقفت ضدنا. أما بالنسبة إلى الحلفاء، أستطيع أن أقول لكم: اسألوهم لماذا صوّتوا ضد مشروعي، لكن هناك الكثير من الناس الذين ينظرون الى المسألة على قاعدة «إذا القاضي راضي» (في إشارة الى الاتفاق بين العمالي والهيئات الاقتصادية) ...
اقتصاد
العدد ١٦٣١ الخميس ٩ شباط ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق