3‏/4‏/2012

البيان الوزاري: زراعة «ما في»!

فقرة مختصرة جداً تتضمن أخطاءً وأفكاراً عامّة


المزارعون سيبقون على هامش الاهتمامات الحكومية (مروان بو حيدر)

بعد صراخ المعارضة السابقة، الذي ضجّت به وسائل الإعلام والمنابر، رفضاً للسياسات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومات «الحريرية»، ها هي تتسلّم السلطة التنفيذية، فيخفت صراخها في بيانها الوزاري، وتعلن عبر فقرة صغيرة، لا رؤية فيها ولا أمل، متابعة نهج تهميش القطاع الزراعي!

رشا أبو زكي

باختصار، يمكن القول إن الفقرة المتعلقة بالقطاع الزراعي في البيان الوزاري لحكومة «كلنا للوطن، كلنا للعمل» كُتبت في عشر دقائق على أبعد تقدير، فهذا القطاع الذي يؤثر في آلاف العائلات التي تعيش في قرى بعيدة عن الإنماء والاهتمام الرسمي، حُددت أهداف إصلاحه بفقرة لا يمكن أن تشي سوى بفكرة واحدة: الحكومة الحالية، كما سابقاتها، تعدّ القطاع الزراعي هامشياً، ومن يعملون فيه هامشيين... فقرة شديدة الاختصار الى درجة عدم الحاجة إلى مقارنتها بالبيان الوزاري للحكومة السابقة!
حكومة «كلنا للعمل»؟ أيّ عمل؟ إنتاجي؟ إنمائي؟ إصلاحي؟ أم العمل على استكمال نهج اقتصادي لا رؤية فيه ولا هدف سوى استكمال ما سبق؟ «الأخبار» طرحت هذه الأسئلة على عدد من الخبراء الاقتصاديين والباحثين المتخصصين في القطاع الزراعي، فكانت الصياغة العمومية للفقرة الزراعية الأكثر بلاغة، إضافة الى تساؤلات عديدة عن أخطاء غريبة جاءت في نص صغير لا يحتمل الأخطاء!

جمل إنشائية وثُغر

يختصر البيان الوزاري للحكومة الجديدة أهداف تطوير القطاع الزراعي في الفقرة الـ32 من البيان، ويقول حرفياً «في المجال الزراعي، فإن الحكومة تتعهد الاستمرار في العمل على النهوض بالقطاع الزراعي كأحد القطاعات الاقتصادية الأساسية تأميناً لفرص العمل ومصادر العيش الكريم للمواطنين في المناطق الريفية، وتوفيراً للأمن الغذائي وسلامة الغذاء والتوازن البيئي. وستستمر الحكومة في العمل على تطوير القطاع الزراعي والبنى التحتية وتفعيل الإرشاد والرقابة واتخاذ الإجراءات الآيلة لتعزيز الصادرات الزراعية وتطوير الغرف والمؤسسات الزراعية والحفاظ على الموارد الطبيعية، ولا سيما الغابات والمياه، وإيجاد أطر للتسليف الزراعي وملف الأضرار الناتجة عن الكوارث الطبيعية».
ويتضمن البيان الوزاري للحكومة الجديدة ثغرة لافتة، فهو إضافة الى أنه عامّ جداً وغير واضح في معظم بنوده، لا يضع البنود وفق أولويات العمل الحكومي، فيأتي قطاع الكهرباء مثلاً في البند الـ29 رغم أهميته، والقطاع الزراعي في البند الـ32... فيما كان على الحكومة أن تضع المواضيع الأساسية التي تهم المواطنين في البنود العشرة الأولى للإشارة الى أهميتها، ومن هذا المنطلق يرى الخبير الاقتصادي لويس حبيقة أن الفقرة التي أشارت الى آلية عمل الحكومة الجديدة في القطاع الزراعي هي «لتلتة» لا أكثر، وفنّد حبيقة بنود الفقرة: إذ تشير الحكومة في مطلع الفقرة الزراعية في البيان الى أن هدفها تطوير القطاع الزراعي، لكنها لم تحدد آلية هذا التطوير ومدة مشروعها التطويري وطرق تمويله، لتعيد وتكرر الفكرة نفسها في عبارة أخرى، كما تتضمن الفقرة حديثاً عن توفير سلامة الغذاء، ويسأل حبيقة «كيف؟ بأية آليات؟». وكذلك كان لا بد من الإشارة الى كيفية تفعيل الإرشاد الزراعي والرقابة مثلاً، وفي أي مناطق وأية نطاقات. ويلفت الى أن البيان الوزاري يشير الى دعم الصادرات الزراعية، كأنّ من صاغ البيان الوزاري لا يعلم أن برنامج دعم الصادرات الزراعية قد انتهت مفاعيله هذا العام. أما العبارة الأكثر ضبابية، التي تتضمن خطأً فعلياً، فهي تلك التي تشير الى «تطوير الغرف والمؤسسات الزراعية»، إذ إنه من المعلوم أنه ليس هناك غرف زراعية في لبنان، رغم المطالب العديدة في هذا الإطار، التي تمتد الى عشرات السنوات الماضية! ويشدد حبيقة على أن الفقرة الزراعية في البيان لا تتعدى كونها جملاً إنشائية لا تعني أي شيء، ما يدل على أن الحكومة الحالية ستسير وفق النمط المتبع سابقاً في التعاطي مع القطاع الزراعي.

استراتيجية مفقودة

وبحسب رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا بسام همدر فإن ما جاء به البيان الوزاري في ما خص القطاع الزراعي إذا طبق فسينهض بالقطاع من وضعه الضعيف الى حالة أقوى، لكن دائماً النوايا أفضل من الأفعال. ويرى أن أهم ما كان يجب تضمينه في البيان الوزراي هو إيجاد فرص استثمارية وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في القطاع، والعمل على إيجاد أسواق داخلية وخارجية للمنتجات الزراعية، إضافة الى تبني الدولة على نحو جدي وعملي وواقعي لهذا القطاع، حتى تتميز هذه الحكومة عن سابقاتها في ما خص الزراعة، وإلا فسيذهب بها الأمر، كما الحكومات السابقة، الى نوايا حسنة، لكن دون أفعال.
وأشار همدر أن هذا القطاع كالمرأة العجوز التي لا تنجب ولا تتحرك، إذ إن عمر أشجار الحمضيات مثلاً في لبنان لا يقل عن 30 عاماً، ولا يزال لبنان يتّكئ عليها في إنتاجه وصادراته، فيما تنتج دولة كإسرائيل مثلاً 3 مواسم للحمضيات، وعمر أشجارها لا يتجاوز الثلاث سنوات، وحين تتعدى هذا العمر تُقطع لزرع أشجار جديدة، بحيث يُحافَظ على جودة الإنتاج والتنافسية السوقية لسلعها. وفي الجانب العملي فإن كل ما جاء في البيان الوزاري هو عنوان عام عليه أن يكون مبنياً على سياسة زراعية وبرنامج تنفيذي وأهداف وموازنة واضحة. ويشدد همدر على أنه لا بد من الخروج من النمط الاقتصادي المعتمد على الربح السريع من خلال التركيز على القطاعات الخدمية والسياحية، فيما تقوم صلابة الاقتصادات على القطاعات الإنتاجية، وعلى إيجاد توازن في ما بينها وبين الاقتصاد الخدمي والسياحي، بحيث لا ننتهي باقتصاد هش معرض للمخاطر مع كل هزة سياسية داخلية أو خارجية.

حساسة وضرورية

بدوره، يلفت رئيس اللقاء الدوري للهيئات الزراعية جهاد بلوق الى أن بعض النقاط المطروحة في الفقرة الزراعية في البيان الوزاري تعدّ حساسة وضرورية، إلا أنه لا يجوز البحث عن أطر للتسليف الزراعي فيما هناك مشروع لإنشاء مصرف للتسليف الزارعي، ينتظر التفعيل وتطوير العلاقات مع المصارف لإيجاد التمويل اللازم له. ويرى أن عمل وزير الزراعة استثنائي، إلا أن العمل الحكومي العام ليس مشجعاً، إذ ثمة العديد من المشاريع التي تحتاج الى عدد من الوزارات للسير بها، إلا أنها تقف عند حدود معينة ولا تصل الى التنفيذ.


4.8 في المئة

هي نسبة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، بحسب الحسابات الوطنية لعام 2009، وقد سجّلت تراجعاً بواقع نقطة مئوية واحدة مقارنةً بعام 2008 عندما كانت تبلغ 5.8%.


تراجع أم «استعجال»؟

إضافةً الى العموميات التي ترد في الفقرة المتعلقة بالزراعة في البيان الوزاري للحكومة الجديدة، فإن الأخيرة أسقطت من أجندتها عدداً من المشاريع الأساسية التي كانت مذكورة في البيان الوزاري للحكومة السابقة، وأهمها 4 مشاريع كان لا بد لحكومة تدعي الإصلاح أن تتبناها: 1ـــــ وضع آلية عملية للتسليف الزراعي وتطوير قانون المصرف الوطني للإنماء الزراعي. 2ـــــ استحداث التأمين على المخاطر والكوارث الطبيعية التي تصيب القطاع الزراعي. 3ـــــ واستحداث مشاريع دعم جديدة لمساعدة صغار المزارعين والصناعات الغذائية. 4 ـــــ تقويم وإعادة تفعيل دور التعاونيات الزراعية.

اقتصاد
العدد ١٤٥٢ الاثنين ٤ تموز ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق