16‏/7‏/2011

بورصة بيروت: جسد ضعيف بلا روح





بورصة بيروت هي من البورصات القليلة المملوكة من الدولة (أرشيف ــ مروان طحطح)
بورصة بيروت بلا لجنة منذ عام 2004، وقد استقال رئيسها فادي خلف في عام 2009، ولم يجر تعيين بديل منه، وتخلو البيانات الوزارية في العقد الأخير من أي التزام تجاه تطوير البورصة وتفعيلها، فيما مشروع قانون تنظيم السوق المالية نائم في المجلس النيابي منذ سنوات... هذا هو واقع البورصة: لا اهتمام ولا من يحزنون
رشا أبو زكي
لا نسمع ببورصة بيروت عادةً إلا في بيانات تشير الى ارتفاع سعر سهم سوليدير أو انخفاضه، وخلال الأزمات المحلية أو الإقليمية أو الدولية تعود التصريحات لتتناول بورصة بيروت، تصفها بالهادئة أو الجامدة أو المأزومة، إلا أن معظم المواطنين لا يعرفون أي شيء عن واقع هذه البورصة، عملها، سبب بقائها في العتمة، الهدف من وجودها... لعل قلة المعرفة هذه هي من أكثر مظاهر التهميش الذي تتعرض له بورصة بيروت، ولعل عدم انتشار صيتها له أسباب حقيقية تتعلق بعدم توجه المواطنين للاستثمار في أسهم البورصة كما يحدث في معظم الدول، عربية كانت أو غير عربية. هذا من الخارج، أما صورة البورصة من الداخل فهي لا تقل سوءاً، فمن يصدق مثلاً أن لجنة رئاسة بورصة بيروت قد انتهت ولايتها منذ عام 2004 وحتى الآن لم تعيّن لجنة جديدة، أعضاء توفوا، أعضاء تركوا مناصبهم، والبورصة لا تزال من دون عيون وصيّة، وفي حين أن الكيان الاقتصادي انتفض كله للضغط في اتجاه التجديد لحاكم مصرف لبنان مثلاً، إلا أن أحداً لم يتحرك ليسأل ولو سؤالاً: لماذا لا يزال منصب رئيس بورصة بيروت شاغراً منذ عام 2009 بعد استقالة الرئيس السابق فادي خلف!
يقول نائب رئيس بورصة بيروت (الرئيس بالإنابة) غالب محمصاني إنه يمارس صلاحيات الرئيس منذ عام 2009، أي بعد استقالة الرئيس السابق فادي خلف مباشرة، مشيراً الى أن الخلافات المعتادة على التعيينات أدت الى عدم تعيين رئيس جديد، والسبب نفسه أدى الى عدم تعيين لجنة جديدة للبورصة منذ أن انتهت ولاية الحالية منذ عام 2004، لافتاً الى أن هناك اتجاهاً لدى الحكومة الجديدة لتعيين لجنة جديدة، علماً بأن لجنة البورصة مؤلفة من رئيس ونائب رئيس وثمانية أعضاء يتم تعيينهم بقرار من مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير المال. ويؤكد محمصاني أن عمل البورصة التقني لم يتأثر بعدم التعيينات هذه، وخصوصاً أنه لا ينقص البورصة لجنة أو رئيس فقط، وإنما تفاصيل أخرى لا بد من تحقيقها.
إذ تدرج 10 شركات فقط أسهمها في بورصة بيروت، إضافة الى منتجات مالية أخرى، فيما يوجد 16 وسيطاً مالياً وبنوك استثمار تمر عبرهم أوامر البيع والشراء. ولضعف عمل بورصة بيروت أسباب موضوعية وتشريعية وعملية، ومن الأسباب الموضوعية المتعلقة بطبيعة السوق اللبنانية فإن الشركات اللبنانية تكتسي بمعظمها طابعاً عائلياً، وهذا النوع من الشركات يتجنب عادة الإدراج في البورصة، وخصوصاً أن الدخول الى البورصة يتطلب المزيد من الشفافية، ودخول المستثمرين الأجانب الى عالم هذه الشركات يوسّع دائرة المطالبة بهذه الشفافية، وبالتالي تفضل هذه الشركات اللجوء الى الاقتراض من المصارف عوضاً عن الدخول الى البورصة، حتى لو كان التعامل مع المصارف يرتب فوائد مرتفعة وشروط تسليف معقدة. ويشير محمصاني الى أن هذه الثقافة في الإدارة والاستثمار في لبنان لم تتغير، كما أن المجتمع اللبناني ليس لديه ثقافة الاستثمار في البورصة. وإن كانت الخصخصة مادة تجاذب بسبب الاتجاهات الاقتصادية المتنافرة، إلا أن البورصات العالمية والعربية تقوم على إدراج عدد من القطاعات الحيوية في بورصتها، وهنا، يقول محمصاني إنه لا يحبذ نقل عدد من القطاعات التابعة للدولة الى احتكار خاص، وإنما إدراج أسهم هذه القطاعات في البورصة وطرح أسهمها على الجمهور كما يحدث في عدد كبير من الدول، ومن هذه القطاعات: الكهرباء والاتصالات والطيران والكازينو... ويعوّل محمصاني على عمليات التنقيب عن الغاز والنفط في لبنان، مشدداً على أنه إذا تمت إدارة عملية التنقيب بطريقة جيدة فمن المفترض أن تحرص الدولة على إلزام الشركات بعرض أسهمها للعموم في بورصة بيروت.
والغريب في إطار موقع بورصة بيروت في الاقتصاد اللبناني والمشكلات التي تعانيها، أن أياً من البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة لم يأت على ذكرها، فالحكام كما المواطنون يبحثون عن الاستثمار السهل والمضمون بعيداً عن الأدوات المالية القادرة على تحريك الاقتصاد اللبناني، فالثقافة الاقتصادية في لبنان، بحسب محمصاني، تشير دائماً الى أن هذا البلد هو بلد خدمات وسياحة ومصارف وعقارات، على الرغم من أن ثقافة التعامل بالبورصة أصبحت عالمية، وعلى الرغم من أن المناخات الاستثمارية والمالية في الدول تقاس بقوة بورصتها أو ضعفها.
ويلفت محمصاني الى أن الفرنسيين، ضمن إطار المساعدات للحكومة اللبنانية، كلفوا شركة فرنسية لدراسة السوق المالية وخاصة البورصة، وركزت الدراسة على غياب قانون تنظيم الأسواق المالية في لبنان، إذ يجب، وفق محمصاني، أن يكون هناك هيئة أسواق مالية وهي لجنة مستقلة يرأسها أناس متفرغون وخبراء ويكون لها اليد العليا في كل ما يتعلق بالأسواق المالية، ولها صلاحيات تشريعية وتنظيمية لكل المنتجات المالية التي يجري التداول بها في البورصة، على أن يكون هناك محاكم خاصة للأسواق المالية، ولكن هناك عدم اهتمام بإنشاء اللجنة، وذلك في ظل قيام المصرف المركزي بهذا الدور جزئياً.
ويشرح محمصاني أنه منذ عام 1996 يجري تشكيل لجان لدراسة كيفية تنظيم الأسواق المالية من دون جدوى، ولكن بعد عام 2007 أصبح هنالك شعور بضرورة إقرار قانون تنظيمي للأسواق المالية بالتزامن مع تقدم البورصات العربية، وبالتالي وضع مشروع قانون (لا يبعد مصرف لبنان عن الأسواق ولا يسلمه كل شيء) وقد بحث في لجنة المال والموازنة برئاسة النائب ياسين جابر وصادقت اللجنة على المشروع، وبقي المشروع في المجلس النيابي الى أن صادقت اللجان المشتركة عليه منذ شهر ونصف تقريباً، وهو لا يحتاج إلا الى جلسة الهيئة العامة لإقراره. ولفت محمصاني الى أن إقرار مشروع القانون هو رسالة الى المستثمرين للاستثمار في الأسواق المالية اللبنانية واللجوء إليها بدلاً من المصارف، «إذ لا يجب أن تقوم المصارف بكل شيء».
ويشرح محمصاني أن بورصة بيروت هي من البورصات القليلة المملوكة من الدولة، لافتاً الى ضرورة أن تكون مملوكة من القطاع الخاص لأنها تقوم بدور الوسيط وليس لها أي صلاحيات تنظيمية.
اقتصاد
العدد ١٤٦٣ السبت ١٦ تموز ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق