7‏/10‏/2011

الصفدي يغرف من السنيورة




التعاقد مع شركة خاصة لتدقيق حسابات الدولة

بند تدقيق الحسابات جرى تهريبه في نهاية جلسة مجلس الوزراء حين كان الجميع يهم بالخروج من القاعة (مروان طحطح)
قرّرت حكومة «كلّنا للعمل» في جلستها الأخيرة تكليف شركة خاصة معاونة وزارة المال على التدقيق في الحسابات العامّة للدولة. الإجراء غير قانوني، وفي الوقت نفسه غير مجد تقنياً، ليس فقط لأنّ وزارة المال تستطيع تنفيذ المطلوب، ولأن القانون يحدد مسؤوليات واضحة على مديرياتها وموظّفيها، بل أيضاً لأنّ التجربة مع الشركة المختارة تشي بالنتيجة مسبقاً
رشا أبو زكي, حسن شقراني
هل يذكر اللبنانيون يوم «دبكت» على موضوع الحسابات المالية للدولة؟ هل يذكرون بماذا صرخ أركان الأكثرية السابقة بوجه كل مطالب بإجراء تدقيق جدي للحسابات وخضوعها لرقابة مجلس النواب؟ فبعد العمل على تأليف لجنة تحقيق برلمانية بكل المخالفات والأخطاء والنواقص التي شابت الحسابات منذ عام 1993، على أن تجري محاسبة المسؤولين عن هذه الأخطاء، رفض أركان الأكثرية السابقة هذه اللجنة، مطالبين بتطبيق مشروع القانون الذي وضعه رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة
، وأحيل على مجلس النواب بموجب المرسوم الرقم 17053 الصادر بتاريخ 25 أيار 2006، وهو المشروع المتعلق «بتدقيق حسابات الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات والمرافق العامة التابعة للدولة أو للبلديات». حينها أيضاً، هبّت المعارضة السابقة، التي أصبحت في الحكومة حالياً، لرفض الرجوع الى مشروع القانون هذا. فهو (أي المشروع) نص على الإجازة للحكومة التعاقد مع شركة خاصّة أو أكثر لإنجاز هذه المهمة، وللتدقيق في الحسابات، كما نص على منح الشركة «حصانة» لضمان استقلالية المدقق في تنفيذ مهماته وعدم التعرض لأي ملاحقة قضائية عن نتائج أعماله.
حينها أيضاً، هبت قوى المعارضة السابقة لتهشيم هذا المشروع. وقالت حينها بالحرف «لا يجوز أن تناط صلاحية التعاقد مع شركة أو شركات خاصة بالحكومة، لأنها السلطة المعنية بتنفيذ الواردات والنفقات، ولأن التدقيق يشمل أعمالها. ولذلك يقتضي أن تناط صلاحية التعاقد بالمجلس النيابي، بوصفه الرقيب الأصيل على أعمال الحكومة المالية، أو بديوان المحاسبة، لكونه المسؤول عن الفصل في صحة حسابات متولي إدارة الأموال العمومية، والمسؤول عن الرقابة على منفذي موازنات أشخاص القطاع العام».
كل ذلك ذهب أدراج الرياح، فقد وافقت حكومة «المعارضة السابقة» في جلستها يوم الأربعاء الماضي، على استعانة وزارة المال بشركة Price Waterhouse Coopers لإنجاز حساب المهمة وقطع حساب الموازنة العامة من سنة 1993 ولغاية سنة 2010. على الرغم من أن وزارة المال تحديداً هي الجهة التي ستكون محور التدقيق، فهل يعقل أن تقوم وزارة المال نفسها بالتعاقد مع شركة خاصة تعمل لديها بموجب عقد يقضي بمراقبة أعمالها ومعاونتها في ذلك؟ وهل يجيز أي قانون محاسبي في العالم أن تقوم جهة خاصة بمراقبة أعمال الحكومة التي تقع موقع «الزبون» لهذه الشركة؟
تقول المعلومات إن هذا البند جرى تهريبه في نهاية جلسة مجلس الوزراء حين كان الجميع يهم بالخروج من القاعة، ومن خارج جدول الأعمال، بمعنى أن معظم الوزراء لم يكونوا على اطلاع على الملف المعروض، وهم لم يعرفوا على ماذا وافقوا؟ ويرد البعض تمرير هذا البند إلى أن الأفرقاء في الحكومة لديهم أولويات في المعارك المقبلة، بحيث لا يريدون لحجر الحسابات المالية أن يعثّر مشاريعهم الأخرى.
أولاً لنتعرف على الشريك اللبناني لشركة التدقيق الدولية. بحسب ما تشير لجنة المال والموازنة في دراسة أعدها رئيس اللجنة ابراهيم كنعان، في رصيد هذا الشريك تجربة غير مشجعة في تدقيق حسابات شركتي الهاتف الخلوي MIC1 و MIC2. حيث تبين أن هناك إيرادات تبلغ حوالى 35 مليون دولار كان يجب أن ترد إلى وزارة الاتصالات عن الفترة الممتدة من أول شباط 2009 ولغاية أخر كانون الثاني 2010 من شركة Alfa، التي تدير شركة MIC1، وأن هناك إيرادات تبلغ حوالى 11 مليون دولار كان يجب أن ترد إلى وزارة الاتصالات عن الفترة الممتدة من أول شباط 2009 ولغاية آخر كانون الثاني 2010 من شركة MTC التي تدير شركة MIC2.
«الشيء الأوّل الذي يجب التركيز عليه هو أنّ هذا الخيار ليس قانونياً ولا دستورياً» يُعلّق المدير السابق لمديرية المحاسبة في وزارة المال، أمين صالح. ويُشير إلى أنّ عملية التدقيق في حسابات الدولة مذكورة في الدستور، على أن يتولّاها ديوان المحاسبة، فيما مهمّة إدارة الأموال العامّة منوطة بوزارة المال.
ويذكر أمين صالح أنّه في عام 2006، في إطار الحكومة الأولى للرئيس فؤاد السنيورة، صيغ مشروع قانون خاص وحُوّل إلى مجلس النواب، يتعلّق بالتعاقد مع شركة تدقيق عالميّة لتصحيح الحسابات منذ التسعينيّات حتّى ذلك العام. «عارضنا ذلك المشروع، ليس فقط انطلاقاً من المسوغات القانونية، فكيف يُمكن لشركة من القطاع الخاص الاطلاع على أسرار الدولة؟ شدّدنا على أنّ مديريتي الخزينة والمحاسبة في وزارة المال، إضافة إلى ديوان المحاسبة، هي الجهات المخولة القيام بذلك».والمسألة الخطيرة في الموضوع تكمن في أنّ الشركة، إذا أعدّت الحسابات العامّة، فهل يستطيع ديوان المحاسبة محاسبتها، وهل تحلّ تلك الشركة مكان المحتسب الرئيسي، وهو مدير الخزينة؟ يمضي أمين صالج في تساؤلاته عن المنطق وراء القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء. مع العلم أنّ «Price Waterhouse Coopers» شركة عالمية، لكن لديها شركة تابعة في لبنان (Affiliate)، المحاسبون فيها أعضاء في نقابة المحاسبين المجازين في لبنان.
إلى أي درجة صعب التدقيق؟ «ليس هناك صعوبات أبداً» يجزم أمين صالح في إطار البحث عن أسباب تجعل تدقيق الحسابات العامّة مسألة مضنية كما يبدو، وبالتالي اللجوء إلى شركة خاصّة. يوضح: وزارة المال تُدقّق في حسابات جميع المكلّفين بالضريبة في الجمهوريّة اللبنانية؛ العديدون منهم مؤسّسات كبيرة تقوم شركات مثل «Price Waterhouse Coopers»، بتدقيق حساباتها. وهكذا تُنفّذ الوزارة التدقيق وراء تلك الشركات! لذا فإنّ الأمر لا يجوز ليس فقط قانوناً بل تقنياً أيضاً «وأساساً، المعايير التقنية لهذا العمل هي نفسها للقطاعين العام والخاص». ويُشير صالح إلى أنّ التدقيق الحسابي الشامل حتّى عام 2007، انتهى في كانون الأوّل عام 2010، «منذ ذلك الحين ألم تستطع الوزارة إنشاء فريق من كنفها لإجراء التدقيق الإضافي».
لكن حسابات الدولة التي اتضح خلال العامين الماضيين أنّها مشوبة بكثير من الثغر والتعقيدات تتطلّب وقتاً طويلاً وجهداً؛ التقديرات الأولى للوزارة وضعت فترة إنجاز التدقيق عند عامين، فيما لجنة المال والموازنة تتحدّث عن إمكان إنجازها خلال فترة 8 أشهر. يجيب خبير المحاسبة: «العملية لا تتطلّب أبداً الفترة التي يجري الحديث عنها، بل أقل من ذلك بكثير، اذا كانت هناك نية وإرادة لإنجاز الأمر طبعاً».


95 في المئة
من المراقبين في وزارة المال يحملون إجازات (بالحدّ الأدنى) في إدارة الأعمال، أي إنّ معرفتهم يُفترض أن تُخوّلهم تنفيذ عمليات الحساب والتدقيق

8 أشهر
الفترة التي تقول لجنة المال والموازنة إنّها كافية لإنهاء تدقيق الحسابات، واستبقت وزارة المال تقديم تصوّرها للحل في الأسبوع المقبل بالتعاقد مع الشركة

وجوب النص القانوني
يقول أمين صالح إن السماح للمؤسّسات العامّة في لبنان بالاستعانة بشركات تدقيق حسابي دولية تطلّب في عام 2001 إجازة قانونية من المجلس النيابي، وقد تضمّن قانون الموازنة العامّة (رقمه 326 وصدر في 22 حزيران 2001) حينها المادّة الرقم 73 لإتمام الأمر. «إذاً كانت المؤسسات العامة قد استلزمت نصاً قانونياً للجوء إلى هذا الخيار، فكيف ستكون الحال مع حسابات الدولة؟».
اقتصاد
العدد ١٥٣١ الجمعة ٧ تشرين الأول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق