29‏/7‏/2011

سوليدير «تبلطج» على البحر


رشا أبو زكي
منع مركب محروق من الوصول إلى الميناء بحجّة أنه «وسخ»!
لم تكن صورة سوليدير، أمس، تختلف عن صورة أي «بلطجي» أو «شبّيح» يقف في مواجهة حقوق الناس وتوقهم الى التحرر من القهر والفساد والاستئثار بالسلطة والثروة. لم تكن صورة هذه الشركة تختلف عن قطّاع الطرق والمعتدين على حقوق غيرها، متسلحة بالسلطة المتواطئة، فارضة إرادتها بقوة قانون مفصّل على قياسها ومكتوب بدم ناس وعرقهم وجنى عمرهم، ناس فقدوا كل ما يملكونه... هكذا كانت سوليدير أمس، تمارس القرصنة البحرية، وتمنع مركباً محروقاً تابعاً لفندق السان جورج من الوصول الى ميناء الفندق، والسبب الوحيد للمنع هو أن اليخت «وسخ»، وأن سوليدير تمتلك السيادة على بحر اللبنانيين وشاطئهم وأملاكهم العامّة.
المشهد كان مقيتاً، إذ أمرت إدارة الشركة مجموعة من الفتيان بإقفال مدخل الميناء بالمراكب والحبال لمنع مركب فادي خوري من الوصول الى رصيف فندقه لإفراغه من بعض المحتويات التي سلمت من الحريق، تمهيداً للتخلص منه. كان الهدف واضحاً وهو استدراج مركب خوري لكي يصطدم بمركبين للشركة وقفا في طريقه، ثم الادّعاء عليه بتهمة تخريب أملاك الغير ومحاولة إيذاء العمال.
هذا المشهد الذي يدل على انهيار الدولة وهيبتها يتناقض كلياً مع مشهد عشرات اليخوت الفاخرة التي ترسو على بعد أمتار من مسبح الفندق، قاطعة «النفس» ومخبّئة البحر عن رواد المسبح بشكل شبه مطلق، وعن سابق تصوّر وتصميم.
صوت أحد موظفي سوليدير يرتفع: «هذا اليخت كله جرذان، انظروا شكله البشع وانظروا إلى اليخوت الموجودة في الميناء الذي استثمرته سوليدير من الدولة، كيف يمكن أن نسمح لهذا اليخت البشع بأن يدخل الى هنا؟» سؤال الموظف (وهو ينتمي بطبيعة الحال الى محدودي الدخل) لم يلق اهتماماً حقيقياً، إذ إن صاحب الفندق فادي خوري يكاد «يجن»، ويقول: «في قانون البحار، في جميع دول العالم، لا يمكن أيّ شخص أو شركة أو دولة حتى أن تعترض يختاً يعاني مشاكل تقنية من الوصول الى الشاطئ، إنها حالة طارئة، نريد أن نفرغ اليخت من محتوياته في الفندق لنعود ونغرقه في البحر لأنه لم يعد صالحاً للاستخدام»!
الأخذ والرد استمرا، والمدّ والجزر يأخذان اليخت المحروق يمنةً ويسرةً، وبين المشهدين خوري يروح ويجيء أمام مرأى موظفي سوليدير الساخرين من «عصبيّته»، بيده هاتف، لم يبق مسؤول واحد في الدولة لم يتصل به، من أقصى الموالاة الى أقصى الموالاة، ما من أحد استطاع أن يقف في وجه دولة سوليدير، ما من أحد استطاع أن يناصر خوري إلا بكلمة: «معك حق، سنرى ماذا بمقدورنا أن نفعل».
لكن، ماذا فعلوا؟ لا شيء، فصاحب المركب الصغير الذي استخدمه خوري لقطر مركبه المحترق فضّل أن ينسحب بعدما تلقى تهديدات بملاحقته أمام مرأى عناصر أمنية تابعة لأجهزة الدولة، فبقي المركب المحترق خارج الميناء مربوطاً الى السنسول، الذي استولت عليه سوليدير باسم الإعمار. ومن هناك، بإمكان الناظر أن يرى منتجعاً ضخماً بني على الأملاك العامة البحرية في وجه مسبح السان جورج مباشرة، منتجع يملك وزير المال محمد الصفدي حوالى نصف أسهمه.
سارعت بعض العناصر الأمنية الى توزيع ورقتين على الصحافيين والإعلاميين الذين تهافتوا لمتابعة ما يحصل، ورقة هي عبارة عن قرار صادر عن وزير الأشغال العامّة والنقل في عام 2002 (نجيب ميقاتي) تمنع أياً كان من الوصول الى ميناء الشعب اللبناني إلا بإذن من سوليدير، أمّا الورقة الثانية فكانت بمثابة الفضيحة، إذ تتضمن سؤالاً وجّهته قوى الأمن الداخلي الى رئيس مرفأ بيروت حول حقّ خوري بإدخال مركبه الى ميناء فندقه؟ فجاء جواب رئيس المرفأ بحجب هذا الحق، وكأنه بذلك يجسد سلطة القضاء.
وصلت القضية الى وزير الداخلية مروان شربل، ليس هناك جدال: «يمنع على القوى الأمنية التدخل في القضية، إلا إذا حصل اشتباك بين خوري وموظفي سوليدير»! وحده وزير السياحة، فادي عبود، كان على الخط، وعوده بالقضاء على هيمنة «السين سين سين» أي سوليدير وسوكلين والسوق الحرة لا تزال ترنّ في آذان الصحافيين، إلا أن عبود له يد واحدة في الحكومة، واليد الواحدة لا تصفق. هكذا أصبح مركب محروق بمثابة التحدي أمام جمهورية الموز في حكومة الموز الجديدة... وقد فشلت أمس في قطع حبل صرتها مع ممارسات الحكومات السابقة، فاختارت أن تواصل حماية مخالفات سوليدير وسلطتها المطلقة على مساحة معتبرة من الأرض اللبنانية!
قصة التضييق على فندق ومسبح السان جورج ليست وليدة أمس، فقد سبق لرئيس سوليدير، ناصر الشماع، أن قال لخوري: «سأحوّل السان جورج الى قزم»، وبالفعل استكملت سوليدير تعدياتها على الأملاك البحرية، وردمت آلاف الأمتار من البحر، وبنت عليها فندقاً ضخماً لا يزال قيد التنفيذ. ويشير خوري الى أن الخرائط والكتب والمراسيم تؤكد أن حدود أعمال شركة سوليدير لا تتخطى اليابسة الى البحر، وأن المنطقة البحرية في محيط فندق السان جورج مقسّمة الى 3 أجزاء، واحد لسوليدير الموجودة على شرق السان جورج، وآخر لمستأجر اسمه ميشال نادر، اشترت إدارة السان جورج المساحة التي كان يستأجرها من الدولة، إضافة الى الجزء المخصص للفندق والمسبح، إلا أن المراسيم الصادرة والمفصّلة على قياس سوليدير اعتدت على حقوق السان جورج عنوة، ولم تعترف بحقوقه البحرية، فإذا بالدولة اللبنانية توقّع عقداً مع سوليدير لاستثمار الميناء المواجه للسان جورج كله، وتمنع على صاحب الفندق الوصول الى مينائه إلا بإذن من سوليدير.
ويؤكد خوري أن «سوليدير تريد المنطقة بكاملها، وكانت بالتواطؤ مع الحكومة تتحايل علينا. وزعمت سوليدير أن حصول السان جورج على مساحة لليخوت في البحر سيضرب مصالحها، لكونها أنشأت على المسطح المائي مارينا لليخوت». ويلفت الى أن للسان جورج حقوقاً في الأملاك البحرية، ويشير الى أنه «إذا كان لأي مواطن أملاك على البحر، فله الحق بالطلب من الدولة استثمار مياه الأملاك العمومية البحرية المواجهة لأملاكه بمساحة تكون ضعفي مساحة الأملاك المبنية على الشاطئ، وتستطيع الدولة إعطاء مساحة أكبر. ونحن لدينا حقوق بالاستثمار ومعطاة لنا بعدة طرق، إلا أن الحكومة ألغت كل المراسيم التي تمنح الحقوق للسان جورج والصادرة منذ عام 1932، كرمى لعيون سوليدير».
اقتصاد
العدد ١٤٧٤ الجمعة ٢٩ تموز ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق