29‏/2‏/2012

حسابات الدولة بين «البصلة وقشرتها»




عصي عونية في دواليب حلّ بري
 
المخالفات الحاصلة في إنفاق المال العام في لبنان منذ مطلع التسعينيات حتى اليوم ستتم «ضبضبتها»، هكذا تشي الأحداث. رئيس مجلس النواب يقترح تشكيل لجنة لإيجاد مخرج يتيح قطع حسابات الاعوام بين 2006 و2009. الكتل النيابية موافقة باستثناء «التغيير والاصلاح». سياسة النأي بالنفس بدأت تتسلل الى ملف الحسابات المالية. يبدو أن أحد «إنجازات» السلطة الحالية ستكون: الرئيس السابق فؤاد السنيورة الى البراءة
رشا أبو زكي
عدّاد الاعوام يعد. 6 سنوات وحكومات لبنان تنفق بلا أي موازنة تحدد النفقات والايرادات. عجيبة العجائب مستمرة، وأحجيات الجميع غير قابلة لـ«الفكفكة». الحكومة الحالية تقول إنها تلتزم الأصول في عملية الانفاق، لكنها لم ترسل حتى الآن موازنة 2012، الا أنها تقدمت بطلب فتح اعتماد استثنائي بقيمة 8900 مليار ليرة الى مجلس النواب لتغطية الانفاق الاضافي لعام 2011. تحاول الحكومة التملّص من تهمة المخالفة، الا أن مجلس النواب ممسوك من تيار المستقبل، والتيار «يمنعنا من السير وفق القوانين لكي يبرر مخالفات رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة بين عامي 2006 و2009».
في المقابل، يدعي السنيورة أنه اذا ارتكب مخالفة، فالحكومة الحالية ترتكب مثيلتها. يشرح أن الانفاق الحالي لا يرتبط بأي قاعدة قانونية، فالـ8900 مليار ليرة لم تمر حتى الآن في مجلس النواب. يشرح شخصياً حيناً وعبر نوابه أحياناً أن اقفال مجلس النواب أجبره على تخطي القاعدة الاثني عشرية، ويسأل: «ما الذي يدفع الحكومة الحالية لتخطي القاعدة الانفاقية هذه؟». يظن المواطن الباحث عن جواب في ما يتعلق بماله العام وكيفية انفاقه، انه وقع «بين البصلة وقشرتها»، بحيث لا يربح اجابة من أي طرف من الطرفين، وانما رائحة مخالفات تدفع للبكاء. وفي الضفة الأخرى، او الأعلى، يهمس العارفون أن «طبخة» ما بدأت تُعد على نار سياسية حامية. «طبخة» عناصرها كل من «البصلة» و«قشرتها». و«الطبخة السحرية» ستكون المخرج من أزمة الارقام التي تغرق البلاد منذ العام 1993 حتى الآن. ماذا يعدّ رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي مع الرئيس السابق فؤاد السنيورة؟
الاجتماعات قائمة بين بري وميقاتي والسنيورة، يقول النائب عن تيار المستقبل جمال الجراح. البحث عن حل مشترك ليس مستبعداً أبداً، فالحل لمصلحة البلد في ظل ما يحصل من انكماش اقتصادي داخلي واضطرابات تحيط بلبنان. يرى الجراح انه حتى الآن يوجد حلول عدّة، منها اقتراح قانون يشمل الموافقة على اعتماد الـ8900 مليار ليرة و11 مليار دولار، على ان تقوم الاجهزة الرقابية بدورها في ما يتعلق بالتدقيق في الحسابات المالية عن السنوات الماضية. يؤكد الجراح انه حتى الآن لم يتم التوصل الى اتفاق، لأنه «يوجد فريق يريد أن يحمل قميص عثمان ليبرر فشله في الاداء الحكومي والوزاري».
غير أن ما يقوله الجراح تنفيه مصادر بري وميقاتي، اذ تلفت مصادر الاخير إلى أن لا اجتماع حصل بين ميقاتي والسنيورة وبري بعد جلسة مجلس النواب الاخيرة. وتشرح ان الرئيس ميقاتي يؤكد ضرورة ايجاد حل لهذه المسألة بحيث لا يجوز أن تبقى عالقة على حالها، ولفتت الى أن ميقاتي أشار في أكثر من مناسبة الى أن بري سيعمل على ايجاد الحل وسيدعمه ميقاتي في ما يجده مناسباً. كما اشار الى ان الصيغة التي طرحها بري لجهة تشكيل لجنة وزارية ونيابية للبحث في الانفاق بين اعوام 2006 و2009، يمكن ان تكون حلاً «اذا تشكّلت».
مصادر بري تؤكد أن لا اجتماعات حصلت مع السنيورة بعد جلسة مجلس النواب. وتشرح ان رئيس مجلس النواب لن يقدم الحلول، وانما هذا عمل اللجنة البرلمانية ــ الوزارية التي دعا إلى تشكيلها. وتلفت هذه المصادر الى أن الاجتماعات التي يعقدها بري مع رؤساء ومقرري اللجان تشير الى اجماع على تفويض بري بإيجاد الحلول في هذا الملف. وترى ان الانطباع العام ايجابي، ولا يوجد حتى الآن اتفاق على الاسماء التي ستتضمنها اللجنة، بحيث إن الاسماء المطروحة في الاعلام حالياً ليست مؤكدة. وتشرح المصادر نفسها أن رؤية بري هي أنه يجب ان يكون هنالك تجانس في السياسة وتحييد لبنان بالقدر الممكن عن الازمات المحيطة، وانه يوجد موقف النأي بالنفس الذي يستلزم انسجاماً بين الحكومة ومجلس النواب، وتعزيز هذا المناخ الهادئ يتطلب التفاهم السياسي، ومع التأكيد أن حكومة السنيورة بتراء، يجب ازالة النقطة الخلافية المتمثلة بتلك الحقبة، من خلال دراسة كيفية انفاق الـ11 مليار دولار، لتقرها اللجان النيابية المختصة، ومن ثم المجلس، «وبذلك نكون قد انتهينا». وتسأل مصادر بري: «كيف يمكن اقرار موازنة 2012 بلا قطع حسابات الاعوام بين 2006 و2009؟». وتؤكد ان هذا الحل ليس تسوية، أما الاعتراض على هذا الطرح فهو قائم، ولن يتم السير به الا بموافقة جميع الكتل. وتقول: «الكتل تعرف تفاصيل انفاق الـ8900 مليار ليرة، وهذه الميزة تجعل الموضوع مختلفاً عن موضوع الـ11 مليار دولار».
غير أن الكلام السائد في أروقة مجلس النواب أن رئيس تكتل التغيير والاصلاح ميشال عون يرفض تشكيل هذه اللجنة من أساسه، من منطلق أن هذا الرفض هو مواجهة للتسوية، بحيث لا يمكن للجنة كهذه الوصول الى خواتيم صحية في ظل عدم وجود جهات رقابية فاعلة ولا مجلس نواب متعاون بكل أطرافه. ويؤكّد رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان ان لا علاقة بين الـ11 مليار دولار والـ8900 مليار ليرة. ويشرح: « بين عامي 2006 و 2009 كان الانفاق على اساس مشاريع موازنات غير مصدقة من مجلس النواب، وقد وقعت المخالفة الدستورية، ونظام الطائف لا يضع المسؤولية على الحكومة مجتمعة، إذ إن القرار المالي بيد رئيس الحكومة الذي يمضي كل المراسيم وكذلك وزير المال». ويلفت الى أن الحكومة الحالية تألفت في منتصف تموز 2011، وفي 18 آب اقرت الحكومة مشروع الاعتماد الاضافي بقيمة 8900 مليار ليرة وارسلته الى مجلس النواب، وبذلك احترمت الحكومة مجلس النواب وطلبت اجازة الانفاق، ومنذ آب 2011 يجري الصرف وفق الاعتماد. ويلفت الى أن المادة 12 من قانون المحاسبة العمومية تتيح للحكومة الصرف وفق سلفات خزينة في حال تقدمت باعتمادات استثنائية الى مجلس النواب. ويشرح ان موازنة 2011 لم يستحق بعد موعد قطع حسابها (حتى نهاية آذار 2012)، في حين ان الصرف بين 2006 و2009 ليس لديه اي قطع حساب حتى اليوم. والسؤال الكبير اين قطع الحساب للاعوام السابقة؟ ومن يعطل قانون الـ8900 مليار ليرة لكي يمنع الحكومة من الالتزام بالقانون؟ ويقول كنعان إن هذا التعطيل هو للوصول الى القول ان قضية الـ8900 مليار ليرة مشابهة لقضية الـ11 مليار دولار.


4 في المئة
من سلفات الخزينة التي أنفقت بين أعوام 1993 و2009 غير مسددة حتى اليوم. وتبلغ قيمة هذه السلف ما يفوق الـ10 آلاف مليار ليرة بحسب النائب ابراهيم كنعان، في حين ان السلفات التي تصرفها الحكومة الحالية موجودة ضمن اعتماد الـ8900 مليار ليرة

«سرقة» أم «صرف نفوذ»؟
يقول الوزير السابق شربل نحاس انه يجب التمييز بين «السرقة» التي يمكن أن تكون حاصلة خلال الاعوام 2006 الى 2009 ويمكن أن لا تكون، وبين مسألة أخرى اسمها «صرف النفوذ». ويشرح ان مسألة صرف النفوذ السياسي يجب أن يكون محور النقاشات الدائرة حالياً. فإنفاق كهذا يحقق مردوداً سياسياً ويلحق الضرر بالانتظام العام، وما حصل في الـ11 مليار دولار يأتي في هذا السياق. ويشير الى وجوب سحب الحقوق السياسية من الجهة التي قامت بهذه الممارسات. اما الحكومة الحالية فهي «مخالفة» لكونها لم ترسل حتى اليوم موازنة العام 2012.
اقتصاد
العدد ١٦٤٧ الاربعاء ٢٩ شباط ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق