22‏/11‏/2011

جيش «العمال غبّ الطلب»


يعملون في (المياه والكهرباء) منذ عشرات السنوات بلا أي ضمانات

عمال يضحون بحياتهم في العمل بلا أي حقوق وظيفية (مروان طحطح )
كثر في السنوات الأخيرة الحديث عن ظاهرة «عمال غب الطلب». فهؤلاء أصبح عددهم بالآلاف، يعملون منذ أكثر من عشر سنوات في عدد من المؤسسات والإدارات العامة عبر المتعهدين. ممنوعون من الدخول إلى ملاك المؤسسات. والسبب: ممنوع التوظيف
رشا أبو زكي
يطلقون عليهم لقب «عمال غب الطلب». سبب هذا اللقب أنهم يعملون لدى متعهدين متعاقدين مع المؤسسات والإدارات العامة. لماذا؟ لأن هذه المؤسسات لا تريد زيادة أكلافها، على حساب كرامة عمالها، بحيث تستعين بمتعهدين، تدفع لهم ملايين الدولارات، فقط ليضعوا آلاف عمال غب الطلب على اسمهم. مراوغة ضد القانون، وضد الحقوق الإنسانية والوظيفية لهؤلاء العمال. مراوغة هدفها فقط تهرب هذه المؤسسات من إدخال هؤلاء العمال إلى الضمان الاجتماعي. نحو 20 مليون دولار تدفعها مؤسسة الكهرباء ومؤسسات المياه لمتعهدي عمال غب الطلب.
مبلغ يمكن أن يمثّل نسبة كبيرة من تكاليف إدخال هؤلاء إلى ملاك هذه المؤسسات. مبلغ يستطيع أن يحوّل عمالاً لا يتمتعون بأي حق وظيفي، إلى موظفين. لكنّ متعهدي العمال أصبحوا طبقة خاصة تكتسب آلاف الدولارات بلا أي جهد. وعمال غب الطلب تحولوا إلى جيش مسلوب أيَّ حق، يخدم مؤسسته لعشرات السنوات، ويبقى «مكتوم القيد». وبين الحق والمطلب، باشرت لجان انبثقت من «عمال غب الطلب» بتحركات واسعة، المطلب المرفوع هو الدخول إلى ملاكات المؤسسات التي يعملون فيها. تحركات قد تفضي إلى تحقيق المطالب، بحسب أحد المياومين؛ فالمؤسسات العامة بمعظمها أصبحت تقوم على عمال «غب الطلب»، من الصيانة إلى الأعمال الفنية، والإدارة وحتى الأعمال الهندسية...
13 مليون دولار على الكهرباء!
في مؤسسة الكهرباء نحو 9 متعهدين. هؤلاء يتولون 1830 عامل غب الطلب في المؤسسة. تدفع مؤسسة الكهرباء للمتعهدين يومياً نحو 32500 ليرة عن كل مياوم، ويدفع المتعهد لكل مياوم 28500 ليرة. بما أن عدد المياومين في مؤسسة الكهرباء هو 1830 مياوماً، يتقاضى المتعهدون يومياً 59 مليوناً و475 ألف ليرة، يدفعون منها 52 مليوناً و155 ألف ليرة للمياومين، ليكون ربحهم اليومي 7 ملايين و320 ألف ليرة. هكذا تدفع المؤسسة للمتعهدين شهرياً ملياراً و665 مليون ليرة، أي 13 مليوناً و322 ألف دولار سنوياً. هؤلاء المتعهدون يحققون ربحاً صافياً من هذا المبلغ قيمته 140 ألف دولار شهرياً، أي مليون و640 ألف دولار سنوياً. يشرح المياوم في المؤسسة زاهر عيتاني أن عمال غب الطلب يعملون في المؤسسة منذ أكثر من 15 عاماً، ويردمون ثغرة الشغور الضخمة في ملاك المؤسسة؛ فقد وصل عدد المراكز الشاغرة إلى 3216 مركزاً حتى اليوم. وعلى الرغم من ذلك، لا يتمتع هؤلاء العمال بأية ضمانات اجتماعية، ويحصلون على أقل من الحد الأدنى للأجر، ولا يعَدّون موظفين. ويقول إن الضمان الاجتماعي اعترف وألزم المؤسسة باعتبار العمال المياومين أجراء ضمن المؤسسة وألزمها بدفع الاشتراكات من 1/1/2002 حتى اليوم، ولكن مؤسسة الكهرباء غضت الطرف عن هذا الموضوع. ويشير عيتاني إلى أن إدارة المؤسسة تجيبهم دائماً بأنه إذا قامت بالتصريح عنهم لدى الضمان، فستزيد الأعباء على ميزانية الدولة، إلا أن الإدارة نفسها تهدر ملايين الدولارات على المتعهدين من دون أن تتحدث عن هدر في المال.
3 ملايين دولار على مياه الجنوب
يقول محمود سقلاوي، وهو أحد المياومين في مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، إن متعهداً واحداً يتولى عمال غب الطلب كل عام، ويأخذ المتعهد 32 ألف ليرة عن كل مياوم من مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، فيما يدفع 20 ألف ليرة لكل مياوم يومياً. يبلغ عدد المياومين 470 في المؤسسة، وبالتالي يتقاضى المتعهد 15 مليوناً و40 ألف ليرة يومياً، يدفع منها 9 ملايين و400 ألف ليرة، فيبقى له ربح بقيمة 5 ملايين و640 ألف ليرة يومياً. وبذلك تدفع الدولة سنوياً 3 ملايين و369 ألف دولار للمتعهد، ويربح المتعهد منها مليوناً و263 ألف دولار.
ويشرح سقلاوي أن الشغور في المؤسسة وصل إلى 610 موظفين، فيما الموجودون في الملاك حالياً وصل عددهم إلى 262 موظفاً فقط. ويقول: «نحن لسنا مياومين، بل مكتومو القيد»؛ إذ إن المياومين يعملون منذ أكثر من 10 سنوات في المؤسسة، وبعضهم تخطى عمر الـ44 عاماً بعد أن أمضى 15 عاماً في خدمة المؤسسة، وحتى اليوم يحلم هؤلاء بأن يصبحوا موظفين. يشرح أن عمال غب الطلب يتقاضون في المؤسسة الحد الأدنى للأجور، من دون الحصول على بدل النقل.
يستغرب سقلاوي عدم إدخال العمال في ملاك المؤسسة، وخصوصاً أن الأخيرة دفعت ملايين الدولارات حتى اليوم للمتعهدين، فيما كان باستطاعتها إدخال عمال غب الطلب إلى الملاك بهذه المبالغ كلها. يقول سقلاوي إن الشركات تتهافت لتعهد العمال؛ ويرد هذا التهافت إلى الأرباح الكبيرة التي يحصّلها المتعهد «من دون أي جهد فعلي».

الشمال والبقاع: 1.7 مليون دولار
مؤسسة مياه لبنان الشمالي لا تختلف في واقع تشغيلها لعمال غب الطلب. فهي تدفع للمتعهد 30 ألف ليرة كمتوسط عن كل عامل غب طلب، فيدفع المتعهد متوسط 27 ألف ليرة لكل عامل. عدد عمال غب الطلب 150، وبالتالي تدفع الدولة 4 ملايين و500 ألف ليرة يومياً للمتعهد الذي يدفع إلى العمال نحو 4 ملايين و50 ألف ليرة. وبذلك تدفع الشركة للمتعهدين ملياراً و404 ملايين ليرة سنوياً، أو ما يعادل 936 ألف دولار. ويربح المتعهد نحو 100 ألف دولار سنوياً.
ويشرح رئيس نقابة العمال والمستخدمين في مؤسسة مياه لبنان الشمالي كمال مولود أن عمال غب الطلب يتقاضون بين 22 و32 ألف ليرة بحسب نوع العمل الذي يقومون به.
أما عدد أيام عملهم الشهرية فهو 26 يوماً، لافتاً إلى أن هؤلاء العمال موجودون في المؤسسة منذ أكثر من 15 عاماً، إلا أنهم حتى اليوم لا يستفيدون من أية تقديمات يحصل عليها الموظفون.
ويلفت إلى أن عدد العاملين في المؤسسة يجب أن يكون 1200 عامل، إلا أن الشغور مرتفع جداً، بحيث لا يوجد في ملاك المؤسسة سوى 350 موظفاً.
مؤسسة مياه البقاع دخلت حديثاً إلى نادي المستعينين بعمال غب الطلب، فقد خصصت المؤسسة ملياراً و200 مليون ليرة (800 ألف دولار) منذ أشهر لشركة تعهدت رفد المؤسسة بنحو 117 عاملاً، وذلك لمدة 11 شهراً.
ويشرح أحد العاملين في المؤسسة أن هذه القضية لا تتعدى الصفقة السياسية، وخصوصاً أن المؤسسة ليست بحاجة إلى العمال.


300 ألف ليرة
هو الأجر الأعلى الذي يتقاضاه عمال غبّ الطلب في مؤسسات المياه ومؤسسة الكهرباء، وهم لا يستفيدون من أية زيادة على الأجور، ولا من الزيادات الحاصلة على بدل النقل، والأهم أنهم لا يستفيدون من أي تغطية صحية أو معاش تقاعدي أو تعويضات نهاية الخدمة.

رقّ أم عمل؟
يرفض عمال غبّ الطلب أن يطلق عليهم صفة «مياومين»، فهم «رقيق» لدى المؤسسات العامة. يشير هؤلاء الى أن إدارات المؤسسات التي يعملون فيها لا تعتبرهم موجودين أصلاً، فهم من مسؤولية «الأسياد»، أي المتعهدين. ويشرح أحد عمال الكهرباء أن عمال غبّ الطلب في المؤسسة يتعرضون لمخاطر كبيرة، وعدد منهم قد أصيب بشلل، وبأمراض مزمنة وبتشوّهات نتيجة عملهم بالكهرباء، إلا أن المؤسسة لا تسأل عنهم، ولا تنظر الى أوضاعهم، لا بل إن من يتعرض لحادث ما يصبح فوراً عاطلاً من العمل.
اقتصاد
العدد ١٥٦٨ الثلاثاء ٢٢ تشرين الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق