19‏/11‏/2011

لبنان يغرق... يغرق... يغرق



(تصوير مروان طحطح)
أمس، كان لبنان مستنقع مياه كبيراً. الطرقات مقفلة بازدحام السيارات من الناقورة الى أقصى الشمال. المواطنون يناشدون المعنيين لتخليصهم. المناشدات لم تصل. العاصفة مستمرة. هل يتكرر المشهد اليوم؟
رشا أبو زكي
إني أغرق أغرق أغرق، ردد آلاف المواطنين أمس قصيدة نزار قباني، أو على الأقل تذكروها. لبنان لم يكن غارقاً بالعشق، بل بمياه الأمطار. وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي، الذي طار كسندباد من منطقة إلى أخرى خلال الأشهر الماضية، وأغرق اللبنانيين بوعوده، اختفى فجأة. طبعاً، لم تفلح جميع محاولات الاتصال به. أما مجلس الإنماء والإعمار (وهو الذراع التنفيذية لمشاريع معالجة مياه الأمطار)، فكان الغائب الثاني. لا بيان يوضح، ولا اعتذار. ليست سوى أمطار بضعة سنتمترات، سقطت هنا. ليست إعصاراً، ولا زلزالاً، ولا «تسونامي»، ولا هزة أرضية حتى. لبنان أصبح بفضل متعهدي الأشغال ووزارتهم غارقاً في «شبر» مياه بكل ما للكلمة من معنى ومدلول ومكيول.
غارق «من فوق ومن تحت»، على حد قول أحد الغارقين، إضافةً إلى الأمطار الهاطلة التي تجمعت على الطرقات ببرك ضخمة، خرجت المياه من الأرض. انفجرَت «الريغارات»، اختنقت السيارات بأصحابها. فلم يكن من منقذين سوى فوج الإطفاء! وهنا لا بد من السؤال: «أين الأموال التي أزهقت على مجاري وشبكات المياه في الطرقات؟ وكيف يمكن تبرير «البرك الوطنية» التي وحدت جميع المناطق، ولا سيما على الأوتوسترادات الساحلية؟ ومن المسؤول عن هذه الكارثة السنوية؟
من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب زحمة السير كانت سيدة الموقف. موقف؟ فقد تحولت طرقات لبنان الى موقف، إلى برك يمكن من خلال عمقها قياس معدل تساقط الأمطار في لبنان طوال سنتين على الأقل! طريق الكرنتينا قطعت بالكامل. علق 9 مواطنين على الأقل في سياراتهم، غارقين في برك وصل منسوب المياه فيها إلى نحو 80 سنتمتراً. فاض سوق السمك الموجود في المنطقة أكثر من مترين، وغمرت المياه أكثر من 20 مستودعاً. كل الأسباب تجمعت لتتحول الكرنتينا إلى مرأب ضخم للسيارات. فرق الإطفاء كانت الوحيدة المستعدة لإنقاذ الناس، سحبت عدداً من السيارات الغارقة. أكثر من 4 ساعات من الانتظار عاشها اللبنانيون في هذه البقعة ومحيطها. وكان السير قد توقف ساعات طويلة من طبرجا حتى بيروت، واحتجزت آلاف السيارات في محلة «سليب كومفورت»، ما زاد حدّة الأزمة. توقف السير على طول الأوتوستراد الساحلي من نهر الموت وصولاً إلى الكازينو، ومن ضبيه باتجاه جونيه، والمواطنون ناشدوا المسؤولين التحرك، «لكن يبدو أن المسؤولين يستخدمون الهيليكوبتر»، يقول أحد «العالقين في الزحمة».
عند مداخل العاصمة ازدحام كثيف: العدلية، بدارو وكورنيش المزرعة تربعت على عرش الطرقات الأكثر ازدحاماً. ارتفع منسوب المياه. الطرقات تحولت إلى مستنقعات كبيرة. غمرت المياه بعض المستودعات والمحال التجارية قبل أن تسهم القوى الأمنية، بالتعاون مع فوج الإطفاء في سحبها، ما سبّب زحمة سير خانقة. والازدحام كذلك حل على جسر الدكوانة ـــــ الأشرفية. وكذلك الحال في منطقة عين المريسة، حيث ارتفع منسوب المياه إلى نحو 80 سنتمتراً في أكثر من مكان، بعدما تساقط أكثر من 30 ميللمتراً تقريباً لمدة ساعة ونصف ساعة.
من الشمال إلى بيروت، فلنتجه الآن جنوباً. الرياح أدت إلى سقوط عشرات اللوحات الإعلانية الضخمة والمتوسطة الموجودة أصلاً بطريقة غير قانونية. هكذا، أصبح أصحاب السيارات المارة على الأوتوستراد الساحلي من صيدا وصولاً الى الناقورة، مغامرين حقيقيين.
هكذا كان المشهد أمس، وهكذا يمكن أن يكون اليوم، حتى انحسار العاصفة. مشهد «سوريالي»، لبلد متوقف عن العمل بسبب: هطول المطر!
تحديد المسؤوليات في قضية كهذه كمن يدخل لعبة الدوامة. الكل يتقاذف المسؤوليات كالعادة، والحلول مفقودة، فالمصيبة حلت على لبنان، وستستمر. هاكم بعض الأرقام: وصلت ميزانية مجلس الإنماء والإعمار إلى نحو 630 مليار ليرة، والطرقات لا تزال على حالها. ميزانية المجلس بين عامي 2010 و2011 لمعالجة المشكلة 570 مليون دولار، ولا أحد يعوّل على حلول. وقد رصدت 50 مليون ليرة فقط لوزارة الطاقة والمياه لمشاريع «مياه السيلان»، و90 مليون ليرة للمياه المبتذلة. أما وزارة الأشغال العامة والنقل، فقد حصلت عام 2010 على 275 مليار ليرة لصيانة الطرق، وارتفع الرقم إلى 290 مليار ليرة عام 2011. لا الطرقات جرت صيانتها، ولا مياه الأمطار عرفت طريقها الطبيعي. الأكيد أنّ كل هذه الأموال التي أنفقت من جيب المواطن، راحت هدراً على مشاريع فاشلة.
الموضوع ليس قضية أشغال فقط، بل بنية تحتية متكاملة لتصريف المياه وشبكات الصرف الصحي. المسؤولية الأساسية تقع على مجلس الإنماء والإعمار، الذي لا يراقب أعمال المتعهدين، فتُنفَق الأموال على مشاريع تثبت فشلها مع كل بداية شتاء، لكن الحكومة، بحسب رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان هي المسؤول المركزي عن هذه الأزمة. فمنذ عام 1993، تُرصد مليارات الليرات لإصلاح شبكات المياه، وبعد 18 عاماً من الميزانيات المحولة الى مجلس الإنماء والإعمار، لا تزال المشكلة ذاتها تتكرر من دون محاسبة المسؤول عن الخطأ ولا مراقبته. لا بل تؤدي قضية تداخل الصلاحيات دوراً أساسياً في دوامة تكرار مشكلة مياه الأمطار، إذ إن المسؤوليات تتوزع على: وزارة الأشغال العامة والنقل، وزارة الداخلية والبلديات، وزارة الطاقة والمياه، ومجلس الإنماء والإعمار... بصورة أعم مجلس الوزراء بأكمله. كيف يمكن حل مشكلة كهذه في ظل غياب استراتيجية عامة ورسمية؟ وكيف يمكن الوصول الى خطة موحدة في ظل غياب وزارة التخطيط لمصلحة استمرارية عمل مجلس الإنماء والإعمار غير الخاضع لأي نوع من الرقابة؟
مفتاح الحل هو أن يكون في لبنان بنى تحتية ضمن المستوى والجودة المطلوبة والموجودة في جميع دول العالم، لاستيعاب مياه الأمطار. فالصيانة يجب أن تجري قبل بدء فصل الشتاء، وفق ما يقول رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل النيابية محمد قباني. تكرار أزمة تجمع مياه الأمطار في الطرقات يتخطى ما يحصل في الدول الأخرى، إذ أحياناً لا تستوعب الأقنية كمية المتساقطات الكبيرة، وعندئذ يمكن القيام بإجراءات سريعة لإعادة فتح الأقنية. وقوف هذه الظاهرة عند حدود وحالات قليلة يمكن أن يجري استيعابه، لكن التكرار يصبح أزمة.
ماذا عن الأموال التي أُنفقت منذ انتهاء الحرب الأهلية لصيانة الطرقات وشبكات المياه؟ قباني لا يدخل في الأرقام، لكنه يرى أن الأزمة تتمحور حول ثقافة لبنانية سائدة بأن الصيانة غير ضرورية. المسؤولية تتحملها الحكومة، والوزراء المعنيون والبلديات، إنها مسؤولية مشتركة، والحلول يجب أن تكون جذرية.
وإذا كانت السلطة التشريعية لا تزال في إطار «النق» وتوزيع المسؤوليات، فإن السلطة التنفيذية كانت صامتة أمس، حيث لم يبحث أي اجتماع أزمة الطرقات، ولم يتوجه أي مسؤول بكلمة الى المواطنين، فهذه الأزمة أمر واقع، واقع على المواطنين حصراً.


عمليات الإنقاذ: «سباحة»!
أعلنت مصلحة الأرصاد الجوية استمرار العاصفة اليوم. فالطقس سيكون ماطراً مع عواصف رعدية ورياح ناشطة، كما تتساقط الثلوج على ارتفاع 1500 متر. ويؤكد العقيد صافي سلطاني، القائد المعاون المكلف بالمهمات الميدانية في فوج الإطفاء لـ «الأخبار» إن الفوج على جهوزية دائمة. وقال إنّ 25 مستودعاً في بيروت غرقت أمس بالأمطار، بارتفاع وصل الى مترين من المياه، كما اقتلع الهواء 17 شجرة، وأغلقت الطرقات في البسطة، طريق الجديدة، الأشرفية، أرض جلول وعدد من المناطق الأخرى، فأزاحها الفوج. وكذلك حاصرت المياه 8 سيارات في الكرنتينا، ووصلت المياه الى نوافذ السيارات، وقد أُنقذ السائقون. فيما غرقت سيارة في مستنقع في منطقة الكرنتينا لجهة سوق السمك، فسبح شباب الفوج، وأنقذوا سيدة كانت محاصرة في سيارتها وبوضع يرثى له. وقد طلب سلطاني من جميع المواطنين الاتصال بفوج الإطفاء على الرقم 175 فور حصول أي مشكلة مشابهة، مؤكداً أن الفوج بانتظارهم، ومستعد 24/24 ساعة.
مجتمع
العدد ١٥٦٦ السبت ١٩ تشرين الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق