27‏/12‏/2011

فصول من اللغز المالي



قرارات قضائية تثبت مخالفات السنيورة... والتلاعب بالأرقام واقع

(مروان طحطح)
المستندات كثيرة. كلها قضائية. كلها تشير إلى أن وزارة المال لم تقم بواجباتها في ما يتعلق بالحسابات المالية منذ أكثر من عشرين عاماً. القضية لا تنحصر بـ«واجبات»، فهي قضية مال عام، صرف من دون تدقيق ولا مراقبة ولا محاسبة. القضية تتعلق بشكوك في موضوع الصرف، وتساؤلات عن السبب الذي يدفع عدد من النواب إلى الوقوف سداً مقاوماً ومنيعاً في وجه أي عملية مراقبة أو تحقيق في كل ما حصل في السنوات الماضية
رشا أبو زكي
إقرار موازنة عام 2012 متوقف على إقرار قطع حسابات موازنات السنوات الماضية بين عامي 2006 و2009. إقرار قطع حسابات هذه السنوات متوقف على إعداد الحسابات المالية منذ عام 1993 حتى اليوم. المهمة الأخيرة صعبة. الحسابات المالية أصبحت لغزاً حقيقياً. دعوات فريق تيار المستقبل الصريحة في لجنة المال والموازنة لتصفير الحسابات لها أسبابها، والممانعة القوية لإجراء أي تحقيق مالي وفق الدعوات التي أطلقها رئيس اللجنة إبراهيم كنعان يبدو أن اتجاهها واضح. هناك من يريد أن يمحو ما ارتكب. الإقفال على صندوق العجائب بإحكام، لجعل كل العمليات الحسابية المالية خلال العشرين سنة الماضية سراباً... سراب لا يروي ظمأ السائل عن كيفية إنفاق أموال الشعب اللبناني خلال السنوات الماضية. هذا ما يخلص إليه عدد من النواب، ومنهم كنعان.
في السياق نفسه، وزير المال محمد الصفدي باشر بالمهمة الصعبة. تشير مصادر الوزارة إلى أن شركة التدقيق الدولية التي استعان بها الصفدي أنهت عملها، وتبيّن أنّ ثمة 100 شخص على الأقل يستطيع الدخول إلى بيانات المركز الآلي في وزارة المال وتغيير الأرقام. وتبين كذلك، أنه لا قيد مالياً واحداً ثابتاً في حسابات الدولة اللبنانية خلال السنوات العشرين الماضية. ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أنّ باستطاعة عدد من الأشخاص تغيير أرقام الحسابات وفق ما يبتغون... وقد فعلوا (وفق تقارير النيابة العامة المالية).
النائب عن تيار المستقبل وعضو لجنة المال والموازنة غازي يوسف، له رأي آخر. إلا أن النتيجة واحدة: ثمة مشاكل مالية فعلية، والحلول متوافرة، لكن غير متوافق عليها. يشرح النائب، الذي عمل مستشاراً لأحد الأطراف في شؤون عمل ديوان المحاسبة لمدة ثلاث سنوات، أن رقابة الديوان أيضاً مخروقة بمشكلات عديدة، مثل: عمل مراقبين مختلفين على قضية واحدة يوصل إلى نتائج مختلفة. مثل آخر: اعتبار الديوان كل ما هو «آلي» أو «إلكتروني» مخالفاً للقانون، لأنه لا يحمل ختماً أو توقيعاً ورقياً.
لا ينكر يوسف إمكان حصول أخطاء في عمليات التدقيق وإعداد الحسابات الإلكترونية، إلا أن ذلك يعود إلى عدم سير لبنان في موكب تحديث وسائل الحساب المالي كما يجري في معظم دول العالم. المأخذ الأكيد هو تحميل فريق «الرئيسين الحريري والسنيورة تبعات الأخطاء الواردة في الحسابات». يرى يوسف أن الوزراء الذين مروا على وزارة المال ليسوا كلهم من الفريق السياسي ذاته، إلا أنه مع اختلاف توجهات الوزراء، كانت النظم الاحتسابية واحدة. المشاكل المالية متراكمة، يقول يوسف. الحلول متوافرة، يقول كذلك. فقد بُحث اقتراح في لجنة المال والموازنة، في تسليم الحسابات المالية، وخصوصاً التدقيق لشركة غير مرتبطة بالدولة ولا بالإدارات القائمة؛ فديوان المحاسبة جهاز رسمي، ومن غير المنطقي أن يراقب الدولة؛ فهو مرتبط بها. يذهب يوسف إلى التجربة الإنكليزية، ويشرح أن شركة تدقيق تؤدي دور المدقق، وترفع خلاصاتها للبرلمان الإنكليزي. يرى أن هذا الحل جيد، إلا أن «الفريق الآخر» يرفضه، بمبرر أن حسابات الدولة لا يطّلع عليها إلا أجهزة الدولة.
بعيداً عن التجاذبات، لصقاً بالقرارات القضائية، يمكن الانتهاء بخمس نتائج لعملية تصفير السنيورة للحسابات: عدم صحة رصيد الصندوق، عدم صحة رصيد الحساب الجاري مع مصرف لبنان، عدم صحة رصيد حساب سلفات الخزينة، عدم صحة رصيد حساب سلفات الخزينة ذات الطابع الخاص وعدم صحة أرصدة الحسابات الأخرى خارج الموازنة؛ إذ يتبين أن قرارات ديوان المحاسبة القضائية لم ترحم السنيورة، ويبدو أنها ستتوالى فصولاً كلما تقدم الديوان في عملية تدقيق الحسابات المالية العائدة للسنوات من 1993 إلى اليوم.
وتفيد المستندات والوثائق الرسمية المتاحة بأن الأجهزة الرقابية المختصة أكّدت في مناسبات عدّة عدم وجود أي تدقيق على الحسابات المالية طوال السنوات الماضية. لا بل تظهر عدم وجود إعداد للحسابات السنوية، رغم أن منطق العمل الإداري، كما القانون والدستور، يفرض على وزارة المال إجراء إعداد وتدقيق يومي للحسابات، لإظهار ما على الدولة من موجبات وما لها من مستحقات. اكتشافات يدور حولها سؤال صريح يطرحه عدد من أقطاب الأكثرية: «ماذا كانت تفعل وزارة المال خلال السنوات الماضية؟ وما هو الهدف من عدم القيام بهذه الواجبات البديهية؟ وهل من محاولة لإخفاء مخالفات مالية من الممكن أن تدين أحد أو تضعه أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، بحسب ما يلمح البعض؟».
في قرار قضائي صادر عن ديوان المحاسبة في إطار رقابته المؤخرة على الحسابات المالية، فنّد الديوان نتائج عملية تصفير الحسابات التي أجراها وزير الدولة للشؤون المالية فؤاد السنيورة بتاريخ الأول من كانون الثاني 1993؛ إذ تبيّن أن ديوان المحاسبة قد أصدر القرار القضائي رقم 1/ر ق بتاريخ 21 آب 1997 وتناول فيه موضوع حساب مهمة محتسب المالية المركزي لعام 1993، عارضاً المبادئ والأصول المحاسبية التي تحكم تنظيم حساب المهمة، ليخلص إلى النتائج التي ترتبت على تصفير ميزان دخول حساب مهمة عام 1993:
النص القانوني القاضي بصرف النظر نهائياً عن إعداد حسابات المهمة العائدة لعام 1990 وما قبله، في ضوء قرار الديوان «لا يعني إطلاقاً أن المشترع قد قصد تنظيم حسابات مهمة عام 1991 وما بعدها من دون ميزان دخول؛ لأن ذلك يخالف أصول المحاسبة المتعارف عليها ولا يتفق مع واقع القيود ومع مبدأ وجوب تدوير أرصدة الحسابات الحقيقية والشخصية التي من دونها لا يمكن الوصول إلى حسابات صحيحة تعكس الوضع المالي الفعلي».
ويستطرد قرار الديوان ليبيّن النتائج التي ترتبت على قرار الوزير فؤاد السنيورة بتصفير الحسابات في مطلع عام 1993، ويدرجها في إطار الكارثة على الصعيد المحاسبي، وعلى صعيد الواقع الذي آلت الحسابات المالية إليه. فإغفال ميزان الدخول في إعداد حساب مهمة عام 1993، «فضلاً عن أنه غير مقبول من ناحية المبادئ المذكورة أعلاه ومخالف لأبسط القواعد القانونية والمحاسبية، قد أدى إلى نتائج غير صحيحة ولا يجوز القبول بها».
أما أولى نتائج تصفير الحسابات، فهي عدم صحة رصيد الصندوق. لقد تبيّن من مراجعة الحساب رقم 200 المتعلق بـ«النقود الموجودة لدى المحتسبين المركزيين» أن خلاصة القيود الظاهرة في نهاية عام 1993 تظهر أن رصيد الصندوق دائن، فيما «لا يمكن أن يكون دائناً باعتبار أن ذلك يعني أن الأموال التي خرجت من الصندوق خلال عام 1993 هي أكثر من موجوداته وهو أمر غير معقول»، على حد ما ورد في قرار الديوان.
ويعزو الديوان «هذه النتيجة غير المعقولة بصورة أساسية إلى عدم وجود ميزان دخول في أول المدة، أي في 1/1/1993 مع إمكان وجود أخطاء أخرى قد تكون مصدر الفرق». ومن غرائب الأمور أن النقص في الصندوق بتاريخ الأول من كانون الثاني 1993 قد سجل لاحقاً «نقصاً في الصندوق وأموالاً مختلسة»، كما ورد في قرار آخر لديوان المحاسبة رقمه 9/ر ق صادر بتاريخ 21 حزيران 2004.
وأما ثانية نتائج تصفير الحسابات، فهي عدم صحة رصيد الحساب الجاري مع مصرف لبنان؛ إذ إن قرار ديوان المحاسبة يشير إلى«أن من غير المعقول أن يكون رصيد حساب الخزينة في مصرف لبنان في أول عام 1993 «لا شيء» باعتبار أنه يخالف الواقع بصورة لا تقبل الجدل».
وأما ثالثة نتائج تصفير الحسابات، فهي عدم صحة رصيد حساب سلفات الموازنة (…). يتخوّف قرار الديوان من ضياع حقوق الخزينة من جراء تصفير ميزان الدخول، فيضيف: «إن إغفال هذه القيود من شأنه تعريض حقوق الخزينة للضياع».
إلى المستند الثاني. إنها النيابة العامة المالية هذه المرة. المذكرة رقمها 1660/156، موضوعها: توفير الضوابط الفنية والقانونية اللازمة في برامج المعلوماتية المعتمدة في مديرية الخزينة والدين العام. تاريخ المذكرة: 20 تشرين الثاني 2008. أما مضمون المذكرة فيتعلق بمخالفات مرتبطة بأن «البرنامج المعد من المركز الآلي في وزارة المال والمعتمد من الخزينة لإثبات ومعالجة عمليات القبض والدفع والتحويلات بين الحسابات... التي تقوم بها الخزينة، يسمح، خلافاً لأبسط قواعد الضبط والأصول المحاسبية المقررة في التصميم العام للمحاسبة وغيره من النصوص القانونية، بإضافة أو إلغاء قيود سبق تدوينها، الأمر الذي يتيح إمكان إخفاء انحرافات أو أخطاء أو مخالفات يمكن أن تستدعي الملاحقة». وقد دعت المذكرة إلى «وضع الضوابط اللازمة للبرنامج المعتمد في المركز الآلي... لحماية المال العام من الأخطاء والانحرافات الممكن وقوعها أو ارتكابها...».
المستند الثالث مختلف في الشكل كما في المضمون. يتعلق بحديث أدلى به مدقق الحسابات الأول في ديوان المحاسبة؛ إذ قال الآتي: «إن الحسابات التي وصلتنا من وزارة المال بتاريخ 1991 و1992 هي عبارة عن بيانات لا تنطبق عليها صفة الحساب. أما حسابات الأعوام 1993، 1994، 1995، 1996 فقد وصلتنا غير مكتملة وليس فيها موازين دخول لحساب الصندوق والمصرف فأعادها ديوان المحاسبة إلى مصدرها بعد أن أصدر قرارات قضائية مؤقتة بكل حساب».
وكانت وزيرة المال السابقة ريا الحسن، قد أقرّت رسمياً، في «خطة عمل تدقيق الحسابات المالية العائدة لسنوات 1993 ـــــ 2010»، بعدم إعداد وتدقيق قطع الحساب وحسابات المهمة في كل هذه الأعوام؛ إذ طلبت الاستعانة بـ 120 مراقباً للقيام بهذه المهمة في فترة تمتد على ثلاث سنوات... وهنا يطرح التساؤل: «لماذا الآن؟ أين كانت وزارة المال خلال السنوات الماضية؟ ولماذا أغفلت القيام بهذه المهمة؟».
الوثائق المتاحة حتى الآن تظهر الكثير من المخالفات. تتحدث عن تلاعب بالأرقام، عن عدم تطابق في الحسابات، عن مشكلات محاسبية قائمة. قصة الأموال العامة، وكيف صرفت خلال السنوات الماضية هي لغز اليوم. لكن يمكن طرح سؤال في هذا السياق: «إلى متى سيبقى اللغز لغزاً؟ وهل سيشهد لبنان عملية تدقيق فعلية توصل السائلين إلى إجابات عن آلية الإنفاق وإدارة الشؤون المالية للدولة خلال السنوات الماضية؟».


63 مراقباً
هو عدد المحاسبين ورؤساء المحاسبة الذين طلبتهم وزيرة المال ريا الحسن لإنجاز عمليات تدقيق حساب المهمة من عام1997 حتى عام 2000 إضافة إلى 5 محاسبين ورئيس محاسبة لتأليف لجنة لجرد مستودعات مديرية الخزينة

قرارات قضائية تفيض بالمخالفات
في وثيقة تبليغ صادرة عن ديوان المحاسبة لوزارة المال في عام 2002، قرر الديوان اعتبار حساب المهمة العائد لعام 1994 «غير صحيح وغير قابل للبت بالطريقة التي قدم بها، وبالتالي إعادته إلى المحتسب المركزي لوضع حساب متفق مع المستندات والقيود اللازمة. فيما تشير وثيقة أخرى صادرة في عام 2005 عن الديوان كذلك، أن حساب المهمة العائد لعام 1996 غير صحيح، وهو غير قابل للبت وفق قانون تنظيم ديوان المحاسبة، وخصوصاً مع وجود فارق في الصندوق. وقد أشار أمين صندوق الخزينة في رده على الديوان أن هذا الفارق يأتي في سياق «احتمالات الأخطاء
اقتصاد
العدد ١٥٩٥ الثلاثاء ٢٧ كانون الأول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق