3‏/4‏/2012

الإصلاح المالي في البيان الوزاري: سيّارة بلا دواليب



عادةً تكتب الحكومات بياناتها الوزاريّة بطرق عجائبيّة، فيظنّ القارئ أن لبنان سيتحول الى جنّة على أيدي الوزراء الجدد، إلا أن الدخول إلى الجنّة الافتراضيّة لحكومة «كلنا للوطن كلنا للعمل» ضبابي ومشكوك فيه
رشا أبو زكي

حتى في الشعارات، فشل البيان الوزاري لحكومة ما يسمى اللون الواحد في مجاراة البيانات الوزارية السابقة، إذ بقي عامّاً، مكرراً تعابير إنشائية سقطت وعوداً على اللبنانيين من دون أن تنفذ، حتى في ترتيب البنود، بقي مضمون الشق المتعلق بالإصلاحات المالية على حاله، متشابهاً الى حد بعيد مع البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية السابقة، مع تعديلات طفيفة، وإضافة شعارات مبهمة وغير محددة، حمّالة للعديد من الأوجه إذا وصلت الى مرحلة التطبيق. وحين التوجه بأسئلة الى عدد من الخبراء والباحثين الاقتصاديين والماليين عن رأيهم بالشق المالي المطروح في البيان الوزاري، كانت الأجوبة متقاربة، إذ إن الصبغة العامة للملفات المطروحة للعلاج كانت الأكثر وضوحاً، إضافة الى عدم اللجوء الى عبارات تحدد بدقة الهدف المنشود والوسيلة التي سيجري اعتمادها لتحقيقه... والتشبيه الأقرب الى حال هذا البيان أنه كالسيارة التي تفتقر الى الدواليب!

ما هي النقاط التي طرحت؟

فقد طرح البيان الوزاري في البند رقم 28 عدداً من الملفات التي وعدت الحكومة الجديدة بتحقيقها، وهي: تأمين عوامل تحفيز النمو وضبط مستويات العجز في المالية العامة. وأشار البيان الى أن الحكومة ستعمل على اعتماد ضبط النفقات ذات المردودية الضئيلة وتحسين إيرادات الدولة وإعادة توزيع أعبائها بما يؤمّن تصحيح العجز البنيوي المتمادي ويحقق عدالة اقتصادية واجتماعية أفضل، ويعيد الاعتبار إلى مداخيل الإنتاج مقارنة مع مداخيل الريع، «وسوف تنظر» الحكومة في إعادة توزيع الأعباء هذه بشكل يراعي أوضاع ذوي الدخل المحدود. كذلك وعدت بإنجاز قانون موازنة عام 2012، محترمة الأسس القانونية والدستورية التي ترعى الموازنة، وإنجاز قطع حساب السنوات التي لم يقطع حسابها، والعمل على تدقيق حسابات الدولة المالية بحسب الأصول، وخفض عبء الدين العام على الاقتصاد وضبط خدمته وحجمه نسبةً إلى الإيرادات! والإفادة من موارد البلاد وممتلكاتها... كذلك لفت البيان الوزاري الى بدء العمل بفعالية في مديرية الدين العام في وزارة المال، وتفعيل الأجهزة الرقابية، ومراجعة القوانين والأنظمة وتحديثها من أجل وضع برنامج اقتصادي يلبي طموحات اللبنانيين، وإطلاق برنامج الإنفاق الاستثماري في قطاعات أساسية كالكهرباء والمياه والنقل العام، آخذة بالاعتبار الخطة الشاملة لترتيب الأراضي، وتأمين التمويل الاستثماري المطلوب ولا سيما عبر الاستعانة بالقطاع الخاص للإفادة من قدراته في الإدارة والتمويل.
وفي قراءة أولية للبيان الوزاري في شقه المالي، أشار الخبير الاقتصادي والمالي وليد أبو سليمان الى أن المضمون يعدّ جيداً، لكنه لفت الى أنه يجب تجزئة الدين العام الى دين فعلي وخدمة الدين العام، فالخدمة هي العبء الأساسي بحيث يدفع لبنان بين 7 إلى 8 في المئة كفوائد للمصارف، في حين أن اليونان التي تعدّ في أزمة اقتصادية ومالية كبيرة تدفع نسبة 7 في المئة على الفوائد، وبالتالي كان على الحكومة الانطلاق بإصلاحاتها عبر إعلان خفض الفوائد على خدمة الدين، وتحديد الآلية بالتفاوض مع المصارف اللبنانية. أما العبارة المتعلقة بالإصلاحات الضريبية فهي لا تشير الى آلية لتقليص الفجوة بين الطبقات الفقيرة والغنية عبر توزيع عادل للمداخيل، ولم يجر الحديث عن الضرائب غير المباشرة والمباشرة وكيفية ربطهما بالقدرة الشرائية، ولا التلميح الى تحقيق نظام ضرائبي كامل ومتكامل كما كان متوقعاً من هذه الحكومة، كما لم يتمّ الدخول الى التفاصيل، ولا الحديث عن ماهية الإصلاحات وماذا ستطال، وإن كان سيجري التطرق الى الضرائب على الأرباح العقارية مثلاً، إذ كان لا بد من توضيح هذه الفقرة لأهميتها.
بدوره، أشار الباحث الاقتصادي والاجتماعي جاد شعبان الى أن البيان الوزاري بشقه الاقتصادي والاجتماعي يظهر أنه حتى الآن لا يوجد في الطبقة السياسية أي مكوّن يمكن أن ينظر الى تطلعات الناس الحقيقية، ولفت الى أن الحديث عن النمو الاقتصادي وربطه بالتصحيح المالي يعدّ فارغاً إن كان غير مرتبط بالمؤشرات التنموية والاجتماعية. ولفت الى أن الاستمرار في إشاعة «مأساة» ارتفاع الدين العام لم يعد موفقاً، إذ إن الدين العام في لبنان ليس مرتفعاً، والدين العام الصافي يمثّل 95 إلى 100 في المئة من الناتج المحلي، وبالتالي فهذه النسبة قريبة من النسب المحققة في إيطاليا وتشيلي مثلاً، فكان لا بد من التركيز على خفض الفوائد المترتبة على الدولة اللبنانية في إطار خدمة الدين العام، التي يفيد منها المصارف حصراً. وهكذا، فإن الدين العام ليس المشكل الأساسي في لبنان وهو ليس هدفاً، بل هو نتيجة لسياسات معينة، إذ كان لا بد للبيان الوزاري من أن يتطرق الى الفساد وتوزيع الهدر على القوى السياسية عبر إنفاق الأموال على المشاريع الكبرى من دون أي جدوى اقتصادية أو اجتماعية، والحديث عن انخفاض القدرة الشرائية لما لذلك من تأثير على الحركة الاقتصادية. وأشار شعبان الى أن المشكلة في لبنان هي أن السياسيين يفكّرون لولايتهم فقط في الوزارة، والناس يفكرون في يومهم ولا يفكرون بالأمس، وعلى هذا الأساس بني البيان الوزاري.

من زمن آخر

بدوره، يقول الباحث الاقتصادي مازن سويد إن البيان الوزاري بشقّه المالي مليء بالعموميات، ولا يتضمن رؤيةً ولا فهماً للتحديات الحقيقية ولا طروحات جدية، وفيه تنظير وتعابير فارغة. ولولا بعض الإشارات الخجولة للقطاع الخاص لأمكن القول إن النص هو من زمن آخر. فما هي الإصلاحات الضريبية، وهل تعني زيادة ضريبة الدخل مثلاً؟ ما هي الاختلالات البنيوية؟ كيف سيجري قطع حساب الموازنات السابقة إن لم تقرّ هذه الموازنات؟ لماذا لم يجر التطرق الى الفائض في الميزان الأولي، وهو من أحد أهم المؤشرات للصلابة في المالية العامة للدول؟ لا بل كيف ستحقق هذه الحكومة النمو؟ ولفت الى أن المشكلة في لبنان ليست البنى التحتية وإنما البنى الفوقية عبر البيروقراطية والفساد والهدر... وأضاف «لقد مللنا البيانات الوزارية التي تتطرق الى نظريات عامة، نريد آليات تنفيذ».

اقتصاد
العدد ١٤٥١ السبت ٢ تموز ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق