3‏/4‏/2012

التفريط بالغاز اللبناني

إسرائيل تقضم 5 كيلومترات من المياه بالاتفاق مع قبرص!


تحت هذا البحر... نفط (أرشيف ــ هيثم الموسوي)

هل يكون النفط والغاز محور الصراع اللبناني الإسرائيلي في المرحلة المقبلة؟ فقد وقّعت إسرائيل اتفاقية مع قبرص لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، للتشارك في التنقيب عن النفط والغاز، وإذا بهذه الاتفاقية تتضمن احتلالاً لمسافة تقدّر بنحو 5 كيلومترات من المنطقة الاقتصادية البحرية اللبنانية... والقصة لا تتوقف هنا، فرئيس الحكومة سعد الحريري له قرص في هذا العرس أيضاً

رشا أبو زكي

بعد البر والجو، ها هي إسرائيل تدخل إلى عمق البحار اللبنانية، لتحتل عبر اتفاقية مع قبرص 5 كيلومترات من المياه اللبنانية، ومعها مخزون غير معلوم من الغاز؛ إذ تؤكد المسوحات وجوده، إلا أن المماطلة في إقرار قانون النفط ومراسيمه التطبيقية تعرقل استخراجه! فمنذ عام 2007، لا تزال اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الاقتصادية بين لبنان وقبرص ممنوعة من الانتقال من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب؛ فرئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، وبعده الرئيس سعد الحريري، حبسا الاتفاقية وأقفلا عليها بإحكام، فإذا بقبرص توقع اتفاقية مماثلة مع إسرائيل، تتضمن تعدياً بحرياً على سيادة لبنان بمسافة 5 كيلومترات!

والخمسة كيلومترات ليست «لعبة»؛ فهي تتعلق بثروة لبنان النفطية، وبامتداد الحقول التي ستكون، كما يتضح، محور صراع بين لبنان وإسرائيل، كما لاعتقال الاتفاقية أسباب ليست مخفية أصلاً، مفادها أن الحريري قد قطع وعداً للرئيس رجب طيب أردوغان بعدم إمرار هذه الاتفاقية بسبب الحساسية السياسية التاريخية بين كل من قبرص وتركيا، لتصبح حدودنا مستباحة بوعد له خلفياته المرتبطة بمصالح الحريري نفسه في تركيا! واللافت في هذا الإطار، أن الاتفاقية بين إسرائيل وقبرص تمت في كانون الأول من العام الماضي، أي منذ 6 أشهر، وقد أدت إلى انتهاك حقوق لبنان ومصر البحرية، وفيما حركت مصر جميع الجبهات الدبلوماسية لوقف هذا الاعتداء الذي طال حقولاً للغاز من حصة مصر، كان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري يخبئ الاتفاقية بين لبنان وقبرص ويرفض الاستجابة للكتب التي أرسلها وزير الطاقة والمياه جبران باسيل إلى رئاسة الحكومة (المؤرّخة في 11 حزيران 2010، 15 تموز 2010، 23 آب 2010، 24 كانون الأول 2010، 10 أيار 2011، 3 حزيران 2011) والتي يطالب فيها بتحويل الاتفاقية من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب لإقرارها!

اتفاق مشبوه

فقد شهد يوم 16 كانون الثاني من عام 2007 توقيع اتفاقية بين وزير الأشغال العامة والنقل حينها محمد الصفدي، ووزير الخارجية القبرصي جورجيوس ليليكاس، تحدد المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر بين لبنان وقبرص، وتتضمن الاتفاقية تأكيد الأحكام ذات الصلة من اتفاقية المنظمة الدولية لقانون البحار، حيث تحدد المنطقة الخاصة بين الطرفين على أساس خط المنتصف، وتكون كل نقطة على طول امتداد هذه الحدود متساوية الأبعاد من أقرب نقطة على خطوط الأساس لكلا الطرفين، في حال وجود امتدادات للطرفين للموارد الطبيعية، تمتد بين المنطقة الاقتصادية لأحد الأطراف ومنطقة الطرف الآخر، ويتعاون الطرفان للتوصل إلى اتفاق على سبل استغلال تلك الموارد، وكان لبنان الدولة الثانية التي توقع هذا الاتفاق بعد مصر التي وقّعتها في عام 2003.
وقد أشار الجانب القبرصي بعد توقيع الاتفاقية إلى ضرورة إقرار الاتفاقية للسير بها، إلا أن رئاسة مجلس الوزراء أخفت الاتفاقية، وامتنعت عن تحويلها إلى مجلس النواب. واستمرت المماطلة إلى أن وقعت قبرص اتفاقاً مماثلاً مع إسرائيل في 17 كانون الأول 2010، تضمن ـــــ إضافة إلى هضم 5 كيلومترات من المياه اللبنانية ـــــ السيطرة على 20 ميلاً بحرياً من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لمصر. وتتضمن المنطقة التي احتُلت، مناطق كثيرة غنية بالغاز الطبيعي في البحر المتوسط، وقد شملت (وفق الجانب المصري) مناطق يُنقَّب فيها عن الغاز لمصر، ومناطق أخرى جرت فيها اكتشافات لمصلحة مصر!

لبنان في ظل التسويف

المماطلة العلنية التي كان يقودها الحريري لمنع تحويل الاتفاق إلى مجلس النواب انتهت إذاً باتفاقية إسرائيلية ـــــ قبرصية، لم تؤد الرسائل العديدة التي بعثها وزير الطاقة والمياه جبران باسيل إلى قبرص إلى منعها، وقد بعث وزير الخارجية والمغتربين عدنان منصور (بعد تسلمه مهماته في الوزارة) رسالة أمس إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون اعترض فيها على الاتفاق الموقع بين قبرص وإسرائيل بشأن تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، باعتبار أن هذا الاتفاق «ينتهك حقوق لبنان السيادية والاقتصادية ويعرض السلم والأمن في المنطقة للخطر». وقد طلب منصور من الأمين العام اتخاذ التدابير التي يراها مناسبة تجنباً لأي نزاع.
وقال منصور لـ«الأخبار» إن الاتفاق بين قبرص وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية للمنطقة الاقتصادية بين البلدين مثّل في جزء منه اعتداءً على المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان، ما يعني أن إسرائيل تستطيع استغلال الموارد الغازية والبترولية التي هي من حصة لبنان وحق من حقوقه. ولفت إلى أن لبنان طلب من اليونيفيل في السابق ترسيم الحدود المائية، لكن اليونيفيل لم تفعل، فيما الأمم المتحدة لم تبد أي تجاوب (حتى ليل أمس) مع الرسالة التي أرسلها وتضمنت اعتراضاً على الاتفاق الموقع بين قبرص وإسرائيل، وبالتالي سيتحول هذا الموضوع إلى فتيل قابل للاشتعال في أية لحظة. وأشار منصور إلى أن لبنان عبر اللجنة الفنية التي تتألف من عدد من الوزارات اللبنانية وقيادة الجيش أرسلت إلى الخارجية القبرصية رسائل عدة منذ أشهر للاعتراض على مضمون الاتفاق الموقع مع إسرائيل، إلا أنه لم يكن هناك أي تجاوب، مشيراً إلى الاستمرار في متابعة هذه القضية من طريق الاتصالات والوسائل الدبلوماسية والسياسية لإظهار حق لبنان بمياهه.
من جهة ثانية، أكد وزير الطاقة، جبران باسيل، وجود تضارب بين الاتفاق الموقع بين لبنان وقبرص، وذلك الموقع بين قبرص وإسرائيل. وأشار لـ«الأخبار» إلى أنه أرسل كتاباً إلى وزير الخارجية اللبناني ورئيس الجمهورية ميشال سليمان يتمنى فيه الاعتراض رسمياً لدى الأمم المتحدة على الاتفاق الموقع بين إسرائيل وقبرص قبل تأليف الحكومة، لما لذلك من خطورة على الحدود البحرية اللبنانية، إلا أنه لم يلمس تجاوباً، منوهاً بالتجاوب السريع الذي أبداه منصور في هذا الإطار... موضحاً أن المماطلة في عدم إقرار الاتفاقية بين لبنان وقبرص كانت من فعل الحريري إرضاءً لتركيا!


122 تريليون قدم مكعب

هي كمية الغاز التي حددتها شركة نوبل، والموجودة بين الحدود البحرية اللبنانية والقبرصية. وقد أشار العديد من الدراسات والمسوحات إلى وجود حقل كبير للغاز في المياه اللبنانية


رسالة باسيل الأخيرة

دعا وزير الطاقة والمياه، جبران باسيل، في رسالة أرسلها إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية في 16 حزيران الجاري إلى: توجيه كتاب إلى دولة قبرص للاعتراض على ما في الاتفاقية مع إسرائيل والمطالبة بتعديلها فوراً. وطالب بتوجيه كتاب إلى الأمم المتحدة لرفض هذه الاتفاقية والمطالبة بتعديلها والحصول على التأكيدات اللازمة في هذا الخصوص، وإرسال الاتفاقية الموقعة بين لبنان وقبرص من مجلس الوزراء، بعد الموافقة عليها، إلى مجلس النواب للتصديق، وبالتالي إلزام قبرص باعتمادها معاهدةً مكتملة الشروط بين دولتين مستقلتين.

اقتصاد
العدد ١٤٤٢ الثلاثاء ٢١ حزيران ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق