6‏/4‏/2012

«برّا!» أنتم مصروفون من العمل




أجراء لبنان بلا حماية: الكل يناصر المؤسسات

العمال بلا حماية وبلا أصوات تطالب بحقوقهم (مروان بو حيدر)
«سهلة» أن يلجأ صاحب مؤسسة الى صرف الاجراء جماعياً. يبحث عن المادة 50 في قانون العمل، يُعجب بفكرة «الصرف لاسباب اقتصادية». يعلن أنه يعاني من خسائر. يلجأ الى وزارة العمل (أحياناً). يدفع تعويضات زهيدة. يوظّف من جديد برواتب أقل. يمكن للأجير المتضرر أن يلجأ الى محاكم العمل، يقبع ملفه اعواماً. عذراً، حتى محاكم العمل معطّلة من زمان
رشا أبو زكي
ربما، لو كان في لبنان رقم احصائي دقيق، لكان ممكناً تتبّع وتيرة الارتفاع في عدد العاطلين من العمل. العديد من المؤسسات تتذرّع بأسباب اقتصادية لتبرير صرف عشرات العمال، فيما المعطيات تؤكّد أن هذه المؤسسات لا تشهد افلاسات فعلية. صورة بدأت تتكوّن: أجراء مصروفون بحجّة «افلاس» المؤسسات، فيما عدد المؤسسات العاملة في لبنان ثابت.
ترسم ريشة الصراعات السياسية خلفية لهذه الصورة: أبواب مجالس العمل التحكيمية موصدة منذ أكثر من عام في وجه أي شكوى من أي عامل. تمتزج الألوان. تتداخل الصور. الى اليمين صورة باهتة لممثلي الحركة النقابية، وعلى أفواههم لاصق سياسي. والى اليسار صورة فاقعة لأحزاب وسياسيين أصبحوا جزءاً من مؤامرة الصمت، أو مشتركين في جرائم اقفال المحاكم، حماية المؤسسات وهضم الاتحادات النقابية. يكتمل المشهد. عمال لبنان مشاريع عاطلين من العمل، ولا من يسأل.
قانون العمل اللبناني، الذي تشوبه ثغر عديدة، يتضمن مادة تجيز الصرف الجماعي للأجراء. انها المادة 50 الشهيرة. في هذه المادة توجد الفقرتان «واو» و«ز». تجيز الفقرة «واو» لصاحب العمل «إنهاء بعض أو كل عقود العمل الجارية في المؤسسة إذا اقتضت قوة قاهرة أو ظروف اقتصادية أو فنية هذا الإنهاء، كتقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر أو التوقف نهائياً عن العمل (...)». اما الفقرة «ز» فتقول حرفياً: «يتمتع العمال المصروفون من الخدمة تطبيقاً للفقرة السابقة ولمدة سنة تبدأ من تاريخ تركهم العمل بحق أولوية (أفضلية) في العودة إلى العمل في المؤسسة التي صرفوا منها إذا عاد العمل فيها إلى طبيعته وأمكن استخدامهم في الأعمال المستحدثة فيها».
يشرح المحامي نزار صاغية كيف يحصل التعامل مع هاتين الفقرتين كحجة لصرف الموظفين بلا أي مسوّغ قانوني، ومن دون اعادتهم الى العمل حتى لو عادت المؤسسة الى نشاطها. ففي قضايا الصرف الاقتصادي «لا توجد آلية تضمن حقيقة الاستناد الى الفقرة «واو» من المادة 50 من قانون العمل. يجري الكلام بنحو مبسط حول الموضوع، من دون تدقيق فعلي، وبالتالي فإن المادة تحتاج الى تعديل بحيث لا تستعمل خارج السياق، كما يجب أن تعطي ضمانات اكثر للأجراء. ويشرح صاغية أن هذه الفقرة أصبحت ذريعة للصرف من دون اي سبب. اما المشكل الاضافي في نص هذه الفقرة فهو تعطيل مجالس العمل التحكيمية منذ حوالي سنة، بحيث لا يوجد اي حماية للاجراء، ولا يوجد أي مرجع يستقبل وينظر بالشكاوى المقدمة من العمال. النتيجة: «أصبحت وزارة العمل التي لا يمكنها سوى القيام بوساطات بين صاحب العمل والأجير، تنصح الأجراء بقبول عروض اصحاب العمل بتعويضات هزيلة بسبب غياب مجالس العمل التحكيمية. أما المشكلة الأكبر، فهي ان لا أحد يتحدث عن الموضوع، لا النقابات العمالية ولا نقابات المحامين ولا أي جهة.
يقول مصدر مطلع في وزارة العمل إن الوزارة لا يمكنها سوى القيام بوساطات لحل القضايا «حبياً». في حالات الصرف الاقتصادي، اذ تقوم الوزارة بتحقيقات مع الأجراء وأصحاب المؤسسات، وفي بعض الحالات تذهب الى مكان العمل للاطلاع على حقيقة ما تقدمه المؤسسة من بيانات حول ازمتها الاقتصادية. كذلك، تقدم المؤسسة ميزانيتها عن ثلاث سنوات ماضية لإثبات وجود الخسائر، وأحياناً تستعين الوزارة بخبراء محاسبة للكشف عن هذه البيانات. وتلفت هذه المصادر الى أن المؤسسات التي تلجأ الى وزارة العمل لتطبيق الفقرة «واو» هي من قطاعات اقتصادية مختلفة. غالباً ما تنتهي القضايا «حبياً»، واذا أصر الأجراء على مطالب معينة، يلجأون الى مجالس العمل. الا أن مصادر مطلعة على ملفات وطلبات الصرف الاقتصادي، تؤكد أن الوزارة لا تتابع فعلياً معظم القضايا المتعلقة بهذا النوع من الصرف، ولا يتم التأكد مما إذا كانت المؤسسات تنطبق عليها الشروط الثلاثة الموجودة في الفقرة «واو»: «تقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر أو التوقف نهائياً عن العمل» إلا في حال القضايا الكبيرة، والتي تثير «ضجة» في البلد.
انتقالاً الى الفقرة «ز»، يؤكد المحامي ايلي بيطار أن هذه الفقرة التي تلزم المؤسسة باعادة تشغيل الأجراء المصروفين في حال معاودتها العمل، لا تطبق بشكل مطلق، اذ لا يصار إلى متابعة الاجراءات التي تقوم بها المؤسسة لا من قبل الوزارة ولا المحاكم. السبب: «لم نصل بعد الى هذه الدرجة من الوعي». الأسوأ: أن أي حكم قضائي لم يصدر باعادة العمال المصروفين. اذ في حال استند احد الاجراء الى الفقرة «ز» ورفع شكوى الى مجلس عمل تحكيمي، يخرج الحكم مخالفاً لمضمون هذه الفقرة. انه قصور في تطبيق القانون، يقول بيطار. وعلى مجالس العمل التحكيمية ان تعود الى العمل، فالوزارة ليس لها سلطة الامر والزجر. كما أن قانون العمل يفرض على المجلس التحكيمي اصدار حكم بقضايا العمل خلال 3 اشهر كحد أقصى، الا أن هذه القضايا تبقى في المحاكم لفترات طويلة تصل الى 5 سنوات واكثر في بعض الحالات.
ويشرح بيطار أن المؤسسة التي تستند الى الفقرة «واو» لصرف أجرائها، ملزمة وفق القانون بدفع تعويض بين شهرين و12 شهراً، اذ تنص المادة 50 على انه إذا كان الفسخ صادراً من قبل صاحب العمل يقدّر التعويض على أساس نوع عمل العامل وسنّه، ومدة خدمته، ووضعه العائلي والصحي ومقدار الضرر، ومدى الإساءة في استعمال الحق، على أن لا ينقص التعويض الذي يحكم به عن بدل أجرة شهرين وان لا يزيد على بدل أجرة اثني عشر شهراً، وذلك بالإضافة إلى ما قد يستحقه العامل من تعويضات قانونية تتعلق بنهاية الخدمة.
الا أن قيمة التعويض تعتبر هزيلة جداً، يقول صاغية، اذ إن المؤسسات تسعى إلى دفع الحد الأدنى من التعويض، وقليلاً ما تصل قيمة التعويض الى 5 أشهر مثلاً، وبالتالي فإن عدم تحديد قيمة التعويضات وفق معايير صارمة، يجعل من السهل على المؤسسات صرف عمالها في مقابل تعويضات هزيلة، لاستبادلهم بأجراء آخرين يحصلون على رواتب أدنى، مستفيدين من عدم تطبيق الفقرة «ز» من المادة 50.


7 أشهر
السقف الأعلى لتعويض الصرف التعسفي الذي أصدرته مجالس العمل التحكيمية، في حين أن هذا السقف يصل قانوناً الى 12 شهراً، ويشرح المحامي إيلي بيطار أن القانون يشير الى أن تحديد سقف التعويض له معايير متعلقة بعمر الأجير وفترة مزاولته العمل وغيرها

القانون «الملغوم»
يشرح المحامي نزار صاغية أن قانون العمل يشوبه الكثير من الإشكالات. هناك بنود تحتمل اجتهادات متناقضة. مثلاً، على صاحب العمل القيام بإجراءات في وزارة العمل إذا أراد الاحتكام الى الصرف الجماعي، وفي هذا الموضوع تختلف الاجتهادات، منها ما يعتبر أن عدم قيام صاحب العمل بهذه الإجراءات يفقده حقه بالاحتكام الى الفقرة «واو» المتعلقة بالصرف الاقتصادي، ومنها ما يعتبر هذا الاحتكام يبقى قائماً. كما بإمكان صاحب المؤسسة اتهام الأجير بمخالفات معينة تجيز له الصرف، من دون أن يكون للأجير أي حق بالدفاع عن نفسه ...
اقتصاد
العدد ١٦٧٨ الجمعة ٦ نيسان ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق