3‏/4‏/2012

إهمال الصناعة في البيان الوزاري

غياب الخطط وآليات التنفيذ... والاكتفاء بالشعارات القديمة


كلمات رنانة في البيانات الوزارية ولدى نيل الثقة تختفي الوعود! (أرشيف ــ هيثم الموسوي)

الحكومة الحالية تضمّ عدداً لا يستهان به من الصناعيين الذين أصبحوا وزراء فعليين، إلا أن هذا الأمر لم يترجم اهتماماً خاصاً بالقطاع الصناعي في البيان الوزاري، بل طغت على البند المتعلّق بالصناعة التزامات عامّة لا معنى حقيقياً لها، وذلك على الرغم من أن تراجع الصادرات الصناعية خلال الفترة الماضية كان الشغل الشاغل للاقتصاديين... والسياسيين!

رشا أبو زكي

ظهرت في الحكومات السابقة أساليب جديدة للتعاطي مع القطاع الصناعي، منها مثلاً دعوة الصناعيين للهجرة الى الخارج، أو تسييس مطالبهم، أو استخدامهم للتسلق الى الكراسي بوصفهم يمثّلون ما بقي من بورجوازية تقليدية... في الحكومات السابقة أيضاً، كان وزراء «المعارضة حينها» يعدّون أوراقاً مطلبيّة لا تُحصى ولا تعد، يغرقون أجهزة التلفزة والجرائد بأصواتهم المعترضة على تهميش القطاع ومحاربته. أما وقد صار معارضو الأمس أكثرية الحكومة اليوم، بُحّت الأصوات، وجفّت المحابر، فلم يبق للبيان الوزاري للحكومة التي تضم أكثر من 4 وزراء صناعيين سوى 5 أسطر، تكرارية عامة وغير جدّية، 5 أسطر لا أكثر لا تلزم الحكومة الجديدة بأي شيء فعلي، فلا تحديد لأهداف واضحة محددة ولا جداول زمنية لإقامة مدن صناعية مثلاً، ولا توضيح لماهية عبارة «تأمين طاقة بديلة»، ولا تفصيل للقوانين القطاعية التي تحتاج الى تحديث، وإن كان البند المتعلق بالقطاع الزراعي استلزم 10 دقائق لصياغته، فإن بند الصناعة لم يستدع كاتبه حتى أن «يحك» رأسه... ولسان حال عدد من الصناعيين يردد «البيان الوزاري للحكومة الجديدة هو حبر على ورق»، وكما تقول فرقة الطفار: «حبر ع ورق مو قانون»...
«جرّبناك جرّبناك، من أعطاك هذا السر؟ من سمّاك؟ من أعلاك فوق جراحنا ليراك؟»، هذا ما يقوله محمود درويش في إحدى قصائده، فمكونات حكومة ما يسمّى اللون الواحد، كانت موجودة في الحكومات السابقة «بالمفرق»، وما من تغيّر واضح في السياسات الاقتصادية والاجتماعية العامة بعدما صارت «بالجملة»، التجارب علّمت الصناعيين أن لا يثقوا بأي حكومة لا تعلن في بيانها الوزاري، كما في سلوكياتها اليومية، عبارة واضحة من دون أي التباس: «أنا، الحكومة اللبنانية، أريد القطاع الصناعي»، هذه العبارة تحديداً هي نقطة البداية، وفق رئيس تجمّع صناعيي كسروان نقولا أبي نصر. فمنذ الاستقلال وحتى اليوم، لا تزال الحكومات، وفق أبي نصر، تكتب كلمات رنانة في بياناتها الوزارية عن القطاع الصناعي، إلا أنه حين تنال الثقة تختفي الوعود عن ساحة التنفيذ، «فالبيانات الوزارية لم تعد ذات صدقيّة»... وتشير الحكومة الجديدة في بيانها الوزاري في الفقرة 34 إلى ما يأتي: «إن الحكومة عازمة على إعطاء القطاع الصناعي الاهتمام الكافي والرعاية المناسبة، وذلك عبر تحديث القوانين والأنظمة لدعم القطاع الصناعي ومساندته، واستحداث هيئة إنشاء وإدارة مراكز التجمع الصناعي وإيجاد مناطق ومدن صناعية حديثة ببناها التحتية وخدماتها المتطورة، والعمل الحثيث على تأمين مصادر الطاقة البديلة، والتمويل اللازم لإنشاء الصناعات اللبنانية وتطويرها، وستشجع الحكومة على إقامة المعارض للإنتاج اللبناني، وتعمل على ربط البرامج الأكاديمية والمهنية باحتياجات السوق الصناعية».
وهنا يقول أبي نصر «إذا كانت الحكومة جدية في ما تقوله، كان عليها تحديد القوانين التي تحتاج الى تحديث أو تغيير. فمعظم القوانين المتعلقة بالصناعة تعود الى العهد العثماني. أما المستجدّ منها فهو سيئ ومدمّر للقطاع، فمثلاً تفرض ضريبة متساوية على المستهلكين إن ابتاعوا سلعاً محلية أو مستوردة، فيما الضريبة على القيمة المضافة مثلاً يجب أن لا تتعدى 5 في المئة على الإنتاج المحلي لتشجيع المواطنين على استهلاكها. كذلك لا بد من دراسة عدم فرض رسوم تأمينية باهظة على عمليات تطوير محطات الكهرباء الخاصة بالمصانع، وبالطبع تحديد نوع الضرائب التي تستوفيها البلديات من المصانع. أما بالنسبة الى المناطق الصناعية فهي موجودة في جميع البيانات الوزارية منذ التسعينيات، إلا أنه حتى الآن لم تقم أي حكومة بخطوة واحدة في اتجاه إنشائها». ويستغرب أبي نصر عبارة «إيجاد مصادر الطاقة البديلة» المذكورة في البيان، ويسأل: «هناك عدد كبير من أنواع الطاقة البديلة، ماذا تقصد الحكومة بما تقوله؟ إنه تنظير لا أكثر».
ويقول أبي نصر إن أولوية الصناعيين ليست إقامة معارض للإنتاج اللبناني في الخارج، إذ يوجد في وزارة الصناعة مبلغ مرصود للمعارض، لكن الأهم هو خفض كلفة الإنتاج. فعندما يعرض الصناعيون اللبنانيون سلعهم تكون أسعارها متقاربة مع تلك التي تعرضها الدول المجاورة والعربية، ويلفت الى أن لبنان يستورد كل شيء، على الرغم من أن الدول الأخرى تحمي قطاعاتها لأن هناك سياسة انفتاح وتشجيع للاستيراد، لا للتصدير.
بدوره، يرى رئيس تجمع صناعيي الضاحية الجنوبية أسامة حلباوي أن المشكلة الأساسية التي تطرّق إليها البيان الوزاري هي المناطق الصناعية، بحيث إن لبنان يفتقر الى هذه المناطق، كما كان على البيان أن يتضمن إعادة درس الاتفاقات بين لبنان والدول العربية، وخصوصاً تلك التي تلغي الرسوم الجمركية في عملية انتقال البضائع، بحيث إن السلع اللبنانية غير قادرة على منافسة تلك الواردة من الدول العربية حتى في السوق المحلية، ويقول: «وكيف لا، إذا كان سعر الكهرباء في لبنان هو 20 ضعف السعر في السعودية مثلاً؟»، لافتاً الى أهمية دعم الصناعات ذات الاستخدام الكثيف للطاقة، بحيث توضع رسوم جمركية على السلع المشابهة المستوردة من الخارج... ويقول حلباوي «بعض الأحيان تتضمن البيانات الوزارية الكثير من الكلام، لكن ليس هناك تطبيق، ونحن سنتابع كيف ستسير الأمور»، لافتاً الى أن المشكلة ليست بوزراء الصناعة، بل بالحكومات مجتمعة بحيث تمتنع عن اتخاذ أي قرار داعم للصناعة.
وإن كانت الصناعة كقطاع قد ذكرت في البيان الوزاري، إلا أن الصناعات الغذائية التي تتصدّر لائحة الصادرات الصناعية اللبنانية لم تذكر أصلاً في البيان الوزاري، على الرغم من الإشكالات العديدة التي تواجهها. ويشير رئيس نقابة الصناعات الغذائية جورج نصراوي الى أن كلاً من القطاع الصناعي والزراعي لم يحظَ باهتمام فعلي في البيان الوزاري، وتداخل هذين القطاعين ينتجان الصناعات الغذائية، لافتاً الى أن ما ذكر في الفقرة المقتضبة عن الصناعة في البيان الوزاري يعدّ عناوين حقيقية لتطوير القطاع، إلا أنها تتردد مع كل بيان وزاري وتبقى حبراً على ورق، وأن العبرة دائماً في التنفيذ...


82843 عاملاً صناعيّاً

في القطاع الصناعي، منهم 8100 من مالكي المصانع، بينما 4560 عاملاً موسمياً. ويشير المسح الصناعي الى أن ما يقارب 78 في المئة من المؤسسات الصناعية توظف ما بين 5 و19 عاملاً، بينما تمثل المنشآت التي توظف أكثر من 100 عامل 3 في المئة فقط من مجموع المنشآت


الحكومة السابقة: وعود

ضمّت الحكومة السابقة عدداً من الوزراء في الحكومة الجديدة، وقد وعدت بتطوير القطاع الصناعي ولم تف. وجاء من ضمن وعودها: تفعيل دور المجلس اللبناني للاعتماد وهيئة إنشاء وإدارة مراكز التجمع الصناعي. إنشاء جهاز من القطاعين العام والخاص يعمل باستمرار على تنفيذ قانون حماية الإنتاج الوطني. المساعدة على تعزيز القدرة التنافسية للصناعات اللبنانية، ولا سيما تلك التي تعتمد على استخدام كثيف للطاقة. زيادة الصادرات المحلية من خلال تفعيل إنتاجية القطاع وتحسين جودة المنتجات الصناعية وتشجيع الصناعات الجديدة ذات القيمة المضافة التي يستطيع لبنان المنافسة بها على نطاق إقليمي وعالمي.

اقتصاد
العدد ١٤٥٥ الخميس ٧ تموز ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق