23‏/9‏/2011

«البلاوي» تتجدد: لبنان نجا من سموم زراعية




رشا أبو زكي
الحاج حسن: دخلت المرفأ بصفة «كلس» والقضاء لا يحاسب المخالفين
مزاد المواد المستوردة الفاسدة مستمر: قمح، لحوم، أدوية، سمسم، أرز، زنجبيل، عدس، فاصوليا، سمك، بزورات. كل ما يخطر على بالكم، وكل ما لا يخطر. المستوردون منزعجون من إجراءات الرقابة الصارمة في مرفأ بيروت كما يبدو. إدارة الجمارك ووزارة الزراعة مستمرتان في قطع بعض من أنفاس الفاسدين. إلا أن الأكيد أن اللبنانيين لا يزالون تحت رحمة الفوضى القاتلة. أمراض تجتاج الأُسر. الموت من جراء التسمم في كل منطقة من لبنان. زهق الأرواح مقابل حفنة دولارات... واقع مستمر.
وبين فترة وأخرى، يخرج وزير الزراعة في مؤتمر، يعلن أن «البلاوي» تستوطن أسواقنا. فمن كان يتوقع مثلاً أن تعمد إحدى الشركات الوهمية الى شراء حوالى 15 مستوعباً من السموم الممنوع دخولها الى لبنان إلا بكميات محدودة؟ من يستطيع أن يستوعب أن أحد التجار مقابل حوالى 300 ألف دولار (قيمة المستوعبات) لا يتوانى عن قتل أطفال وأناس عبر تسويقه وبطريقة غير مشروعة مبيدات زراعية ممنوعة عالمياً بسبب احتوائها على كميات كبيرة من السم؟ أمس أعلن وزير الزراعة حسين الحاج حسن أن تجار كانوا ينوون توزيع «سم» خطر على المزارعين، ليدخل عبر الخضروات الى بيت كل لبناني. بعض التجار قتلة!
فمنذ الساعة العاشرة والنصف تقريباً، انطلق عدد من الصحافيين برفقة وزير الزراعة ومدير الجمارك شفيق مرعي لاستكشاف مواد فاسدة مستوردة موجودة في حرم مرفأ بيروت. فُتح المستوعب الأول، سدّت رائحة مريعة أنوف الجميع. فالمواد الفاسدة عبارة عن سموم تُستخدم مبيدات زراعية. الشعار المرسوم على المستوعب كما على علب المبيدات هي طبعاً جمجمة وعظمتان. خطر على الحياة. اسم المبيد «مايدرين». مكتوب عليه العبارة التالية: «غاز سام جداً، يستخدم تعقيم تربة البيوت البلاستيكية أو الحقول الخارجية، وتعقيم الحبوب والمستودعات من الحشرات والأمراض». يشرح الحاج حسن أن هذه المادة لا تدخل الى لبنان الا عبر شركتين، وهي لاستخدامات زراعية محددة جداً. إذ يوجد قرار دولي بتقليص حجم استهلاك هذه المادة، وفي لبنان يجب أن ينتهي استهلاكها عام 2015، ولا سيما أن المادة مسموح باستعمالها في لبنان ضمن ضوابط معينة. الشركة المستوردة لهذه المستوعبات «وهمية» وفق ما يقول الحاج حسن، وهي غير مسجلة في وزارة الزراعة. سيتحول ملف الشركة (المعروف صاحبها) الى القضاء كالعادة. سيُفتح تحقيق لمعرفة خلفية عملية تزوير واستيراد بوسائل غير مشروعة. لا يتوقع الحاج حسن الكثير «لقد حولّت كل ملفات المواد الفاسدة الى القضاء، وحتى اليوم لم نحصل على نتيجة واحدة من التحقيقات، حتى الآن لم يصدر أي حكم قضائي بحق أي مخالف». يقول الحاج حسن إنه سيقوم بواجباته في منع المستورد من إدخال بضائعه الى المرفأ، والحرص على منع إدخال محتوى المستوعبات الى السوق اللبنانية «هناك مشاكل كبيرة في هذا الموضوع. التعاون مستمر مع القوى الأمنية، نشكرهم، ونطمئن إلى أن هذه المواد لن تدخل الى لبنان».
مكان الحدث لا يزال مرفأ بيروت. على بعد أمتار من مستوعب السموم الأول، هناك مستوعب آخر. يُفتح الباب. الرائحة تزاداد سوءاً. هنا القضية أكثر تعقيداً في اتباع آليات التزوير، أكثر وضوحاً في عملية التهريب. فالمستورد جاء بمستوعباته على أساس أنها «كلس» للبناء. تتكدس عشرات الأكياس بعضها فوق بعض، لكن خلفها علب سموم أيضاً، مكدّسة كذلك في مخبئها «الكلسي». اسم المبيد الزراعي «بارتالك». «مبيد حشري شامل الاستعمال، يعمل عن طريق الهضم والملامسة. يقضي على كافة أنواع الحشرات...». على العبوة اسم المستورد: «الشركة الزراعية اللبنانية ـــــ لبنان». تحت العبوة تحذير من أن المنتج والموزع يضمنان نوعية المبيد. لكنهما غير مسؤولين عن النتائج طالما «ليس لهما إشراف على استعمال وتخزين هذه المواد». هذه المواد سامة أيضاً وممنوعة من الدخول الى لبنان. اسم الشركة غير موجود أصلاً في سجلات وزارة الزراعة، التي تتوافر لديها اسماء جميع الشركات المستوردة للمبيدات. عدد المستودعات المستوردة تسعة، وبعدما جرى الكشف عليها تبين أنها ممنوعة من الدخول. وهناك خمسة مستوعبات أخرى يجري الكشف عليها اليوم للتأكد من أنها تحوي المواد ذاتها. يقول الحاج حسن لـ«الأخبار» إن الكشف لم يبدأ بعد على محتويات العبوات، إذ قد تكون هذه المواد أكثر خطورة من البيانات المكتوبة على العبوات. يصف العمل بأنه من صنع شبكة إجرامية. عمل غير مشروع، تهريب، تزوير، تحايل على القانون، واعتداء على الصحة والسلامة العامة.
الغريب في هذا الإطار أن هذه المستودعات موجودة في المرفأ منذ فترة، الا أنه حتى اليوم لم يتقدم أحد لأخذ هذه البضاعة. يشير الحاج حسن الى أنه عقد اجتماعاً مع المسؤولين في المرفأ بحث خلاله في الإجراءات العامة التي ستُتخذ، «لأن هناك تجاراً يستغلون الخط الأخضر في الجمارك حتى يمرروا بضاعة مزورة وفاسدة». ينهي الحاج حسن كلامه بأنه خلال يومين «سيكون هذا الملف في النيابة العامة، لأن هذا التهريب يوازي جريمة قتل».
مدير الجمارك شفيق مرعي أعلن أن «إدارة الجمارك ستصدر إجراءات جديدة مشددة لضبط عمليات التهريب. ووضعنا خطة عمل قاسية بإشراف وزير المال محمد الصفدي، وأدعو التجار الى التعامل مع الجمارك من الآن فصاعداً بشفافية وصدق. وحذر كل من يرتكب المخالفات لأننا سنرفع الغرامات الى أعلى مستوى».
بوابات المستوعبات السامة أُقفلت. الجميع هرب من الرائحة القوية للمبيدات. «ختيار» ينظر الى المستوعب. بيده حقيبة صغيرة. يبتسم منتصراً بعيداً عن أضواء الكاميرات ووسائل الإعلام. فهو «الكشّاف». نسأله عن معنى مهنته هذه. بابتسامة يقول: «يعني بكشف عالمستوعبات». «أنت من اكتشفها؟». «نعم» يقول بخجل، ويهرب من السؤال المقبل.
اقتصاد
العدد ١٥١٩ الجمعة ٢٣ أيلول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق