13‏/9‏/2011

لعنة شهر الـ«ميم»




المدارس المازوت والمؤونة: همّ أيلول الثقيل

كلفة الكتب والقرطاسية ارتفعت أيضاً هذا العام (مروان طحطح)
«نتمنى إلغاء شهر أيلول، تماماً كما يتمنى كل رئيس عربي، من كل قلبه، إلغاء يوم الجمعة»، يقولها سعيد بحدة وكأنه فعلاً أمام طرح مطلبي. فهذا الشهر يحمل كل عام نفقات إضافية إلى الأُسر اللبنانية، أبرزها: المدارس، المؤونة والمازوت. وهذا العام تأتي هذه النفقات مع ارتفاعات كبيرة في أسعار معظم السلع والمواد الأساسية للمواطنين
رشا أبو زكي
بدأ وجع الرأس لجميع سكان المنزل. سعيد منهمك مع زوجته في كتابة لائحة طويلة تتضمن كل المدفوعات المترتبة عليهما هذا الشهر. القسط الأول لمدارس أبنائهم الثلاثة: 1500 دولار. قرطاسية وملابس رياضية: 600 دولار. ثياب شتوية جديدة للأولاد: 300 دولار. مؤونة الشتاء (سكر، أرز، عدس، صعتر، مربيات، كشك، مخللات، زيت...): 600 دولار. مازوت (قبل أن ينقطع مع بدء المطر ككل عام): 500 دولار. انتهت اللائحة. المجموع العام: 3500 دولار. ينظر سعيد إلى زوجته ويبتسم. يقلب قلم الرصاص. الممحاة أصبحت تتحكم بالأرقام. المجموع العام الجديد بعد حذف بنود أساسية: 2470 دولاراً.
يتنفس الزوجان بحدة. يقول سعيد لزوجته: ماذا سنلغي الآن؟ بابتسامة ساخرة ينصح زوجته بالآتي: «أنا أرى أن نمنع أولادنا من الدراسة. لماذا نريد زيادة همومهم؟ أنا وأنت تعلمنا بما فيه الكفاية لنحصل على الشهادات، وها نحن غير قادرين على توفير مبلغ لنبدأ العام الدراسي الجديد من دون ديون». يحمل هاتفه: «ألو، سأستدين منك 1000 دولار، سأسددها على دفعتين». يقفل الهاتف وينظر إلى زوجته: «إنه أخي، لقد وافق كالعادة».
فمع بدء شهر أيلول من كل عام، ينطلق عدّاد المدفوعات لدى الأسر اللبنانية. في هذا الشهر لا مجال للفرار من التزامات سنوية مرهقة تلقي بثقلها الكامل على المواطنين. ففي زحلة مثلاً، يطلق المواطنون على شهر أيلول لقباً مختصراً: شهر الـ«م». فالميم هنا تختصر كافة النفقات الإضافية المقبلة: مدارس، مؤونة، مازوت. والـ«ميم» قابلة للاتساع لتشمل أحرفاً أخرى. أحرف تزيد من النفقات، الأعباء، الخوف الدائم من الشهر «المنحوس».

لعنة الـ "م " دارس
طبعاً، تتصدر لائحة «الـ«ميم» أقساط المدارس؛ إذ تفيد آخر الإحصاءات عن نسبة الطلاب المسجلين في المدارس الخاصة في لبنان في مقارنة مع إجمالي عدد المسجلين في المدارس في السنة الدراسية 2009ـــــ2010، بأن هذه النسبة تخطت الـ69 في المئة، وبالتالي لا يوجد سوى 31 في المئة من الطلاب مسجلين في المدراس الرسمية. وفي معادلة كهذه، لا يمكن الاحتكام إلى هذه النسبة للقول إن الوضع الاقتصادي في لبنان جيد. فالاستنتاج الواقعي هو أنه حتى الفقراء يفضلون أن «يشحذوا»، على أن يسجلوا أولادهم في المدارس الرسمية. فسعيد الذي يتقاضى 1200 دولار شهرياً، ويضاف إليها 800 دولار، وهو راتب زوجته، لا يفكر أبداً في نقل أولاده الثلاثة إلى المدرسة الرسمية. «المدارس الرسمية مستواها التعليمي متدنٍّ، فيما المدارس الخاصة تدفعني إلى الاطمئنان إلى مستقبل أولادي».
ومن هنا، فإن أكثر من نصف طلاب المدارس في لبنان سيصطدمون في بداية السنة الدراسية 2011ـــــ 2012 بزيادة أقساطهم. وهذا الموضوع ليس تكهناً؛ إذ يدفع اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة إلى زيادة القسط المدرسي العام المقبل بمعدل 300 ألف ليرة عن كل طالب، على أن يرتفع هذا المعدل لدى المدارس التي تضم أكثر من 1500 طالب. وسبب الزيادة هذه بحسب أصحاب هذه المدارس هو زيادة الدرجات الأربع ونصف الدرجة التي أقرت لمعلمي مرحلة التعليم الأساسي، وبالتالي ستزيد إلى ميزانية إنفاق أسرة سعيد 900 ألف ليرة سيعرف عنها خلال قراءة هذا الموضوع!
أما كلفة الكتب والقرطاسية ومستلزمات المدرسة من حقائب وثياب وغيرها، فقد ارتفعت هي الأخرى هذا العام. ويشير سعيد إلى أنه كان يدفع ما لا يقل عن 500 دولار عن أولاده الثلاثة ثمناً للقرطاسية وثياب الرياضة التي تلزمهم بها المدرسة. إلا أنه تبلغ هذا العام بزيادة القيمة المخصصة لهذه اللوازم بمبلغ 100 دولار. «هذا من دون الحديث عن الحقائب التي يراوح سعرها بين 20 و 40 دولاراً، بحسب الحجم الملائم لكل طفل». وحين يصل الأمر إلى الملابس المخصصة للأطفال، فعندها لا بد من أن يسيطر «الهم» على وجوه الأهل. «سعر البنطال الذي أشتريه لي لا يتعدى 20 دولاراً. مدهش أن سعر بنطال ابني الذي لا يصل طوله إلى متر واحد يصل إلى 20 دولاراً كذلك»!

لعنة الـ "م" ازوت
أهل الساحل لا يهمهم هذا البند كثيراً، إلا أن «ما لا يقل عن 400 ألف لبناني يحتاجون بشدة إلى مازوت التدفئة»؛ إذ يؤكد الباحث في قضايا السكان الدكتور علي فاعور أن عدد السكان القاطنين في مناطق جبلية، الذين يحتاجون بشدة إلى التدفئة، يراوح ما بين 300 إلى 400 ألف نسمة، لافتاً إلى أن هذا العدد هو حصيلة من يبقى في القرى الباردة بعد أن تحصل عملية نزوح سنوية من القرى نحو المدن أو المناطق القريبة من الساحل. وفي جولة لـ«الأخبار» على بعض أهالي قرى الشوف، تحتاج عائلة مؤلفة من 4 أشخاص إلى ما لا يقل عن 5 براميل من المازوت للتخزين في أيلول. وفي هذا الإطار، يشرح سعيد أنه يستهلك وعائلته 6 براميل من المازوت في الأشهر الأربعة الأولى من كل عام، إلا أنه لا يستطيع أن يخزن مازوت بأكثر من 500 دولار بسبب كثرة المدفوعات في هذا الشهر. علماً بأن كل برميل يتألف من 10 صفائح من المازوت. ويبلغ سعر البرميل الواحد نحو 200 دولار، ويرتفع دوماً مع بداية الشتاء، والسبب الدائم: «كثرة الطلب، الانقطاع من السوق... فالسوق السوداء»!
إلا أن «ميم» المازوت لا ينحصر عبئها بالتدفئة في المناطق الجبلية، بل يطال معظم الأسر من خلال تأثيرها على بدلات الاشتراك لدى أصحاب المولّدات الخاصة؛ إذ ارتفع بدل الاشتراك بـ5 أمبير إلى 100 دولار في الكثير من الأحياء والقرى!

لعنة الـ "م" ؤونة
«مونة الشتاء» قد يعدّها البعض «موضة قديمة»، إلا أنه بالنسبة إلى سوسن «لا تقل أهمية عن المدارس». وتشرح: «أحياناً تمر أسابيع من دون قدرتنا على شراء «ترويقة» للأولاد، فيكون الزعتر هو المنقذ. وأحياناً يحول الشتاء دون قدرتنا على الخروج من منزلنا. وغالباً ما تكون «المونة» منقذاً ضرورياً لخفض كلفة الطعام؛ نظراً إلى أن أسعار المواد الغذائية في ارتفاع متواصل». وتحليل سوسن صائب؛ إذ يؤكد رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية عادل أبي شاكر أن أسعار المواد الغذائية مقبلة نحو الارتفاع خلال الأشهر المقبلة. إلا أن حجم الارتفاع لن يكون كبيراً، لكن سيعكس زيادة التضخم في الدول المصدرة للمواد الغذائية. أما النسبة فتراوح بين 5 و 7 في المئة. وشدد على أن أسعار المواد الغذائية كالبورصة، فهي تنخفض وترتفع بنحو متواتر، وهذه المعادلة مرتبطة بحجم الإنتاج والمواسم الزراعية والأكلاف الإجمالية والعرض والطلب، لافتاً إلى أن ارتفاع الأكلاف الداخلية من نقل وتخزين في المرفأ ومعاملات استيراد وغيرها تؤثر كذلك على ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

23 في المئة
هي نسبة تضخم الأسعار حتى نهاية الفصل الثاني من عام 2011، وفق ما إشار إليه رئيس جمعية المستهلك زهير برو لـ«الأخبار»، علماً بأن هذه النسبة تشمل 160 سلعة وخدمة أساسية للمواطنين. وقد تركز الارتفاع على المواد الغذائية بنحو أساسي.

مزيد من الـ«م»
لا تقتصر المدفوعات الإضافية خلال شهر أيلول على المؤونة والمدارس والمازوت؛ إذ تضاف إليها نفقات أخرى، من ضمنها الـ«م»وتير. فكلفة الاشتراك في المولدات الكهربائية ارتفعت منذ بداية الشهر الجاري بطريقة عشوائية ما بين 20 إلى 30 دولاراً عن كل 5 أمبير بحسب المناطق. علماً بأن الأسر تزيد حاجتها إلى الاشتراك في المولدات مع بدء الموسم الدراسي.
إضافة إلى هذه الكلفة الزائدة، يدخر بعض العائلات أموالاً للطبابة. فموسم الزكام يبدأ عادة مع الانتقال من الصيف إلى الشتاء، وتتزايد نسبة الذين يدخلون إلى المستشفيات في شهر أيلول من كل عام.
اقتصاد
العدد ١٥١٠ الثلاثاء ١٣ أيلول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق