3‏/4‏/2012

القمح «المسوّس» دخل السوق!



المطاحن تحوي نوعاً واحداً من القمح فيما يجب ان تحوي نوعين، الطري والصلب (هيثم الموسوي)

الحاج حسن: نوعيّته سيّئة لكنّه ضمن المواصفات الصحيّة الدنيا
دخلت 25 الف طن من القمح الاميركي سيئ النوعية الى السوق اللبنانيّة أول من أمس، بعدما أعلن وزير الزراعة حسين الحاج حسن أنه «مسوّس»، والسبب أن التجار استطاعوا الحصول على أسوأ نوعية من القمح لكن ضمن الحد الأدنى من المواصفات الصحية! أبشروا أيها اللبنانيون

رشا أبو زكي

إنه العهر التجاري، هذا هو بالفعل الوصف الذي ينطبق على ادخال شحنة القمح الاميركي الفاسد الى السوق اللبنانية أول من أمس. عهر استطاع أن ينتصر على «الخطة» الاصلاحية التي يقوم بها وزير الزراعة حسين الحاج حسن، والشركاء كثر، منهم كارتيل الافران والمطاحن وبعض المتنفعين في السلطة اللبنانية!

فبعدما طربت عقول اللبنانيين خلال اليوميين الماضيين، للأخبار عن شحنة من القمح الاميركي أوقفها وزير الزراعة حسين الحاج حسن في مرفأ بيروت منذ 10 ايام، اذ أعلن أنها تحوي على قمح مسوس، وأكد أنه لا يستطيع محاسبة المخالفين وانما التضييق عليهم لا أكثر، إذ إنه «حتى الآن لم يحاسب أي شخص من الذين حُولت ملفاتهم الى القضاء»... هذا التصريح تأكد بالفعل لا بالقول فقط، إذ هبّ رئيس نقابة اصحاب الافران كاظم ابراهيم الى وسائل الاعلام أيضاً معلناً أن لبنان لا يمتلك قمحاً، ملوّحاً بأزمة رغيف مقبلة، محاولاً الضغط، عبر رغيف الخبز، كما اعتاد، على وزير الزراعة للموافقة على ادخال شحنة القمح المذكورة، تماما كما حصل في سوق اللحوم الحمراء في العام الماضي...
تهويل وتخويف، سوس وفساد، فما الذي جرى؟ لماذا أدخلت 25 ألف طن من القمح المشبوه الى السوق اللبنانية أول من أمس؟ وهل يتناول اللبنانيون خبزاً مجبولاً بالسوس؟ الجواب هو نعم!
فقد أعلن الحاج حسن لـ«الأخبار» أنه أوقف الشحنة بعد الاشتباه في نوعيتها، وبعد ارجاء الفحوصات، تبين أن نوعيتها سيئة، وقد ارسلت وزارة الاقتصاد بالتنسيق مع وزارة الزراعة عينات من هذا القمح الى مختبرات خارجية، فتبين أن تجار الأرواح لا القمح عمدوا إلى استيراد نوعية سيئة من القمح، الا أنه يدخل ضمن تصنيف «الحد الأدنى» في المواصفات المطلوبة، وقال: «عملوها على الحفة، ليستطيعوا ادخالها الى السوق اللبنانية»! ولفت الى أن بعض التجار يأتون بأسوأ البضائع للاستهلاك، ويحاولون التلاعب على المواصفات المطلوبة، فصحياً دخلت هذه الشحنة الى السوق، الا أن جودتها «تعيسة جداً»!
وأضاف الحاج حسن أن استخدام التجار وسائل الإعلام للضغط عليه لن ينفع، وقال «فليذهبوا لشراء قمح نظيف، وصحة الناس ليست لعبة بيد أحد، والأسلوب الذي يتبعونه يزيدني قناعة وصلابة ولن يؤثر على قراراتي»، وشدّد على أن اسعار القمح العالمية انخفضت كثيراً ولا مبرر لاستيراد انواع سيئة من القمح، وأضاف «إنه احتكار، وما يقومون به عبر وسائل الاعلام هو استخفاف بعقول الناس وصحتهم».
فقد سبق أن أوقف وزير الزراعة في نيسان من العام الماضي شحنة من القمح الاوكراني الفاسد المستورد من مصر عبر شركة «هاريكو» اللبنانية لصاحبها محمود الحريري، وقد بيّنت نتائج التحليلات المخبرية حينها أن هذه الشحنة غير صالحة حتى للاستهلاك الحيواني، وقد وجهت الوزارة حينها كتاباً الى المدعي العام التمييزي لملاحقة المستورد بتهمة الغش. كذلك وجهت كتاباً إلى إدارة الجمارك لإصدار قرار بمنع التاجر من استيراد القمح مجدداً ومنع إدخال الشحنة... لم ييأس تجار الارواح، فإذا بشحنة من القمح الاوكراني المستورد من مصر توقف الشهر الماضي في مرفأ بيروت أيضاً ويتبين انها تحوي قمحاً فاسداً، وقد اعلن الحجر الصحي في وزارة الزراعة عدم السماح لها بالدخول الى السوق اللبنانية، واتُّخذ قرار ترحيلها. وأشار الحاج حسن إلى أن هذه الشحنة مكثت في إحدى الدول العربية 7 أشهر قبل استيرادها الى لبنان!
ومنذ يومين، عادت قضية القمح الفاسد لتسيطر على الاجواء، فمنذ 10 ايام دخلت شحنة من القمح الاميركي استوردتها شركة «ضباعي» لصالح وزارة الاقتصاد والتجارة بحجم 25 ألف طن الى مرفأ بيروت، وبعد فحصها تبين وجود قمح ينخره السوس في الشحنة، وقد بينت التحاليل التي اجرتها وزارة الزراعة تفاوتاً في احدى النتائج، وبالتالي لجأت وزارتا الزراعة والاقتصاد الى مختبرين في فرنسا.
في هذه الاثناء، كانت الشحنة قد أفرغت في الاهراءات لكن منع دخولها الى السوق اللبنانية، وقد سافر الحاج حسن، فيما انتفضت نقابة اصحاب الافران لا المطاحن (وهنا المفارقة)، وأعلن رئيس اتحاد نقابات المخابز والأفران كاظم ابراهيم ان نوع القمح الموجود في لبنان لا يكفي لطحنه وتوزيعه على الافران، مشيراً إلى ان باخرة اميركية افرغت كمية من القمح في المرفأ لكن وزارة الزراعة منعت دخولها بسبب احتوائها على «سوسة زو». وحذّر ابراهيم من أن المطاحن في منطقة الشمال لن تستطيع تزويد المواطنين بالطحين، مناشداً وزارتي الاقتصاد والزراعة الاهتمام بالموضوع قبل ان يتحول إلى كارثة! وقال ابراهيم لـ«الأخبار» إن تصريحه جاء بعدما تبين أن المطاحن تحوي نوعاً واحداً من القمح فيما يجب ان تحوي نوعين، الطري والصلب، بحيث يُخلطان لإنتاج الخبز الأبيض. وتوجهت «الأخبار» بسؤالين الى ابراهيم: «ما هو نوع القمح الموجود في الشحنة الاميركية: طريّ أم صلب؟»، فأجاب ابراهيم: «لا أعلم». «ما هو نوع القمح الموجود إذاً في المطاحن؟» أجاب: «لا أعلم». «وكيف تقول وتؤكد أن لبنان يفتقد نوعاً من القمح، ماذا لو أن الشحنة الاميركية تحوي النوع نفسه الموجود في المطاحن؟»، فأجاب ابراهيم «نحن نعلم كل شيء، ووزارة الاقتصاد تستورد صنفاً آخر غير الذي تستورده المطاحن»!
وفي هذه الاثناء أعلنت وزارة الاقتصاد أن سحب عينات من بواخر القمح يحصل عند وصول الباخرة واثناء تفريغ حمولتها بانتظار انتهاء التحاليل اللازمة لوضعها بالاستهلاك. وأن الفحوصات التي اجريت وفقاً لمواصفات ليبنور الخاصة بالقمح جاءت مطابقة وبالتالي مطابقة لشهادات المراقبة الصادرة عن وزارة الزراعة الاميركية وBUREAU VERITAS العالمية. وأنه إذا لم تكن هذه الشحنة من القمح مطابقة للمواصفات المطلوبة فسيعاد تصديرها على نفقة البائع...
على أي حال، تبينت في هذه المعمعة ظاهرة غريبة، لماذا انتفض رئيس نقابة أصحاب الافران لا اصحاب المطاحن؟ فالأخيرة هي المعنية بهذا الحدث الجلل، وأشار عدد من اصحاب الافران إلى أنهم فوجئوا بتصريح رئيس نقابتهم بالتلويح بأزمة رغيف، في حين ان القمح بأصنافه وأنواعه موجود لدى وزارة الاقتصاد والتجارة، كما أنه لم ينفد من المطاحن.


370 دولاراً أميركياً

سعر القمح العالمي الذي على اساسه وُضع نظام الدعم للمطاحن وخفض وزن الربطة إلى ألف غرام، واستمر الدعم رغم انخفاض الأسعار العالمية إلى 260 دولاراً، وقال رئيس الاتحاد العمالي غسان غصن إن ذلك يثير فضيحة تتصل بسياسة الدعم التي انتهجتها الحكومات السابقة


ابتزاز ونهب منظّم

قال رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن لـ«الأخبار» إن ما قام به اتحاد نقابات الافران هو استكمال لمسلسل التخويف نفسه، وطالب الحكومة في بيان، وخصوصاً وزارة الاقتصاد والتجارة، بأن تولي حماية المستهلك الأولوية القصوى، ودعا الحكومة الى استيراد القمح لحسابها وملء الأهراءات بالقمح العالي الجودة لحماية لقمة عيش المواطنين من تحكّم «كارتل» أصحاب المطاحن واستغلال تقلّب الأسعار لرفع سعر الطحين وابتزاز الدولة من خلال الدعم المالي الذي لا يعدو إلا نهباً منظماً لخزينة الدولة.

اقتصاد
العدد ١٤٥٠ الجمعة ١ تموز ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق