17‏/11‏/2011

صناعة ترفع نخب لبنان



بيروت الكبرى الأكثر استهلاكاً للنبيذ والبيرة... والعرق يتراجع 90%

تطوير صناعة الكحول ينعكس تنمية في عدد من القطاعات الزراعية (هيثم الموسوي)
تعدّ صناعة المشروبات الروحيّة من بين الصناعات الأكثر أهمية في لبنان، إذ تواكب التطورات العالمية في الذوق الاستهلاكي، وتعمل على الإنتاج وفق جودة ومعايير عالمية. وعلى الرغم من الآفاق الواعدة لهذه الصناعة، إلا أن الإهمال الحكومي يطاولها بقوة. فهذه الصناعات تصنّف على أنها «صناعات غذائية»، وتجمع في الإنتاج قطاعي الصناعة والزراعة. وهكذا تعيش تحت وطأة الإهمال الرسمي لكلا القطاعين!
رشا أبو زكي
هل صناعة الفودكا والويسكي حكر على الدول الصناعية الكبرى؟ هل العرق هو المشروب الأكثر استهلاكاً في لبنان؟ وهل إنتاج النبيذ يشهد تراجعاً بسبب المنافسة الأجنبية في السوق المحلية؟ الجواب عن كل هذه الأسئلة هو كلا. في لبنان مصانع لكل أنواع المشروبات الروحية. العرق شهد تراجعاً في الإنتاج من 25 مليون قنينة في الثمانينيات الى 2.5 مليون قنينة في عام 2011. النبيذ والبيرة لا يزالان يتربعان على عرش السوائل الكحولية الأكثر إنتاجاً في لبنان، والأكثر تنافسية في السوق المحلية. أما الحملات التي قامت في المناطق لمنع بيع المشروبات الروحية فلم تؤثر على الاستهلاك إلا بنسب لا تذكر.
وحتى اليوم، لا تزال بيروت تحتل المرتبة الأولى في نسبة الاستهلاك، يليها جبل لبنان، ومن ثم الجنوب والشمال، فالبقاع.
الصناعة هذه تشغّل المئات من اليد العاملة اللبنانية في أكثر من 500 مصنع كبير وصغير، إضافة الى مئات المزارعين في المناطق. وعلى الرغم من الأهمية التي تحيط بهذا القطاع الصناعي ـــــ الزراعي، إلا أن الدولة اللبنانية لا تزال غائبة بمختلف أجهزتها عن تنميته. لا إرشاد للمزارع، لا تحفيز للاستثمارات، ولا حتى مساعدة في التسويق الخارجي لمنتجات معظمها دخل ساحة المنافسة في الأسواق العالمية: القاعدة أن جهود التطور القطاعي كلها فردية ووفق مبادرات خاصة!

بيروت في أعلى القائمة
تبين إحصاءات نقابة منتجي الكحول والخمور والمشروبات الروحية في لبنان أن لبنان أنتج هذا العام مليوناً و450 ألف صندوق من البيرة، فيما استورد 950 ألف صندوق. كما أنتج 825 ألف صندوق من النبيذ، واستورد حوالى 94 ألف صندوق. وكذلك ينتج لبنان الويسكي والفودكا وغيرها من المشروبات، ويصدر نسبة كبيرة من إنتاجه. وتظهر الإحصاءات أن بيروت وجبل لبنان يستحوذان على غالبية الاستهلاك المحلي في كل أنواع المشروبات الروحية، فيما تحل مناطق الجنوب في المرتبة الثالثة. وفي التفاصيل، تستهلك بيروت 53 في المئة من إنتاج الويسكي، وبعدها جبل لبنان 33 في المئة، لتتوزع النسب الباقية على كل من الجنوب (6%) والشمال (4%) والبقاع (4%). في استهلاك البيرة والنبيذ، تتطابق الإحصاءات وفق القاعدة الهرمية ذاتها: بيروت 55 في المئة، جبل لبنان 30 في المئة، الجنوب 8 في المئة، الشمال 6 في المئة والبقاع 1 في المئة.
سبب تركز الاستهلاك في بيروت وجبل لبنان له أسبابه، بحسب رئيس نقابة منتجي الكحول والخمور والمشروبات الروحية، كارلوس العظم. مناطق الأطراف تعاني انخفاضاً كبيراً في القدرة الشرائية، وازدياداً في النزوح الداخلي نحو بيروت الكبرى، كما أن مراكز السهر متركزة بمعظمها في بيروت وجبل لبنان. ويؤكد أن منع المشروبات الروحية في عدد من المناطق الجنوبية لم يغيّر كثيراً في نسبة الاستهلاك، فالمحال التي منعت صغيرة، ومن كان يبتاع منها المشروبات الروحية أصبح يتوجه الى مناطق أخرى، وبالتالي لم ينعكس هذا الواقع انخفاضاً ملحوظاً في نسب الاستهلاك.

تطور مع بعض الخيبات
العرق هو الخاسر الأكبر في عملية تطور صناعة الكحول في لبنان. يشرح العظم أن سبب تراجع الإنتاج من 25 مليون قنينة عرق في الثمانينيات الى 2،5 مليون قنينة يعود الى أسباب عديدة، أهمها توجه الشباب نحو المشروبات الأخرى، على اعتبار أن العرق مشروب تراثي، والبدائل الأكثر حداثة هي مشروب الفودكا المطعّم بالنكهات.
فقد بقي حوالى 25 مصنع عرق كبيراً، إضافة الى عشرات المصانع الصغيرة وعشرات المصانع غير المصرح عنها، إذ إن أكلاف إنتاج هذا المشروب شهدت ارتفاعاً خلال السنوات الماضية، كما احتدمت المنافسة مع البلدان المجاورة، وخصوصاً تركيا وسوريا. والتعثر القطاعي لم يلق التفاتة رسمية، فالحكومات المتعاقبة منذ انتهاء الحرب الأهلية لم تعمل على تقديم أية مساعدة للحفاظ على هذه الصناعة الوطنية. والمقصود هنا ليس الدعم فقط، بل إرشاد المزراعين وتوفير الأدوية الزراعية وتقديم الاستشارات الرسمية المطلوبة لإنتاج اليانسون، وهذه مطالب رئيسية لخفض كلفة إنتاج العرق. فلبنان يستورد حوالى 350 إلى 400 طن سنوياً من اليانسون، ما يرفع من كلفة الإنتاج، إضافة الى استيراد القناني بعدما ضرب مصنع «ماليبان» في حرب تموز. في المقابل، فإن كلاً من سوريا وتركيا تنتجان هذين المكونين الأساسيين (يانسون وقناني) في إنتاج العرق.
البيرة في أعلى قائمة الإنتاج، فقد وصل حجم التصنيع المحلي الى مليون و450 ألف صندوق هذا العام، فاحتلت هذه الصناعة المرتبة الأولى في استهلاك المشروبات الروحية. ويشير أحد المطلعين على ملف إنتاج البيرة الى أن هذه الصناعة لها آفاق تطويرية ضخمة، إلا أن شركة واحدة تسيطر على غالبية السوق اللبنانية، ما يقلص من الخيارات الاستهلاكية.
وعلى الرغم من شهرته الكبيرة، وجودته التي تضاهي المعايير العالمية، فإن قطاع صناعة النبيذ قبع في أدراج الإهمال الحكومي كذلك. لكن هذا الواقع لم يمنع من ازدياد نسبة الاستهلاك 10 في المئة سنوياً، وكذلك نسبة التصدير. فالعنب المحلي يكفي حاجة المصانع، وازدياد الطلب يسهم في المحافظة على الوتيرة التصاعدية في الإنتاج، في حين أن حجم استهلاك النبيذ المستورد لا يتعدى 10 في المئة من حجم استهلاك النبيذ المحلي. والأسباب متعددة، أهمها جودة تصنيع النبيذ ومعاييره، في مقابل أسعاره المقبولة.
وبحسب رئيس نقابة الصناعات الغذائية جورج نصراوي، فإن لبنان يضم حوالى 33 شركة لإنتاج النبيذ، وقسم كبير منها نشأ في السنوات الأخيرة، وبذلك يمكن اعتبار الموجة التصاعدية لهذه الصناعة في أولها، إن كان في السوق المحلية أو العالمية.
أما صناعة الويسكي، فقد تراجعت في فترة ما بعد الحرب. انفتاح أوروبا الشرقية على أوروبا الغربية كان سبباً في تراجع التصدير، وكذلك ازدياد العراقيل التصديرية الى العراق. وبذلك، خلت الساحة لثلاثة مصانع كبرى، معظم إنتاجها يذهب الى الخارج، أما التركيز المحلي فعلى الفودكا، لا بل على الفودكا المطعّمة بنكهات تحديداً.


3
هي مرتبة الصناعات الغذائية في قائمة الصادرات اللبنانية، وتأتي صناعة الكحول في المرتبة الثانية ضمن الصناعات الغذائية. ويؤكد رئيس نقابة الصناعات الغذائية أن نمواً كبيراً يشهده هذا القطاع مع ارتفاع حجم الاستثمارات والتنويع في أصناف المنتجات المصنّعة


وزارة الصحة «لا» تحذّر!
يقول شاعر إيران الكبير حافظ الشيرازي: «وشارب الخمر الذي لا رياء فيه ولا نفاق خير من بائع الزهد الذي يكون فيه الرياء وضعف الأخلاق». هكذا يعبّر أحد بائعي المشروبات عن حملات منع محال الكحول من فتح أبوابها في عدد من المناطق. ولكن لماذا لا توضع ملصقات على زجاجات الكحول للتحذير من مضار الإفراط في تناولها، تبدأ بـ«وزارة الصحة تحذر»؟ إذ إن أي حكومة لبنانية لم تعمل على تنظيم بيع الكحول، ولم يصدر أي قانون لوضع الملصقات الإرشادية على هذه المنتجات.
اقتصاد
العدد ١٥٦٤ الخميس ١٧ تشرين الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق