7‏/3‏/2012

الهبات الخارجيّة في عنق المخالفات الماليّة



هبات بملايين الدولارات تنفقها الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ 11 عاماً بلا أي رقابة. هبات تأتي وتذهب من دون أن تدخل في إيرادات الموازنة ونفقاتها. مخالفة قانونية رفضها ديوان المحاسبة وكذلك لجنة المال والموازنة، إلا أنها لم تتوقف
رشا أبو زكي
أكثر من ملياري دولار من الهبات الخارجية التي قُدِّمت إلى لبنان منذ عام 2000 مجهولة المصير. غير معلوم أين صُرفت وكيف ومتى؟ وصفة المجهول هذه لا ترتبط بوجود القيود من عدمه، بل من عدم إخضاع هذه الهبات لأي رقابة مسبقة أو لاحقة. كيف؟ صدر خلال السنوات السابقة عدد من المراسيم والقرارات المتعلقة بقبول الهبات، إلا أنه لم يجر تنسيبها بمعظمها، فلم تدخل إلى الموازنة كإيرادات، وبالتالي لم تخرج من الموازنة عبر اعتمادات للإنفاق. تستتبع هذه المخالفة القانونية الخطيرة في عالم المحاسبة المالية خيوط أخرى تثير الشكوك والشبهات، إذ إن عدم تخصيص اعتمادات لصرف هذه الهبات، يعني أنه لم يجر تحديد الجهة المستفيدة من الهبة، ولا كيفية توزيعها، ولا مراقبة إمكان التلاعب بوجهة الهبات ومصيرها.
وتبيّن الوثائق من وزارة المال أن قيمة الهبات التي لم يجر إدخالها إلى الموازنة عبر مراسيم فقط (من دون القرارات) بين عامي 2000 و2006 يصل إلى أكثر من نصف مليار دولار (حوالى 560 مليوناً و109 آلاف دولار، تتضمن 127 مليوناً و601 ألف دولار أميركي، 223 مليوناً و779 ألف يورو، 177 مليون ين ياباني، 55 مليوناً و200 ألف دينار كويتي، 2 مليار و231 مليون ليرة لبنانية، 20 مليون يوان صيني، 6 ملايين فرنك فرنسي، 5 ملايين مارك الماني).
أما قرارات قبول الهبات التي لم تصدر فيها مراسيم، أو لا تتطابق مع المراسيم الصادرة على أساسه، فقيمتها أكثر بحوالى ضعفين من قيمة المراسيم المتعلقة بالهبات. وإذا جرت دراسة الهبات المقدمة إلى الدولة اللبنانية خلال عام 2005 فقط، يتبيّن أن الحكومة اللبنانية قبلت هذه الهبات بموجب 20 مرسوماً بقيمة حوالى 10 مليارات و141 مليون ليرة لبنانية، في حين صدر 13 قراراً حكومياً لقبول هبات في العام نفسه بقيمة تصل إلى حوالى 133 مليار ليرة. ويظهر أن المراسيم بشأن الهبات لم تحترم أحكام قانون المحاسبة العمومية، ولا سيما المادة 52 منه (التي تشير إلى أنه «تُقبل بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء الأموال التي يقدمها للدولة الأشخاص المعنويون والحقيقيون، وتُقيّد في قسم الواردات من الموازنة. وإذا كانت لهذه الأموال وجهة إنفاق معينة فتحت لها بالطريقة نفسها اعتمادات بقيمتها في قسم النفقات»)، باستثناء ثلاثة مراسيم حيث اعتبرت الهبة التي قبلت بموجب كل منها إيراد موازنة، وفتح اعتماد بقيمتها وفقاً لإرادة الواهب. ومن بين المراسيم الثلاثة، لم تحصّل سوى هبة واحدة وتدوّن إيراد موازنة في الخزينة. فيما الإنفاق الذي حصل بموجب الهبات التي لم تدوّن كإيراد موازنة لا علم به. وتُظهر الوثائق أنه من أصل هبات تبلغ أكثر من 143 مليار ليرة لبنانية، لم يدخل إلى الخزينة سوى هبة واحدة بقيمة 15 مليون ليرة. وهذا المبلغ يعود إلى هبة مقدمة من الجالية اللبنانية في منروفيا إلى وزارة الدفاع، وقد قُبلت الهبة المذكورة بموجب المرسوم رقم 15507 تاريخ 19 تشرين الأول 2005 وفُتح اعتماد بقيمتها في موازنة عام 2005.
وهذا الواقع ينطبق على الهبات المقدمة خلال سائر السنوات منذ عام 2000 حتى اليوم، بحيث أصبحت قوانين الموازنة تتضمن نصاً يجيز للحكومة إنفاق الهبات الخارجية، بما فيها الجزء المحلي، خلافاً لأحكام قانون المحاسبة العمومية، وبخاصة المادة 52 منه. وبالطبع تتعلق الوثائق هذه بالهبات التي تلقّفتها الحكومات اللبنانية، إلا أنها لا تطاول الهبات المقدمة إلى الدولة اللبنانية، التي جرى قبولها من قبل الهيئة العليا للإغاثة، والتي تعتبر مخالفة كبيرة للقانون.
ويظهر في تقرير ديوان المحاسبة لعام 2005 أنه «يقتضي التمييز بين الهبات التالية: الهبات التي يتولاها مجلس الإنماء والإعمار ويمكن لديوان المحاسبة ممارسة الرقابة عليها من خلال رقابته المؤخرة على حسابات المجلس. الهبات التي يتولى محتسب المالية المركزي مسك حساباتها وهي تظهر في حساب مهمته ويمكن لديوان المحاسبة ممارسة الرقابة عليها من خلال رقابته المؤخرة على حساب مهمة محتسب المالية المركزي. الهبات التي تتولاها مباشرة الوزارات والإدارات المستفيدة ولا تظهر حساباتها في حسابات مجلس الإنماء والإعمار ولا في قيود محتسب المالية المركزي، إذ تفتح لها وفقاً لقوانينها الخاصة حسابات خاصة في مصرف لبنان خارج حساب الخزينة رقم 36 تتولى إدارتها الجهة المستفيدة بالتنسيق مع الواهب».
وأكد الديوان في تقريره ضرورة «إخضاع الهبات المشار إليها لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة، وضرورة استصدار النصوص التنظيمية اللازمة لتحديد آلية إرسال حساباتها والمستندات والمعلومات المتعلقة بها إلى ديوان المحاسبة، تمكيناً له من إجراء الرقابة التي أناطتها به قوانين الموازنات المتعاقبة». إلا أن مناشدات الديوان بقيت حبراً على ورق، إذ يؤكد قانون المحاسبة العمومية أن الهبات هي إيرادات موازنة ويجب أن تقيد في قسم الواردات من الموازنة، وتخصص لتغطية عجز الموازنة، أي قصور الإيرادات المحصلة عن تغطية النفقات المصروفة، ما لم تكن لها وجهة إنفاق معينة وفقاً لإرادة الواهب، فيفتح لها اعتماد في قسم النفقات من الموازنة وتخصص حصراً لتغطية هذا الاعتماد. وبالتالي، أدّت عملية عدم تنسيب الهبات دوراً في خلخلة الوضع المالي في لبنان، وذلك عبر عدم تسجيل الهبات كجزء من الإيرادات أو من النفقات، ما زاد من العجز الحاصل في الموازنات المتلاحقة.
سياسة
العدد ١٦٥٣ الاربعاء ٧ آذار ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق