17‏/8‏/2011

جنون أسعار الذهب يمسّ لبنان



رشا أبو زكي
السوق في دوامة التذبذب والزبائن يتحاشون المبادرات الخاسرة
عينا غنوة تتسعان، وفمها يرسم ابتسامة عريضة، إذ إن سعر الذهب يرتفع الى مستويات تاريخية، وقد بلغ ذروته هذا الشهر، والليرات الذهبية التي تحتفظ بها ارتفعت قيمتها 200 دولار. «يبدو أن الحظ يحالفني، فقد يصل سعر الأونصة إلى ألفي دولار، وحينها سأبيع، لأنني أخاف أن يعود الى الانخفاض»... بالطبع لا مكان للحظ في تذبذب أسعار الذهب، فالأزمة المالية التي تتخبط بها الولايات المتحدة الاميركية وعدد من الدول الاوروبية بدأت تتسع، والمضاربون الهاربون من سوق العملات والأسهم والسندات وجدوا ملاذهم في سوق المعادن، وخصوصاً الذهب. أما ارتفاعه حيناً وتراجع سعره حيناً آخر فيرتبط مباشرة بالمؤشرات الاقتصادية والسياسية الدالفة الى البورصات العالمية بتسارع، فالتحاليل تختلف في الساعة أكثر من مرة، ومعها تختلف التوقعات، لتصبح المعطيات العالمية بشأن تطور اتجاه الأزمة ميزاناً يرفع سعر الذهب ويخفضه...
وفما ارتفاع سعر الذهب له فوائده على احتياط لبنان من الذهب الذي يعدّ ثاني أكبر احتياط في العالم العربي بعد السعودية، إلا أن واقع الأسعار غير المستقر انعكس مباشرة على سوق الذهب في لبنان، تجارة وصناعة، والانعكاس ليس بمطمئن في طبيعة الحال، إذ إن المنتجين كما التجار دخلوا دوامة الجنون العالمي، والزبائن خائفون من أي مبادرة بيع أو شراء قد تودي بهم في خسائر يجهدون في الابتعاد عنها.
فالمشكلة ليست في ارتفاع سعر الذهب، إذ يشرح رئيس منتجي المجوهرات بوغوس سوريديان أن الأزمة الفعلية هي حال عدم الاستقرار في السعر. ففي ما يتعلق بالتجارة، فإن عمليات البيع والشراء بين التاجر والزبون صعبة فعلاً، وتشهد جموداً حقيقياً وصل الى ذروته خلال الشهر الجاري. فأن يبيع التاجر الذهب، يعني أنه دخل في لعبة البورصة، لكونه لا يعلم إن كان قادراً على شراء الحجم نفسه من الذهب التي جرى بيعه بالسعر ذاته، وغالباً ما يكون تعويض الكميات التي بيعت عبارة عن عملية خاسرة.
ويلفت سوريديان إلى أن التاجر يشتري من الزبون ويعيد بيع الذهب الى تاجر الجملة، ليربح فارق سعر الصياغة، إلا أن عملية كهذه أصبحت منذ شهر تقريباً مغامرة فعلية. فسعر الذهب يختلف بين ثانية وأخرى، إلا أن عملية شراء التجار للذهب من الزبائن ليست المرحلة الأسوأ في عملهم، حيث إن المشكلات الاجتماعية في لبنان ضيّقت رقعة اللبنانيين القادرين على ادّخار الذهب، وبالتالي يفيد سوريديان بأن المشكلة تعدّت هذه العمليات الى حركة سوق بأكمله؛ فارتفاع سعر الذهب قلّل حجم المبيعات بطبيعة الحال، فمن هو مضطر الى شراء الذهب أصبح يخفض من وزن مشترياته، ويتجه نحو التقنين، «إذ نجد اليوم طالبي الزواج يكتفون بالمحابس بدلاً من شراء ما يسمى الشبكة»، ويلفت الى أن عاملي التذبذب وارتفاع السعر أدّيا الى تراجع المبيعات التجارية ما بين 50 الى 60 في المئة بين هذا العام والعام الماضي. فقد زاد من الأزمة تراجع عدد السياح في لبنان، وتراجع القدرة الشرائية المحلية.
ومن جهة أخرى، يؤكد سوريديان أن عمل منتجي الذهب تراجع بين 70 الى 75 في المئة منذ أن دخل الذهب في لعبة عدم الاستقرار، وقد أسهمت في تعميق المشكلة الأحداث التي تلف الدول العربية، والتي أدت الى تراجع حجم صادرات الذهب بنحو دراماتيكي، وخصوصاً أن 80 في المئة من الانتاج المحلي للمجوهرات يصدّر الى الاسواق الخارجية. ويشير سوريديان إلى أن ما حدث في البورصات العالمية على مدى السنوات الاربعة الماضية تكلل خلال هذه الفترة بخسائر ضخمة مُني بها القطاع الانتاجي في لبنان، بحيث أغلق بين 10 الى 15 في المئة من مصانع الذهب في لبنان، فيما صرف أكثر من 50 في المئة من المصانع العدد الاكبر من العمال، (يتراوح العدد غالباً بين 5 و10 عمال)، وبالتالي يمكن القول إن عدداً كبيراً من المصانع يتجه أيضاً نحو الاغلاق، واستمرار التذبذب الحالي في الاسواق العالمية سيكون بمثابة الضربة القاضية. أما رئيس نقابة تجار الذهب والمجوهرات في لبنان سعد الدين بعاصيري فيختصر المشهد بعبارة واحدة: «كأن الناس تلقوا ضربة على رؤوسهم»، شارحاً أن هناك ضياعاً فعلياً لدى الزبائن كما التجار، إذ لا يوجد قاعدة فعلية تحدد إن كان سعر الذهب سيتجه انخفاضاً أو ارتفاعاً، ما يؤدي الى دخول جميع التجار والزبائن الى لعبة البورصات العالمية. ويلفت بعاصيري الى أن ارتفاع اسعار الذهب لا يمكن مقاربته من دون النظر الى انخفاض القدرة الشرائية لدى المواطنين جراء الأزمة الاقتصادية الضاربة. فمن لديه مناسبة زواج يشتري ضمن امكانيات محددة، ومن يرد ادّخار الذهب يبق متسمّراً على الشاشات الاقتصادية ليراقب سعر الذهب قبل أن يقرر المباشرة في عملية الشراء. أما التجار، فيشير بعاصيري إلى أنهم يتبعون السوق العالمية، ومضطرون الى الدخول في بلبلة الاسعار عند كل عملية بيع أو شراء، ما يزيد من التأثيرات على الزبائن سلباً طبعاً، لافتاً الى أن أرباح التجار تتأثر بطبيعة الحال بتذبذب أسعار الذهب. فكل كمية تباع، يجب تعويضها بشراء كمية توازيها.


المعدن الأصفر مذهول بنفسه!
خلال الأسابيع الماضية، سجّل سعر الذهب العالمي مستويات تاريخية. وفي كل نهار تقفل البورصات على سعر أعلى، فيما يتخلل الجلسات تذبذب في العملة الصفراء صعوداً وهبوطاً. فيوم أمس ارتفع سعر الذهب 1 في المئة في المعاملات الفورية، بعد بيانات ضعيفة بشأن النمو في ألمانيا جددت المخاوف من الركود، وصعد الذهب إلى 1784.09 دولاراً للأونصة، بعدما سجل مستوى أعلى خلال الجلسة وصل الى 1786.20 دولاراً للأنصة. ولكن وصول الذهب الى هذا السعر مرّ بمطبات بدأت منذ الصباح الباكر، فانخفض إلى 1764.20 دولاراً للأونصة ثم ارتفع إلى 1771.60 دولاراً، كما وصل الى 1779.69 دولاراً وكذلك الى 1813.79 دولاراً، وبالطبع ارتبطت الأسعار هذه بقلق المستثمرين من تقلبات أسواق المال. ورأى روس نورمان، المحلل في دار الوساطة المتخصصة شاربس بيكسلي، أن الذهب «ميزان رائع لقياس القلق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي».
اقتصاد
العدد ١٤٨٩ الاربعاء ١٧ آب ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق