23‏/8‏/2011

ماذا يعني تراجع النمو في لبنان؟




انخفاض الاستهلاك والإنتاج وارتفاع البطالة

ليس هناك قاعدة إحصائية محددة لاحتساب تقديرات النمو (أرشيف ــ مروان طحطح)
دائماً ما يجري الحديث عن النمو كمؤشر اقتصادي عام، إلا أن الدخول في خصوصية ارتفاع النمو أو انخفاضه تظهر تأثيراته المباشرة في حياة المواطنين، ومع اتجاه النمو الاقتصادي في لبنان الى الانخفاض في نهاية عام 2011، يبحث الاقتصاديون عن انعكاساته، فتظهر البطالة، وتراجع الصادرات، وانخفاض القدرة الشرائية بطريقة فاقعة
رشا أبو زكي
«النمو الاقتصادي». عبارة يسمعها اللبنانيون منذ فترة طويلة في مقاربة المسؤولين للوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان. النمو ارتفع، يتبادل المسؤولون القُبَل والتحيات. النمو انخفض، تُعقد حلقات «القهوة السادة» والبكاء على أطلال السنة السالفة، لكن هل النمو في لبنان يرتبط فعلاً بالمواطنين؟ وإلى أي مدى يمكن التعويل على نمو خال من التنمية، وهل يجب على اللبنانيين الاستمرار في اعتبار هذه العبارة لغزاً من الأفضل تجنب تفكيكه؟ أم أن تأثيرات تراجع النمو أو ارتفاعه مرتبطة مباشرةً بحياتهم، وخصائص عملهم وإنتاجهم ودخلهم؟ إذ إن الثورات العربية لفّت لبنان اقتصادياً، وأثرت بالطبع في تباطؤ النمو الاقتصادي، وهذا السير السلحفاتي ظهر جلياً في النصف الأول من عام 2011، الذي شهد صراعات خارجية وكذلك محلية. وعلى وقع هذا الصخب، توقع صندوق النقد الدولي انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى نسبة 2.5 في المئة، ما يعكس بطبيعة الحال ازدياد المشكلات الاجتماعية والاقتصادية القائمة، فيما أشار تقرير «إيكونومسيت» الأخير، الى أن نسبة النمو الحقيقي في الاقتصاد اللبناني ستشهد تراجعاً الى 1,8%.
أليس من المفترض أن يكون النمو الاقتصادي أكثر ارتباطاً بالوضعين الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين؟
ففي لبنان، النمو بعيد عن أي خطة تنموية فعلية. وبحسب الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي، فإن النمو من المفترض أن يكون مرتبطاً بكافة القطاعات العاملة، إلا أن الدولة اللبنانية هي عدوة للشعب. مليارات الدولارات لا تزال مكدسة في المصارف من دون استخدامها عاملاً فعلياً للتنمية. المصرف المركزي «مسكّر» على مليارات الدولارات لتثبيت سعر صرف الليرة، والمبرر هو المحافظة على دخل الأسر وقدرتها الشرائية، لكن هذه السياسة أثبتت عقمها، في ظل الانهيار الاجتماعي الحاصل. ويرى يشوعي أن ضخ الأموال من المصارف الى زيادة الاستثمار وتحفيز الشركات والقطاعات يزيد النمو، ما يرفع الأجور بسبب ارتفاع الربحية، فيتراجع التضخم وينخفض الاستيراد. ولا معنى للنمو إن لم يكن يستخدم لتطوير البلد وتنميته. ويسأل: «ما فائدة أن يرتفع النمو 10 في المئة، إن بقي اللبنانيون بلا كهرباء ولا مياه ولا ضمان ولا بيئة ولا أجور؟».
فقد حققت تونس، كما مصر، مثلاً معدلات نمو مرتفعة، إلا أن عدم ارتباط النمو بالتنمية أدى الى أزمات اجتماعية، والى ثورات ضخمة. وبالتالي، يقول الخبير الاقتصادي مازن سويد، إن النمو بلا تنمية هو نمو غير عادل، كما أن التنمية لا تتم بلا نمو. فالنمو يحتاج الى تنمية لكي يصبح أكثر ثباتاً. ويشرح أن استثمار لبنان في البنى التحتية موجود، لكن ليس بفاعلية. والاستثمار الاجتماعي موجود، لكن من دون عدالة. أما التنمية الاقتصادية، فهي الأكثر سوءاً. لم تعمل أي حكومة على تحقيق إنماء اقتصادي، بحيث لا توجد مصانع متطورة ومحفزة، لا زراعة نموذجية ولا استثمارات اقتصادية في مناطق الأطراف.
ويشرح رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان، أن الناتج المحلي الإجمالي يتأثر بمحددات النمو، وخصوصاً الاستهلاك والاستثمار. وجزء من الاستثمار والاستهلاك يتأثر بالتحويلات الخارجية، وبالتالي حين يتراجع الناتج المحلي فهذا يعني أن أحد هذه العوامل شهد انخفاضاً. ومعدل النمو يختزل أنشطة مليون وربع مليون لبناني (إجمالي عدد العاملين)، إضافةً الى القطاعات الناشطة، وبالتالي فإن انخفاض هذا المعدل يضرب مباشرةً هذه المكونات. فتراجع النمو هو إنذار لمشكلة، إن كان من ناحية المالية العامة للدولة، او من ناحية قدرات الأسر الشرائية، أو من ناحية العمل الاستثماري، ما يخلق تململاً اجتماعياً متزايداً.
وحمدان يتحفظ على الكثير من التقديرات في معدل النمو، بسبب غياب القاعدة الإحصائية المحددة، بحيث إن معظم الأرقام هي محاولة استخلاص أرقام. مشدداً على أن الحكومات العاقلة تحاول تعويض انخفاض معدل النمو في الاستهلاك، برفع الاستثمار الحكومي وتحفيز القطاع الخاص، ما يخلق فرص العمل ويزيد المداخيل...
ويوضح يشوعي أن مكونات الناتج المحلي هي التالية: مكون الاستهلاك السنوي أي استهلاك القطاع الخاص. والثاني الاستثمار الخاص. الثالث النفقات العامة او الموازنة، وهي تعني الاستهلاك والاستثمار العامين، والإنفاق استهلاكي واستثماري. والمكون الرابع الصادرات. وما يخفض النمو هو حجم الاستيراد (لذلك نطالب بخفض العجز في الميزان التجاري لكي لا يؤثر في نمو الناتج). وبالتالي هذه المكونات تصنع النمو في العالم. إذا ارتفعت هذه المكونات يرتفع النمو، أي ترتفع قيمة الناتج المحلي، وإذا انخفضت ينخفض النمو.
ويلفت يشوعي إلى أن اتجاه النمو نحو الانخفاض هذا العام يشير الى وجود مشكلة في تراجع الاستهلاك أو الاستثمار أو الصادرات، أو تراجع كل هذه المكونات، أو ارتفاع الاستيراد بنسبة كبيرة، وكل هذه المؤشرات تدل على وجود تباطؤ في الحركة الاقتصادية على نحو عام.
وتراجع النمو عام 2011 ليس وليد هذا العام، فقد بدأت ملامحه تتكون وفق سويد منذ صيف عام 2010، أي مع ارتفاع حدة التوتر السياسي. فالتوتر هذا يرتبط بالنمو من خلال عامل الثقة، لكون البلد قائماً على الخدمات من سياحة واستثمار محلي وغيرهما. وتمتد التأثيرات الى الاستثمار الخارجي والتحويلات المالية وغيرها. ويعكس النمو عادةً وضع العمالة ويؤثر فيه، فالاقتصاد القائم على خدمات ينتج قيمة مضافة ويخفض البطالة، لكن لو أن الاقتصاد قائم على القطاعات التقليدية، فإن توليد فرص العمل يصبح بهامش أوسع. والمعروف أن خدمات البرمجة او الإعلام والاقتصاد الحديث مهمة، لكنها لا تخلق فرص عمل كالقطاعات الإنتاجية، وخصوصاً في المناطق المهمشة. ويشدد سويد على أن الحكومات اللبنانية منذ الاستقلال لم تستطع خلق قطاعات توجِد فرص عمل، فالقاعدة الأولى في تطوير القطاع الصناعي هي خلق دولة مركزية قوية، وفي الزراعة كذلك، وبالتالي فإن أي تفكير في تغيير قاعدة ارتباط النمو بالتنمية يجب أن يبدأ بتفعيل الاقتصاد الفعلي، وتطوير عناصر الاقتصاد الأخرى.


50 ألف
هو عدد الباحثين عن العمل سنوياً في لبنان، من ضمنه المتخرجون الجدد، وذلك في ظل اقتصاد دولي متدهور، واقتصاد إقليمي متأزم، إضافة الى المشكلات المحلية، ما يقلل فرص إيجاد عمل لهؤلاء.

ضغوط إضافية على الاقتصاد
يقول الخبير الاقتصادي لويس حبيقة إن أول تأثير لضعف النمو هو على البطالة والأجور. ويلفت الى أنه علم أخيراً أن عدداً كبيراً من الشركات صرف عماله، فيما هناك شركات أخرى تشغل عمالاً عبر تقسيط رواتبهم. وثمة شركات لم تعد توظف عمالاً جدداً «وهذا موضوع خطير فعلاً». وضعف النمو يعني أن عدد السكان يزداد والاقتصاد لا يكبر، ما يخلق مشكلة اجتماعية واقتصادية حقيقية. واللافت أيضاً تراجع فرص العمل خارج لبنان، وهذا يزيد الضغط على الاقتصاد اللبناني، في غياب أي سياسة حكومية لاحتواء هذه الأزمة.
اقتصاد
العدد ١٤٩٤ الثلاثاء ٢٣ آب ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق