23‏/12‏/2011

الهيئات الاقتصادية: تحركات تصعيدية و«غير مسبوقة»



الهيئات الاقتصادية ترفض مرسوم تصحيح الأجور بالمطلق. التهويل بتحركات غير مسبوقة متوقف على رأي مجلس شورى الدولة، مع توقعات أن «الشورى» لن يوافق على ضم بدل النقل الى صلب الأجر
رشا أبو زكي
قرار تصحيح الاجور الى المعركة مجدداً. الهيئات الاقتصادية أعلنت الحرب، وآليات عملها لوقف تنفيذ القرار واضحة: طعن لدى مجلس شورى الدولة في حال موافقته على القرار من دون تعديل، اضرابات وتحركات تصعيدية، وصولاً الى العصيان المدني. التهويل هذا استباقي، فالتعويل، كل التعويل على مجلس شورى الدولة. في متن رأي مجلس الشورى الرافض لقرار الحكومة الاول في تصحيح الأجور، نص يراه ممثلو الهيئات الاقتصادية واضحاً: «إن تدخل السلطة التنفيذية لأجل تحديد أو تعديل بدل النقل اليومي للمستخدمين والمنح المدرسية عن أولادهم، يخرج عن نطاق التفويض المعطى لها من المشترع بموجب المادة 6 من القانون الرقم 36/67. ويدخل في نطاق ممارسة حرية التفاوض الجماعي التي كفلتها اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن تحديد الحد الادنى للأجور لسنة 1970، كما يدخل ايضاً في إطار ممارسة حرية التعاقد التي كفلها الدستور». هذا النص، يريح الهيئات الاقتصادية «من المستبعد أن ينقلب مجلس الشورى على آرائه، فبدل النقل لا يجب أن يكون ضمن مرسوم الأجور، فكيف اذا كان المرسوم يتضمن ضماً لبدل النقل في صلب الأجر؟» يقول رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس. يرى الأخير ان قرار الحكومة غير قانوني بالمطلق، وبالتالي لن يلقى موافقة مجلس الشورى. منطلقات الرفض الأخرى متشعبة. فبالاضافة الى المنطلق القانوني المتعلق ببدل النقل، هنالك منطلقات «اجتماعية». اذ «لأول مرة في تاريخنا الاقتصادي تتوصل الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام الى وثيقة موقعة ترضي الطرفين، واذا بالحكومة «تتحشر بأمر لا يعنيها»، تبطل ما تم الاتفاق عليه وتفسد العلاقة بين شريكي الانتاج».
آليات التعبير عن رفض مرسوم الاجور ستتخذ خطاً تصاعدياً. في البدء انتظار رأي مجلس الشورى. اذا رفض المرسوم، يبقى على الحكومة الالتزام بالقانون، اذا وافق، يصار إلى تقديم الطعن، وصولاً الى العودة للقواعد التمثيلية للهيئات الاقتصادية، ثم تنفيذ تحركات على الارض. ومن الممكن عقد مؤتمرات مثل ذلك الذي عقد في البيال، ولكن بعد رأس السنة.
لماذا بعد رأس السنة؟ يجيب رئيس جمعية الصناعيين نعمة افرام بأن الهيئات الاقتصادية ارتأت الحفاظ على الهدوء في الاسواق، الى حين انتهاء موسم الأعياد. الا أن العام 2012 سيبدأ بأجندة عمل مركّزة. «اذا رفضت الحكومة الأخذ برأي مجلس شورى الدولة في حال رفضه للمرسوم، فسنبدأ سلسلة تحركات لم يشهد لبنان مثيلاً لها في السابق»، يوضح افرام. اذ تسيطر الهيئات الاقتصادية على مفاصل العمل الاقتصادي في لبنان، واذا لم ينفع الاضراب، يجري تعطيل العمل الاقتصادي بالمطلق. يستغرب افرام صدور مرسوم معاد للإنتاج «اتفاقنا مع الاتحاد العمالي لا يفرق عن مشروع نحاس سوى بادخال الأخير بدل النقل في صلب الراتب». هذه النقطة تحديداً سترفع من اكلاف العمل في لبنان. العامل لن يشعر بأي فرق أو تغيير فعلي في راتبه «فقد طرحنا في ورقة التفاهم مع الاتحاد العمالي زيادة الحد الادنى للأجور الى 675 ألف ليرة، وقيمة الزيادة 175 ألف ليرة. في حين ان مشروع نحاس رفع الحد الادنى الى 868 ألف ليرة، أي ان الفارق عن ورقة الاتحاد العمالي والهيئات الاقتصادية يتعلّق فقط بموضوع زيادة بدل النقل اليومي وضمه الى صلب الراتب، وهذان البندان في مرسوم الأجور يعتبران مخالفة قانونية».
يشرح افرام أن ضم بدل النقل «مؤلم». إذ يكلف المؤسسات إنفاقاً اضافياً كبيراً بلا مساعدة العمال. ومن جهة اخرى، يرى رئيس جمعية الصناعيين أن في اصدار قرار كهذا مشكلة بنيوية وغير منطقية. في العامين 2000 و2002 تم تطبيق قرارات موجعة بحق القطاعات المنتجة في لبنان، وهي إلغاء الرسوم الجمركية على المستوردات، هذه القرارات جعلت الانتاج الوطني بلا حماية، وكان المبرر أن لبنان يتبع الاقتصاد الحر. اليوم، يتخذ مجلس الوزراء قراراً يدل على ان النظام الاقتصادي في لبنان ليس حراً، وهذا القرار سيزيد من الاعباء على الانتاج الوطني، وبالتالي ستقع الصناعات اللبنانية بين شقي عدم الحماية بحجة الاقتصاد الحر، وزيادة اكلافها تحت غطاء الاقتصاد المسيّر من قبل الدولة. ويسأل: «أين المنطق الاقتصادي في قرار كهذا؟». يوضح افرام أنه لو كان الانتاج في لبنان يحظى برعاية حكومية، لكان أمكن فتح النقاش في زيادة الاعباء، لكن في ظل هذا الواقع، يصبح قرار زيادة بدل النقل أزمة فعلية. يقدر الزيادة التي سيدفعها صاحب العمل عن كل عامل الى الضمان بنحو ألف دولار سنوياً، من دون احتساب الزيادة اللاحقة على الأجر. اما رفض اصحاب المؤسسات السياحية لمرسوم تصحيح الاجور، فهو بسبب «تعارضه مع الإنماء المتوازن في القطاع السياحي». اقرار مرسوم الأجور وفق اقتراح وزير، وليس وفق اتفاق بين اطراف الانتاج، لا يمكن وضعه سوى في خانة النكايات السياسية، يقول رئيس اتحاد النقابات السياحية بيار اشقر. يشرح أن المؤسسات السياحية خارج بيروت تعدادها بالآلاف. هذه المؤسسات توفّر لموظفيها نقلاً خاصاً، او مكاناً للمبيت ضمن الفندق، وضم بدل النقل الى الأجر يجبر هذه المؤسسات على دفع تكاليف النقل مرتين. ويرى أن قرار الضم مرفوض، وخصوصاً انه لا يستثني المؤسسات التي توفّر نقلاً خاصاً لموظفيها من مفاعيله، (علماً أن هناك امكانية لاسترداد كلفة هذه الخدمة من الموظّف بحد اقصى يبلغ 140 الف ليرة شهرياً).
وإن كان التجار والصناعيين قد حددوا «مواطن الخلل» و«آليات التحرك»، فإن بيان الهيئات الاقتصادية وصف مرسوم الأجور بـ«الخطيئة» والذي يجب ابطاله. وإن قرار الحكومة جاء نتيجة انقلاب موصوف على الاتفاق الرضائي الموقع في القصر الجمهوري والذي كان قد جرى التوصل إليه للمرة الاولى في التاريخ الاقتصادي الحديث، بين طرفي الانتاج، أي أصحاب العمل والعمال، بعد حصيلة مشاورات مضنية، قبل جلسة مجلس الوزراء. وأعلنت الهيئات انها «مضطرة الى عدم تطبيقه لأن أضراره لن تطول أصحاب العمل فقط، بل العمال أيضاً، بسبب الإقفال الذي سيطول عدداً كبيراً من المؤسسات الانتاجية».
سياسة
العدد ١٥٩٣ الجمعة ٢٣ كانون الأول ٢٠١١

هناك تعليق واحد: