31‏/10‏/2011

الحركة النقابية تدفن مرسوم الأجور




العمال والأساتذة والمعلمون يتكاتفون لفرض تصحيح عادل

خلال اعتصام ضد الاتحاد العمالي العام (أرشيف ــ بلال جاويش)
عُقد أمس المؤتمر النقابي الوطني الأول. الاتحاد العمالي العام كان خارج المعادلة. المتحدّثون أكدوا أن أحداً لم يلفظ الاتحاد، بل هو من لفظ دوره بعدما تخلّى عن مهمته في الدفاع عن حقوق العمال ومكتسباتهم. والتكتل النقابي الكبير هذا رفع توصيات كثيرة، لا تنحصر بتصحيح الأجور، بل تتعداه إلى صوغ برنامج جديد للمطالب العمالية، يجعل من الأجر «أجراً اجتماعياً» محرراً من كلفة الخدمات الأساسية العامة، وأهمها الضمان الصحّي والتعليم والنقل
رشا أبو زكي, فاتن الحاج
أمس، كانت الحركة النقابية ذات وجه مشرق، بعد كسوف طبع عمل قيادة الاتحاد العمالي العام منذ سنوات طويلة، وتمظهر في أسوأ أوجهه خلال الأسابيع القليلة الماضية. هيئة التنسيق النقابية بكل تكويناتها كانت على المنبر، وبدلاً من المدح ودق أبواب السياسيين، انتقدت، أصرت على مواقفها، ودقت على قبر الحركة النقابية لتعيد استنهاضها. كانت الهيئة مع عدد من الاتحادات العمالية تعلن «مراسم الدفن». الوجوه مبتسمة. الكلمات تهدد بالإضراب والتحركات. يوجد نوع من النصر يتسلل من عبارات التحدي هذه. من الميت؟ ولم هذا الموت تحديداً يغلف قاعة الأونيسكو بالفرح بدل الحزن؟
يصل رئيس رابطة التعليم الثانوي حنا غريب إلى المنبر على وقع التصفيق. يستكمل عبارة قالها في الاعتصام الأخير للأساتذة والمعلمين: «قلنا إن قرار الحكومة بتصحيح الأجور قد ولد ميتاً، وإكرام الميت دفنه». يضيف: «أما اليوم، بعد إتمام مراسم الدفن بشهادة مجلس شورى الدولة، فيسرنا افتتاح مؤتمرنا النقابي بتقبل التهانئ بما أنجزناه حتى الآن، تاركين التعازي بهذا القرار لأصحابه». يرتفع صوت الضحك في القاعة.
أصحاب العزاء طرفان: الأول، الهيئات الاقتصادية؛ لأن قرار مجلس شورى الدولة يقضي برفع الحد الأدنى للأجور وإعطاء زيادة غلاء المعيشة، اي للاثنين معاً خلافاً لما طالبوا به بالاكتفاء فقط برفع الحد الأدنى. أما الثاني، فهو قيادة الاتحاد العمالي العام، التي أخطأت بالموافقة على القرار، وهي مطالبة بالعودة مجدداً إلى الحوار المفترض أن يبدأ مطلع الأسبوع المقبل بتصحيح موقفها والتزام ما اتُّفق عليه مع هيئة التنسيق النقابية، أي تصحيح بنسبة 60% على الشطر الأول، 40% على الشطر الثاني، و20% على الشطر الثالث.
وبعد الإعلان عن عائلة الفقيد «غير الغالي» كما يبدو، توجه غريب إلى الحكومة بأن العدالة في قرار تصحيح الرواتب والأجور تقتضي شيئاً واحداً لا غير، هو الأخذ ممن معه لإعطاء من ليس معه. وبما أن عائلة الفقيد مهمومة الآن، والنكسة التي أصابتها ستترك ندوباً على وجهها طويلاً، اختصر غريب المقال. استقبل المهنئين الكثر في القاعة بقوله: «أهلاً وسهلاً بكم من أجل قيامة حركة نقابية ديموقراطية مستقلة». أسئلة تدور في العقول: هل سيكون هذا الحشد النقابي بديلاً من وهن قيادة الاتحاد العمالي العام في حمل مطالب العمال خلال الفترة المقبلة؟ الجواب ليس واضحاً الآن، ولكن الإصرار على عدم دعوة ممثل عن الاتحاد العمالي العام إلى مؤتمر نقابي بعنوان: «الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، الرواتب والأجور، حق التنظيم النقابي»، يزيد من علامات الاستفهام، ولكن جواباً صارخاً جاء على لسان غريب وزملائه بعد حين: سنكون على طاولة الحوار هذه المرّة، لقد انتزعنا حقنا في أن نمثّل أنفسنا في لجنة المؤشّر.

مرسوم سيعدّل
مرسوم تصحيح الأجور سيُعدَّل، يقول غريب. وإذا سارت الأمور بعكس إرادة العمال والموظفين والأساتذة والمعلمين حيال سياسات تصحيح الأجور وسائر ملحقاتها الاجتماعية، تُستأنَف التحركات والإضراب والاعتصام والتظاهر. أما فترة هذا الحوار، فيجب ألا تتعدى الأسبوعين لتُحسم الأمور كافة في لجنة المؤشر... والمطالب كثيرة، أبرزها: «رفع الحد الأدنى وتصحيح الأجور بصورة سنوية على الأقل، تطبيقاً لنص الاتفاقية العربية الرقم 15 لسنة 1983، لا الانتظار اثني عشر عاماً كما فعلت. أن تُصحَّح الأجور على أساس النسب المئوية على الشطور واعتبار كل زيادة على شكل مبلغ مقطوع زيادة مخالفة للقانون، بما في ذلك زيادة الـ200 ألف ليرة عام 2008. وجوب شمول الزيادة جميع العمال والموظفين والأُجراء والمتقاعدين والمتعاقدين من دون استثناء، خلافاً لما فعلوه؛ إذ بدل تقسيم الأجر إلى شطور، قسّموا الأُجراء إلى قسمين، فأعطوا قسماً وتركوا القسم الآخر. إجراء تعديلات جوهرية على النظام الضريبي عبر فرض ضريبة على الربح العقاري وإقرار التغطية الصحّية الشاملة ودخول هيئة التنسيق النقابية إلى لجنة المؤشر، بعد أن كرست نفسها طرفاً نقابياً فاعلاً في الحوار على الأرض من خارج لجنة المؤشر».
رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر، كان حاضراً ومحاضراً في المؤتمر النقابي أيضاً. وقع حضوره كان لافتاً، وخصوصاً بعد قرار المجلس بعدم الموافقة على مشروع مرسوم تصحيح الأجور. قال إن أحد رؤساء مجلس الشورى قد صرّح بأن المجلس وافق على عدد من مراسيم تصحيح الأجور في السنوات السابقة. وأضاف: «لا نعلم من صاحب الحظ السيئ، ولكننا لم نوافق على المرسوم الأخير». يشرح صادر سبب عدم موافقته بقوله إن الأسباب تعود بالأساس إلى اعتبارات دستورية، بحيث إن مجلس النواب فوّض إلى مجلس الوزراء حق التدخل في تحديد الحدّ الأدنى للأجور، لكي يكون الأجر متوافقاً مع ضرورة الحفاظ على كرامة الإنسان، وفوّض إليه كذلك صلاحية تحديد كيفية تطبيق نسب غلاء المعيشة على الرواتب والأجور في القطاع الخاص، مشيراً إلى أن الحكومة خرجت عن التفويض هذا، فلم تعمل على تأليف لجنة مؤشر سنوية لتصحيح الأجر وفق غلاء المعيشة، وزادت 200 ألف و300 ألف ليرة، مخالفة مبدأ المساواة بين المواطنين الذي يحفظه الدستور. وقال: «نحن ننحني أمام السلطة التشريعية لا التنفيذية».
نقيب المعلمين نعمة محفوض مد يد هيئة التنسيق النقابية لكل الاتحادات العمالية؛ «فالمعركة ليست بيننا، بل في وجه حكومة وطاقم سياسي آخر همه وجع الناس وصوتهم، بل يمتهن الاستقواء على الحركة النقابية ومعاملتها بالمفرق». لكن الاستقواء لن ينجح، برأي محفوض مع وجود هيئة تنسيق قوية تملك القرار وتواجه حملة تحميل الموظفين والعمال مسؤولية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان. وقدّم محفوض حلين لا ثالث لهما: إما «تعزيز التقديمات الاجتماعية ومراقبة الأسعار أو إعطاؤنا ما تآكل من رواتبنا، أي نحو 70%، وإذا كنا لا نطلب أن نأخذ هذه النسبة كاملة، فلأننا حرصاء على البلد». وطالب بتعديل مرسوم لجنة المؤشر لتكون هيئة التنسيق النقابية الطرف الرابع فيها. أما بالنسبة إلى منع معلمي المدارس الخاصة من المشاركة في التحركات النقابية، فقد كشف محفوض عن الإعداد لمؤتمر صحافي تُعلن فيه أسماء المؤسسات التي تتعرض للمعلمين، بحيث ستُقاضى، لأن حق الإضراب كفله الدستور.

التصحيح بالأرقام
«لا بد من تجديد الدم في الحركة النقابية»، يقول رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان؛ إذ يجب أن يعود الاتحاد العمالي العام إلى دوره لاعباً أساسياً في تحديد السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتطوير مفهوم الأجر إلى «الأجر الاجتماعي». فقد سُهِّل نقل القرار التفاوضي من المستوى النقابي إلى مستوى المحاصصات السياسية كما حصل في مرسوم تصحيح الأجور الأخير، إلا أن هذا النقل لم يكن موفقاً. الجو استثنائي بحسب حمدان لنهضة الحركة النقابية، ولا بد من الانطلاق من مرتكزات تفاوضية صلبة، منها تحديد الإطار الزمني لتحقيق التصحيح، وتحديد الفترة التي وقع فيها الأجر في مستنقع الضرر الحاصل اليوم، وردم الفجوة الحاصلة بين التضخم المتراكم وقيمة الأجر الفعلية، هذه الفجوة التي تراوح بين 60 إلى 65 في المئة.
يشدد حمدان على ضرورة عدم القبول بزيادة مقطوعة على الاجر، والتشبث بالتوزيع العادل على الشطور، وتحديد الحد الأدنى والاعلى للزيادة. ودعا إلى خوض معركة تصحيح الأجور إلى جانب معركة فرض التغطية الصحيّة الشاملة، شارحا انعكاسات ذلك على الاقتصاد والاوضاع الاجتماعية.
وكان للزميل محمد زبيب محاضرة تحت عنوان «انهيار الأجور ومستويات المعيشة: مسؤولية النمط الاقتصادي القائم»، حيث يرتبط ارتفاع أسعار الصرف الحقيقية بتنامي الودائع، لافتاً إلى تراجع تنافسية الإنتاج المحلي مباشرة، وتركز النمو بنحو رئيسي في قطاعات هامشية، ما استدعى تحويل الوظيفة العامّة إلى أداة توزيعية يستخدمها السياسيون لتوظيف من لم يحالفهم الحظ بالهجرة. وأشار إلى تركز العمالة في القطاعات ذات الإنتاجية المنخفضة، فيما نصف القوة العاملة من العاطلين من العمل أو من العاملين في القطاع غير المنظم. أما حصة الأُجراء من مجمل العمالة فأقل من 30% في لبنان، مقارنة مع أكثر من 70% في الدول الأوروبية المتقدمة، لافتاً إلى أهمية توفير التغطية الصحية الشاملة ممولة من الضريبة على الريوع والأرباح الرأسمالية، لأنها تحدّ من الضغط الحاصل على الأجور وحصّتها من الناتج، فضلاً عن أنها تكفل حق اللبنانيين جميعاً بالصحّة.

حق التنظيم النقابي
في ما يتعلق بحق التنظيم النقابي، ناصر القاضي شكري صادر حق المعلمين والموظفين في القطاع العام بالتنظيم النقابي حين قال: «من الضروري أن يتجمع الموظفون والعاملون في القطاع العام، ومنهم أفراد الهيئة التعليمية في لبنان في تجمعات نقابية لتحسين موقعهم تجاه الإدارة ومطالبتهم بحقوقهم الوظيفية والدفاع عنها». واستغرب الرجل كيف تدخل المشترع لتعديل المادة الـ14 من الدستور لجهة السماح لموظف بأن ينتسب إلى حزب سياسي من دون أن يتولى مركزاً قيادياً ولم يسمح له بالتجمع النقابي، سائلاً: «أي الاثنين أخطر؟». وعلّق بالقول: «هذا الخلل على صعيد مخالفة المشترع لأحكام الدستور لا يعدّل لمصلحة شراكة فعلية بين الموظف والدولة التي قبلت بالروابط بدلاً من النقابات، وهذا أمر معيب».
وأكد رئيس مجلس شورى الدولة أن يكون لكل موظف حق في الانتساب إلى النقابة التي يريدها. وفيما ركز على أن تتبع نقابات المعلمين لوزارة التربية لا لوزارة العمل، شدد على حق المنظمات النقابية في المقاضاة والادعاء، سواء كمدعٍ أو مستدعى في وجهها. والأهم، برأي صادر، الاعتراف لهذه المنظمات بالصفة اللازمة التي تؤهلهم على الصعيد الوطني بإجراء المفاوضات المسبقة مع الحكومة في تحديد الأجور والرواتب وتطورها ومناقشتها على مختلف الصعد التي لها علاقة مباشرة بشروط الوظيفة وتنظيمها مع السلطة القيمة على الإدارة.
ورأى رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة محمود حيدر، أن تحويل روابطنا إلى نقابات «يوفّر لنا نحن الموظفين العامين المشاركة والمساهمة في بحث الإدارة وتطويرها وإصلاحها والدفاع في الوقت نفسه عن قضايانا ومصالحنا». واستغرب الكلام الذي يثار بشأن الأعداد الهائلة لموظفي الإدارة العامة، فيما الوظائف بهيكليتها الحالية في الملاكات هي نحو 25 ألف و475 وظيفة، مشغول منها حسب الأصول أقل من سبعة آلاف وظيفة، ما يؤكد شغوراً كبيراً ونقصاً فاضحاً تعانيه الإدارة، وخصوصاً في الفئات الوظيفية العليا».


25%
هي النسبة التي طالبت هيئة التنسيق النقابية بفرضها ضريبةً على الأرباح العقارية، وإخضاع الفوائد لمعدلات اقتطاع ضريبية بنسبة 15 في المئة، بما يكفي لتوفير التغطية الصحية الشاملة لجميع اللبنانيين وبما يحفظ الحقوق المكتسبة للقطاعات الوظيفية كافة.

تثبيت تعليق قرار الحكومة
اجتمعت اللجنة الوزارية المكلفة مناقشة رأي مجلس شورى الدولة بعدم الموافقة على مرسوم تصحيح الأجور يوم السبت الماضي، وقد ثُبِّت تعليق قرار مجلس الوزراء والعودة إلى الحوار على مرحلتين: الأولى تتضمن إجراء مشاورات ثنائية، والثانية هي دعوة الجميع إلى لجنة المؤشر. وقال وزير الاقتصاد نقولا نحاس لـ«الأخبار» إنّ قرار مجلس الشورى سيُستكمَل درسه، وتقويم ما سيأتي به وزير العمل بعد إجراء الحوار في لجنة المؤشّر، حيث يعود له أن يدعوها مجدداً أو يكتفي بالنقاش السابق، ودرس الواقع الحالي مع وزير المال، للخروج بقرار لا يمكن الطعن به، بأسرع وقت.

اقتصاد
العدد ١٥٥١ الاثنين ٣١ تشرين الأول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق