13‏/4‏/2012

بلى... الحكومة تستطيع خفض سعر البنزين





أسعار البنزين الى ارتفاعات قياسية (مروان بو حيدر)
إن كان اللبنانيون قد أنفقوا ملياراً و500 مليون دولار على البنزين في 2011، فحجم الإنفاق سيرتفع بديهياً في الـ 2012. الأسعار لن تنخفض خلال الأشهر الأربعة المقبلة. الحصار المحتمل على إيران قد يجعل سعر البنزين عند مستوى قياسي. الحلول موجودة ولا أحد يسأل، وعلى قلب المواطنين والنقابات أجمعين «متل العسل»
رشا أبو زكي
كلا، لن تنخفض أسعار البنزين. في 1 حزيران من المتوقع أن يفرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حصاراً على إيران. النتيجة انخفاض في حجم العرض، وارتفاع في الطلب. السعودية تصرح بأنها قادرة على سد النقص الذي سيسببه الحصار على إيران، وهذه الأخيرة تؤكد أنها ستغلق مضيق هرمز (فإيران لن تقف متفرجة على استبدال نفطها بالنفط السعودي)، ليتوقف حينها ضخ النفط السعودي إلى الأسواق.
وبالتالي قد نشهد مستويات تاريخية في نقص العرض النفطي في الأسواق العالمية، ما سيرفع الأسعار أضعافاً. هذا السيناريو ليس مزحة، قد يتحقق خلال شهرين من الآن. لكن مع فرضية أن الحصار «ما صار»، فإن أسعار البنزين تشهد ارتفاعات متواصلة بين 15 آذار و15 آب من كل عام بفعل تزايد الطلب في فصل الصيف، وبالتالي قد يصل سعر صفيحة البنزين إلى 50 ألف ليرة في الصيف المقبل، وبكل سهولة. الأربعاء المقبل، سيرتفع مستوى السخط لدى المواطنين، فالبنزين سيتخطى الـ 40 ألف ليرة. كذلك تشير دراسات تحليلية نشرتها «cnn» أخيراً إلى إمكان وصول سعر برميل النفط إلى ما بين 230-320 دولاراً للبرميل في غضون السنوات الـ 15 المقبلة، إذا تطورت الأزمات الحالية على مستوى العالم أو على مستوى المنطقة العربية خصوصاً، باعتبارها الحجر الأساس الداعم لإنتاج النفط في العالم... قد يخرج مسؤولون، ومنهم وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، ليعلنوا أن السعر المحلي مرتبط بالسعر العالمي، وبالتالي «لا حول ولا قوة». قد يطرح باسيل أيضاً مشروع «السيارات على الغاز»، ليقول إنه البديل. فهل هذا بديل فعلي؟ وهل الحكومة ستنأى بنفسها أيضاً عن تحييد لبنان عن ارتفاع الأسعار، بدعوى أن الأمر ليس بيدها؟
مشروع سيارات الغاز هو «ترف» وليس حلاً؛ إذ إن عملية نقل «موتورات» السيارات من البنزين إلى الغاز تكلّف المواطن 1800 دولار في الحد الأدنى، (طبعاً قبل أن يسيطر الاحتكار على تجارة هذه المحرّكات)، كذلك إن عملية التحويل اختيارية وليست ملزمة، فيما لا مراكز تخزين لهذا النوع من الغاز، ولا محطات خاصة لضخ الغاز إلى السيارات. يقول الخبير النفطي ربيع ياغي إن الحلول في مكان آخر، موجودة ومتوافرة، لكن لا يوجد من ينفذها. فلنفند ما يطرحه ياغي على الحكومة المدعية العجز:
1 _ يجب إعادة النظر في جدول تركيب أسعار المحروقات؛ إذ يجب أن تُّحدد الأسعار على أساس شهري لا أسبوعي. فاستقرار السعر يؤدي إلى استقرار في السوق، ويكون أخف وطأة على المستهلك. كذلك يجب استبعاد الضرائب الجمركية وإلغاء الـ TVA عن البنزين وأنواع المحروقات كافة؛ لأن المحروقات مواد استراتيجية وحاجة أساسية للمواطنين. كذلك يجب فتح باب الاستيراد الحر، وأن تدخل الدولة في عملية استيراد البنزين (وتخزينه) لخلق نوع من المنافسة. لكن إلغاء الضرائب طرح غير واقعي في ظل عدم وجود موازنة وعدم قدرة الحكومة على فرض ضرائب أخرى لتغطية انخفاض إيراداتها؟ يجيب ياغي: «إلغاء الضرائب عن المحروقات هو الطرح الواقعي، أما غياب الموازنة فهو ما يمكن اعتباره غير واقعي». إضافة إلى ذلك، تعتمد فرنسا مازوتاً صديقاً للبيئة لسياراتها، يمكن استيراده ليصبح خياراً متاحاً أمام المستهلك اللبناني.
2 _ أي بلد في العالم غير منتج للنفط ومستورد بالمطلق للمشتقات البترولية كافة ترتبط أسعاره المحلية بأسعار النفط العالمية مباشرة؛ إذ إن البنزين والمازوت والغاز ووقود الطائرات... تأتي من عملية تكرير النفط الخام وتصنيعه. في لبنان مصفاتان للتكرير في الزهراني وطرابلس، ولكنهما اليوم خردة وغير قادرتين على التكرير. لذا، يجب أن يكون المشروع الأول للحكومة وضع استراتيجية الأمن «الطاقوي» عبر توفير مصفاة تكرير بـطاقة 150 ألف برميل يومياً، وهي تستطيع توفير الاحتياجات النفطية كافة للسوق المحلية حتى 15 عاماً. والمصفاة مشروع استراتيجي وأساسي لتوفير الإمداد بالمحروقات وتجنب تقلبات السوق العالمية. علماً بأن بناء مصفاة في لبنان يحتاج إلى ما بين 18 إلى 24 شهراً، لأن البنى التحتية متوافرة.
3 _ يجب أن يكون هناك مخزون بنزين استراتيجي إلزامي للشركات ووزارة الطاقة. الأخيرة تملك أكبر قدرة تخزينية بنحو 600 ألف طن في خزانات طرابلس والزهراني، وهذه القدرة يجب أن تستخدم. كذلك يجب أن تلزم الدولة الشركات بالتخزين وفق قواعد وأسس واضحة؛ فهذه الشركات تستأثر بالسوق اللبنانية، والسوق لها حق على هذه الشركات بتوفير مخزون استراتيجي إلزامي لـ 30 يوماً على الأقل، بهدف تجنب تقلّب الأسعار العالمية.
تشرح دراسة للباحث النفطي العراقي وليد نزهت نشأت، أن دول العالم غيرت سياستها تجاه الطاقة تغييراً جذرياً بعد أزمة 1973 النفطية، وما عاناه كل بلد على درجات؛ إذ قررت الحكومات الصناعية في ذلك الوقت تنويع مصادر الطاقة وتنويع مصادر شراء البترول والغاز. وخصوصاً اليابان وألمانيا وبلجيكا وفرنسا وغيرها... وفي هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي جاد شعبان إلى أن الأُسر اللبنانية تدفع بين 30 إلى 40 في المئة من ميزانتيها على النقل، بسبب غياب النقل العام. وتنفق الأسر 20 مليون دولار سنوياً على الأمراض الناتجة من التلوث، نتيجة غياب خطة النقل كذلك. ومن ناحية أخرى، يؤثر ارتفاع سعر البنزين على المواد الاستهلاكية كافة؛ فلبنان بلد مستورد لا منتج، وعمليات نقل البضائع تحتاج إلى وسائل النقل، التي تعتمد أساساً على البنزين. كل ذلك يؤدي إلى زيادة التضخم وتدهور في المستوى المعيشي. كذلك تدفع الدولة 400 مليون دولار سنوياً كبدلات نقل لموظفي القطاع العام. كل هذا الإنفاق سببه واحد: عدم إقرار خطة النقل العام، وعدم صياغة أي استراتيجية نفطية في لبنان. ويرى شعبان أن تأمين الدولة مخزوناً استراتيجياً من البنزين، يساعدها في التدخل بالسوق المحلية لخفض سعر هذه المادة على المواطنين حين يرتفع السعر عالمياً. أما عدم القيام بهذه الخطوة، فله مبرر واحد: القطاع الخاص هو الدولة، وشركات النفط المسيطرة على السوق يملكها نواب ووزراء أو مقربون منهم، وبالتالي لن يخزّن لبنان ولن يكرر ولن يستورد، ما دامت الدولة فيه يسيطر عليها كارتيل النفط.
اقتصاد
العدد ١٦٨٣ الجمعة ١٣ نيسان ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق