7‏/2‏/2012

المستثمرون العرب «قلقون»



الخروج ليس سهلاً... لكن المشاريع الجديدة مجمّدة

المخاوف من الاستثمار في لبنان تتزايد (مروان بو حيدر) 
القلق يسيطر على الواقع الاستثماري في لبنان. الأوضاع العربية، وخصوصاً السورية منها، رفعت من منسوب الحذر من السوق اللبنانية، فيما «المنكّهات» المحلية للمخاطر تزيد مرارتها يوماً بعد يوم. عدد من الاستثمارات العربية توقفت خلال الأشهر الماضية، والبعض الآخر أحجم عن التوسع. أسئلة بدأت تشغل «بال» المتابعين، أهمها: هل ستؤدي الخلافات العربية ــ اللبنانية الى خروج المستثمرين العرب من لبنان؟
رشا أبو زكي
هل ثمة مخاوف من هروب الاستثمارات العربية من لبنان تبعاً لامتداد الأزمة السورية الى أراضيه؟ هل سيتخذ «المستثمرون» قرارات سياسية بترك السوق اللبنانية، رداً على مواقف لبنان السياسية المتعلقة بالوضع السوري؟ أسئلة بدأت تتسلل الى عقول عدد من الاقتصاديين والمستثمرين. فحجم الاستثمارات العربية في لبنان ارتفع بين عامي 1993 و2010 بوتيرة متسارعة، على الرغم من أن غالبية الاستثمارات العربية تنحصر في القطاعين العقاري والمالي، إضافة الى الاستثمارات السياحية والتجارية...
«المخاوف لا تزال على مستوى فردي»، يقول عدد من المتابعين للملفات الاستثمارية. والوضع لم يتطور الى ذعر أو قرار حتى الآن، إلا أن المستثمرين العرب قلقون من السوق اللبنانية. يؤكد البعض توقف عدد من المشاريع الاستثمارية، وخصوصاً السياحية منها خلال الأشهر الماضية، مشاريع تقدّر قيمتها ببضعة مليارات من الدولارات. وبذلك، يصف المتابعون الوضع الاستثماري بالـ«حذر». وهذا الحذر ينعكس تراجعاً في النمو الاستثماري الذي وصل الى ملياري دولار بين عامي 2010 و2011، وفق تقرير اونكتاد الأخير.
فقد أظهر تقرير سابق لمصرف لبنان أن الحجم الإجمالي للاستثمارات العربية في لبنان بلغ حوالى 12 مليار دولار بين عامي 1985 و2008. وقد احتلت السعودية قائمة المستثمرين، وتبعتها الإمارات، الكويت، قطر، سوريا فالأردن. إلا أن إحصاءات المؤسسة العربية لضمان الاستثمار تشير الى أن حصة لبنان من تدفق الاسستثمارات العربية البينية بين عامي 1995 و2010 وصلت الى 14،8 مليار دولار. أما جنسية المستثمرين، فهي: سعودية، إماراتية، كويتية، سورية، عراقية.
حتى الآن ليس هناك هروب للرساميل والاستثمارات العربية من لبنان، يقول الخبير الاقتصادي ايلي يشوعي، لكن ثمة تراجع في نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي. يصف الوضع الاستثماري بالـ «حذر»، لافتاً الى جمود استثماري واقع، من دون أن يعني ذلك انتهاء الحالة الاستثمارية الجاذبة للسوق اللبنانية. يرى يشوعي أن عدداً من القطاعات لا يزال مرغوباً، ومنها القطاع العقاري والمصرفي والسياحي والصناعي، لكن الأوضاع السورية تؤثر في ارتفاع نسبة المخاطر في لبنان، والعلاقة المترابطة بين البلدين تنعكس بطبيعة الحال على الواقع الاستثماري في لبنان.
تبين تقارير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أن الاستثمارات الإماراتية في لبنان تتوزع بين مشاريع خاصة واخرى حكومية، وهي ترتفع بقيمتها عن 3 مليارات دولار، فيما بلغت قيمة الاستثمارات السعودية في لبنان حتى الآن نحو خمسة مليارات و330 مليون دولار، بحسب ما صرح به سابقاً رئيس مجلس الأعمال السعودي ـــــ اللبناني عبد المحسن الحكير، وتتركز في العقار ثم السياحة وبعض الصناعات الأخرى (علماً أن هذا التصريح القديم استُتبع بتشكيك في حجم الاستثمار السعودي في لبنان). كذلك، تصل الاستثمارات الكويتية التي تتركز في القطاعات العقارية والسياحية والخدماتية الى ملياري دولار، وأيضاً تصل الاستثمارات القطرية في لبنان الى ملايين الدولارات.
«توزيعة» استثمارية كهذه يمكن أن تثير خوفاً أكيداً، بحسب الخبير الاقتصادي مازن سويد. وهذا الخوف، لم يبدأ هذا العام، بل عام 2010، مع ارتفاع حدة التوتر السياسي الداخلي، لتظهر مفاعليه عام 2011 انخفاضاً كبيراً في النمو الاستثماري في لبنان. ويمكن الاستدلال على حالة التخوف السائدة من خلال حركة ودائع المصارف. فهذه الحركة تباطأت في العام الماضي من حيث النمو، فيما حصل عجز في ميزان المدفوعات بعدما حقق فائضاً خلال السنوات الماضية، إضافة الى تراجع تدفقات الاستثمارات العربية، بحيث سينخفض حجمها عن ملياري دولار هذا العام. وبحسب سويد، فإن قطاعي العقارات والسياحة تضررا كثيراً بفعل الأزمة المحلية والاضطرابات العربية.
«الوضع ليس كارثياً» يقول سويد، الا أن الجمود القائم حالياً في لبنان يبدو أنه سيستمر، ولذلك انعكاسات سلبية اقتصادياً واجتماعياً. فالقاعدة التي يتبعها الاستثمار هي: «حين ترتفع المخاطر، لا بد من الانسحاب». حالياً لم يشهد لبنان انسحابات استثمارية، بل ضعفاً في التدفق، مجهول المصير في المستقبل.
والمفارقة، أن لبنان الذي كان يستفيد من أزمات المنطقة، عجز عن القيام بذلك حالياً، «فالمخاطر الموجودة في السوق المحلية كبيرة أيضاً».
وقالت مصادر في شركة عقارية لـ«الأخبار» إن الحالة لم تقتصر على جمود. فقد توقف عدد من الاستثمارات العربية في لبنان. منذ سنتين تقريباً، بدأ العمل على مشروع أوتيل الحياة، وهو استثمار سعودي في بيروت، قيل إن هذا المشروع سيؤمن 500 فرصة عمل، الا أنه بعد الوصول الى المراحل الختامية فيه، قرر المستثمر منذ 6 اشهر وقف العمل نهائياً فيه. هذا الواقع، انسحب كذلك على عدد من المشاريع السياحية الأخرى.
في المقابل، قرر عدد من المستثمرين من الجنسيات القطرية والسعودية والكويتية والإماراتية عدم المباشرة باستثمارات جديدة، كان يمكن أن تصل قيمتها الى حوالى 7 مليارات دولار. علماً أن هؤلاء أنجزوا الدراسات المتعلقة بهذه المشاريع.
وإن كان المشروع الاستثماري يقاس بحجمه، أو بالصدى الإعلامي الذي يخلّفه، فإن الاستثمارات العربية تأخذ أشكالاً أخرى في السوق اللبنانية. ويشرح رئيس غرفة بيروت وجبل لبنان محمد شقير أن المستثمرين الخليجيين موجودون في كل القطاعات الحيوية في لبنان. فهم مساهمون في شركات صناعية وعقارية ومصرفية، كذلك، فإن عدداً كبيراً من المجموعات الخليجية تعدّ من الوكلاء الأساسيين لعدد كبير من السلع الأجنبية المطروحة في السوق اللبنانية، وخصوصاً في مجال بيع التجزئة، وفيما كان يُعلَن دخول مجموعات استثمارية جديدة الى لبنان سنوياً، فإن هذا العام شهد اختفاءً مطلقاً لهذه المجموعات.
شقير يرى أنه ليس من السهل على المستثمرين العرب الخروج من لبنان، بسبب الأموال الضخمة التي أُنفقت على المشاريع، الا أن الأكيد أنه لا توسيع للأعمال، ولا استثمارات ضخمة جديدة ستدخل الى لبنان. فالسوق اللبنانية تحمل حالياً مخاطر فعلية على رأس المال.


165 مليار دولار
هو حجم
التدفقات الاستثمارية العربية البينية بين عامي 1995 و2010، وفق المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، بمتوسط سنوي 10.3 مليارات دولار، ويحتل لبنان المرتبة الثالثة بعد السعودية والسودان.


ماذا عن الاستثمارات اللبنانية؟
تعاني الاستثمارات اللبنانية في الدول العربية خسائر ومشكلات عديدة، فقد تضرر عدد من المشاريع في الدول التي تشهد اضطرابات، الا أن أياً من هذه الإشكالات لم يتخذ طابعاً سياسياً، وفق رئيس الاتحاد اللبناني الدولي للأعمال روبير جريصاتي. أما في الدول الخليجية، فلا تزال الاستثمارات اللبنانية محافظة على ثبات نسبي. الاستثناء هو في البحرين، حيث الاستثمارات رهن التطورات. فيما الحركة الاقتصادية في السوق السورية تراجعت 50%، وفق رئيس غرفة التجارة في بيروت محمد شقير، ما انعكس خفضاً في عدد الموظفين.
اقتصاد
العدد ١٦٢٩ الثلاثاء ٧ شباط ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق