13‏/12‏/2011

جثث أمام وزارة الصحة خليل: الضمان الشامل قريباً



(تصوير مروان طحطح)
انطلقت حملة «حقي عليي» في باكورة اعتصاماتها من أمام وزارة الصحة. مطلبها إقرار الضمان الشامل لجميع اللبنانيين. وزير الصحة علي حسن خليل ترك وزارته ليناقش المعتصمين. الحوار بين الطرفين دام نحو ساعة. أكد خليل أنه يُعدّ لخطة متكاملة لتحقيق هذا المشروع، فيما أعلن المعتصمون أن محطاتهم المقبلة هي وزارتا العمل والمال، والاتحاد العمالي وهيئة التنسيق النقابية
رشا أبو زكي
منذ أيام، ادّعى عدد من الشباب في حملة «حقي عليي» أنهم مرضى. وزارة الصحة كانت مقصدهم. دخلوا كلّ على حدة. بعد أسئلة عديدة، أجابهم أحد الموظفين: «لنتحدث بصراحة. بما أنكم غير خاضعين للضمان الاجتماعي، لا يمكنكم الدخول إلى المستشفى بتغطية من وزارة الصحة إلا عبر الواسطة». كانت هذه العبارة حافزاً إضافياً لإقرار الاعتصام الأول للمجموعة الشبابية أمام وزارة الصحة تحت عنوان «دقيقة موت أمام وزارة الصحة. نحو إقرار الضمان الشامل لجميع اللبنانيين». وهذه العبارة، أيضاً، قالها جنيد (شاب في الحملة)، كما هي، في وجه وزير الصحة العامة علي حسن خليل الذي قرّر الانضمام إلى الشباب في اعتصامهم، لمحاورتهم.
حوار استمر نحو ساعة، فوق نحو 10 جثث (اصطناعية) ترمز إلى موت عدد من المواطنين غير المضمونين على أبواب المستشفيات الرافضة لاستقبالهم. عينا خليل اللتان كانتا تلاحقان الشعارات المرفوعة في الاعتصام، نطقتا قبل أن ينطق. قال إن السلطة السياسية بكاملها مسؤولة عن غياب هذا المطلب الاجتماعي الأساسي، «وقد يكون فريقنا السياسي مسؤولاً أيضاً». شبه الإقرار هذا لم يرض المعتصمين، فسارعوا إلى الهتاف «لا ثقة، لا ثقة».
صمت الوزير لحظة. سأله أحد المعتصمين: «كيف تكون وزيراً في السلطة، وفي الوقت ذاته تشاركنا مطلبنا، منتقداً السلطة؟ هل من أحد في العالم يعتصم ضد نفسه؟». تنتقل العيون إلى معتصم آخر: «حضرتك تطرح خطة أخرى للتغطية الصحية تقوم على خصخصة هذا القطاع عبر تسليمه إلى شركات التأمين. تريد من كل مواطن أن يدفع 60 دولاراً شهرياً لكي يحصل على حق الاستشفاء؟ أليس هذا حقاً مجانيّاً للمواطن مقابل ما يدفعه من ضرائب للدولة؟».
يتأهّب خليل للسؤال، مُهيّئاً الإجابة الصعبة: نحن في السلطة صحيح، ولكن تنفيذ مشروع كالتغطية الصحية الشاملة يحتاج إلى بنى تحتية. إن المشروع الذي تطرحه هو حق لكل لبناني، إلا أن النظام السياسي الطائفي حال دون تطبيقه. يدعو خليل الشبان إلى عدم بناء آرائهم على افتراضات غير واقعية يطلقها البعض وفق مصالحهم الضيقة. خطة وزارة الصحة لم تعلن بعد، ولم أقل يوماً إنني سألزّم التغطية الصحية لشركات التأمين. هناك فريق عمل في الوزارة يعمل على خطة متكاملة لتأمين ضمان صحي شامل، وهو يعمل على تفصيل الآليات التنفيذية للمشروع. خلاصة الخطة هي الآتية: على عكس الخطة التي طرحت على مجلس الوزراء (من قبل وزير العمل شربل نحاس) والتي تحمّل المواطن اللبناني 15 في المئة من كلفة الاستشفاء، الخطة التي سنطرحها ستؤمن تغطية صحية 100% ومن دون أي تكاليف إضافية يتحمّلها المواطن. ينتفض أحد المعتصمين، فقد شعر بأن الوزير يلمّح إلى أن الاعتصام مسيّس. يحمل المذياع، يقف في مواجهة خليل، ويقول: «يا معالي الوزير، تحاول تصنيفنا كما يُصنّف كل من يطالب بحق. نحن لا وزير يدعمنا، ولا جهة سياسية تقف خلفنا. نحن مواطنون نطالب بحق، ولا نقبل بأيّ منّة من أحد. وإن فشلت في مهمتك، فعليك الاستقالة. أما نحن، فسننتزع هذا الحق انتزاعاً».
صوت يصرخ من خلف خليل: «كيف ستموّلون هذه الخطة؟ من الضرائب على الفقراء؟». يحاول خليل الالتفات إلى الصوت، إلا أنه يكتفي بتعديل وقفته، يستكمل شرحه: «التمويل على عكس الخطة المطروحة على مجلس الوزراء التي تعفي أصحاب العمل من اشتراكات الضمان تحت شعار تأمين استمرارية عمل الأجراء. كذلك فإن خطتنا، على عكس الخطة الآنفة الذكر أيضاً، لن تتمحور حول تأمين مصالح المستشفيات الخاصة. سنبحث عن تمويل من الأثرياء، من زيادة الضرائب على الربح العقاري، وعلى الودائع المرتفعة، وعلى التعامل بالأسهم». يصفّق البعض لما طرحه خليل، صوت يرتفع: «لا ثقة، جرّبناكم، الآن تريدون إقناعنا بأنكم استفقتم لحقوقنا؟ ماذا كنتم تفعلون في السنوات الثلاثين الماضية؟». يهتف عدد من الشبان «جرّبناكم، جرّبناكم». يبتسم خليل، ينظر إلى المعتصمين، وبلهجة واثقة يؤكد: «أنا أدعوكم إلى الحوار. استمعوا إلى خطتي قبل أن تحكموا عليها. الخطة سترفع إلى مجلس الوزراء قبل 15 كانون الثاني. وحينها لكم القرار».
الحوار بين الشباب والوزير انتهى على وقع انتظار الخطة الموعودة. على جانب الطريق، يوزع شبان بيان صادر عن حملة «حقي عليي» على أصحاب السيارات. يشرح البيان أهداف الاعتصام، يفنّد المطالب، وموجبات التحرك. «لأن الفاتورة الصحية تأكل رواتب الموظفين وغير الموظفين. لأن أكثر من 50 في المئة من المواطنين غير مشمولين بالتغطية الصحية. لأن هذه السلطة تتحمل مسؤولية الجرائم التي ترتكب أمام أبواب المستشفيات الرافضة للمرضى. لأن كلفة الصحة في لبنان يمكن أن تنخفض 30 في المئة. لأن تغطية وزارة الصحة للاستشفاء تأتي على شكل تقدمة إلى المحتاجين».
بخط عريض يكتب المعتصمون مطلبهم: «بدنا نقول إنو نحنا أصحاب حق، مش محتاجين، وإنو الصحة حق مش امتياز...». ويحدد البيان الاستهدافات المقبلة لاعتصامات الحملة: «وزارة العمل، وزارة المال، الاتحاد العمالي العام وهيئة التنسيق النقابية». معتصم مشاكس تكاد ابتسامته تغطي ملامح وجهه. يحضن صديقه كمن اكتشف أنه فاز في لعبة اللوتو منذ لحظات. «صديقي، على الرغم من عددنا القليل، استطعنا أن نجذب اهتمام وزير الصحة. هل لاحظت في كلمة الوزير أنه ظهر كمن ينافس وزير العمل على تأمين التغطية الصحية؟ قال إنه سيؤمن تغطية صحية 100%، «منيحة»، فليتنافسا على هذا المطلب، أعتقد أننا سنُفاجأ بأحدهما يدفع من جيبه لينتصر على الآخر. «منيحة»، لعل الضمان الشامل يتحقق على أيامنا».
مجتمع
العدد ١٥٨٤ الثلاثاء ١٣ كانون الأول ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق