28‏/11‏/2011

سوريا «تأكل» العقوبات العربيّة... ولبنان «يضرس»





الترابط الاقتصادي بين البلدين سيجعل من لبنان ساحة عقاب ثانية (أرشيف)
بعدما أعلن العرب حزمة عقوبات على سوريا، خرجت تصريحات تؤكد أن دمشق لن تتأثر بسبب «تمتعها باكتفاء ذاتي في إنتاج السلع الأساسية». للمفارقة، تبنى عدد من السياسيين اللبنانيين هذه العبارة، متناسين أن بلدهم سيكون مهدداً، ولو كانت سوريا «محصّنة»
رشا أبو زكي
أقر وزراء الخارجية العرب أمس مجموعة عقوبات اقتصادية على دمشق، يتوقع أن تنعكس مباشرة على الاقتصاد اللبناني بكل تشعباته القطاعية. والانحدار التدريجي الذي أصاب لبنان جراء تواصل الأزمة في سوريا، سيتحول إلى «مهوار» فعلي. وإذا كان لبنان قد «نأى بنفسه» عن هذه القرارات في اجتماع وزراء الخارجية العرب، وإذا كانت هذه العقوبات تُعَدّ قرارات سيادية للدول، بحيث يحق للبنان عدم تطبيقها، إلا أن الترابط الاقتصادي بين البلدين سيجعل من لبنان ساحة عقاب ثانية.
البعض أشار إلى أن التأثيرات على لبنان ستكون محدودة، لكون الأزمة الكبرى قد حلّت مع بدء الاحتجاجات في سوريا، والعقوبات العربية ستكون ارتدادات للمشكلة لا أكثر. البعض الآخر رأى أن للعقوبات تأثيرات إيجابية محدودة على لبنان؛ إذ قد تستبدل واردات الدول العربية من سوريا بواردات من لبنان، ما يعزز التبادل التجاري العربي ـــــ اللبناني خلال الفترة المقبلة. كذلك ستزيد حاجة سوريا إلى الاستيراد من لبنان، ما يرفع من الإنتاج اللبناني ويوفّر سوقاً أساسية لتصريفه. إلا أن التعمّق في مدى الترابط الاستثماري بين البلدين، يذهب إلى استنتاجات معاكسة بأن التأثيرات السلبية لن تنحصر بلبنان وحده، بل بجميع الدول العربية التي ارتبطت خلال الفترة الماضية بمصالح اقتصادية مع سوريا.
وقد نص قرار العقوبات العربية على وقف التعامل مع البنك المركزي السوري ووقف المبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية «باستثناء السلع الاستراتيجية التي تؤثر على الشعب السوري». وتشمل العقوبات تجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية ووقف التعاملات المالية معها، ووقف جميع التعاملات مع البنك التجاري السوري، ووقف تمويل أي مبادلات تجارية حكومية من البنوك المركزية العربية مع البنك المركزي السوري، إضافة إلى الطلب من البنوك المركزية العربية مراقبة الحوالات المصرفية والاعتمادات التجارية باستثناء تلك المرسلة من العمالة السورية في الخارج وحوالات المواطنين العرب في سوريا.
ترابط هذه القرارات بالاقتصاد اللبناني، وخصوصاً القطاع المصرفي، واضحة؛ إذ تفيد مصادر مصرفية لبنانية مطلعة بأن المصرف المركزي السوري يمتلك ودائع في المصارف اللبنانية بقيمة 200 مليون دولار. كذلك فإن القطاع المصرفي اللبناني توسع سورياً في السنوات الأخيرة. فهناك 7 مصارف لبنانية عاملة على الأراضي السورية تنتظر مصيرها الغامض، وهي بنك سورية والمهجر، بنك عوده سورية، بنك بيبلوس سورية، فرنسبنك سورية، بنك الشرق، بنك سورية والخليج وبنك بيمو السعودي الفرنسي. هذا الأخير، وصلت إليه الآثار باكراً؛ إذ قرر مجلس إدارة البنك السعودي الفرنسي بيع حصته في بنك بيمو السعودي الفرنسي في سوريا، البالغة 27%، وحصته في بنك بيمو لبنان التي تناهز 10%. وقد قدم ممثلو البنك السعودي الفرنسي استقالتهم الفورية من عضوية أي من مجلسي إدارة البنكين المذكورين.
يرجح عدد من المتابعين أن ما حدث في بنك «بيمو» هو باكورة انعكاسات العقوبات والترنح الاقتصادي والمالي في سوريا على لبنان. ويرون أن الترابط المصرفي اللبناني السوري سيجعل من مصير الخسائر واحداً، مع اختلاف في نسب هذه الخسائر. وترى مصادر في هذا السياق، أن استنتاج تأثيرات العقوبات العربية على القطاع المصرفي اللبناني سابق لأوانه حالياً، في حين أن قراءة انعكاس التضييق على القطاع المصرفي السوري على لبنان تحتاج إلى أسبوع على الأقل للوصول إلى خلاصات علمية وواقعية.
إلا أنه لا أحد يمكنه الخروج باستنتاجات «وردية»؛ إذ يشرح أحد الاقتصاديين المطلعين على الملف أن القطاع المصرفي اللبناني موجود بفاعلية في السوق السورية؛ إذ للبنان 7 مصارف من أصل 13 مصرفاً خاصاً في سوريا، فيما يوجد بنك «إنتركونتيننتال سورية» الذي يحمل فيه «إنتركونتيننتال بنك» في لبنان 30% من أسهمه، و19% تعود لأفراد لبنانيين، لم يباشر عمله بعد نيله الترخيص الرسمي، ومن المتوقع تأجيل هذا الموضوع لفترة غير معلومة. كذلك، تعمل في المنطقة الحرة 3 مصارف لبنانية، هي: سوسييتيه جنرال، ولبنان والمهجر، والشركة المصرفية العربية التي يملك البنك اللبناني الفرنسي غالبية أسهمها.
ويشرح الخبير الاقتصادي السوري رياض تقي الدين لـ«الأخبار» أنه بغض النظر عن المساهمين العرب في المصارف ذات الجذور اللبنانية العاملة في سوريا، فإن قاعدة «رأس المال جبان» هي الأقوى. وبالتالي، فإن هذه المصارف ستصاب بمشكلات فعلية، والمشكلة الاقتصادية الموجودة في سوريا سيكون لها أثر مباشر على حجم الودائع الموجودة في هذه المصارف، وتالياً الأرباح والمكاسب. وهذه الخلاصات ليست نتاج تحليل سوري فقط؛ إذ إن عدداً كبيراً من المصرفيين اللبنانيين عبروا عن مخاوفهم هذه، في أحد الاجتماعات المصرفية التي عقدت في بيروت منذ نحو شهرين، يوضح تقي الدين.
وفي حين أن الدراسات دقيقة في ما يتعلق بالقطاع المصرفي السوري، إلا أنها تتخبط في تقديرها لحجم الاستثمارات العربية واللبنانية الموجودة في سوريا. يحاول رئيس المجلس الأعلى اللبناني السوري نصري الخوري أن يمتنع عن التعليق: «لا شيء مؤكد في ما يتعلق بحجم التأثيرات، ولا تقديرات علمية نملكها». إلا أن دراسة أعدت للمجلس أخيراً، تظهر أنّ في سوريا نحو 22 مشروعاً استثمارياً لبنانياً، ونحو 6 مشاريع ذات رأسمال لبناني عربي، أو لبناني سوري مشترك، هي: 3 مشاريع كويتية ـــــ لبنانية، مشروع لبناني ـــــ سعودي، مشروع لبناني ـــــ سوري ـــــ هندي وآخر لبناني ـــــ سوري. نتائج هذه الدراسة يمكن أن توصّف شكل المشكلة التي ستقع على كاهل المستثمرين اللبنانيين في هذه المشاريع، وآثارها البديهية على الاستثمارات اللبنانية المكمّلة في لبنان؛ إذ إن وقوع هذه الاستثمارات سيظهر في ميزانيات الشركات الاستثمارية هذه في لبنان.
هذا الترابط يضع رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان محمد شقير في دائرة القلق؛ فقد وصلت إلى مسامعه صرخات المستثمرين اللبنانيين في سوريا، من مختلف القطاعات. يشرح أن الاقتصاد اللبناني سيتأثر لا محالة من تصاعد الانهيار الاقتصادي السوري، والذي سيتعزز مع العقوبات العربية التي فُرضت على سوريا. إلا أن هذا القلق يتبدد قليلاً حين الحديث عن حجم الصادرات اللبنانية إلى دول الخليج؛ إذ يرى شقير أن امتناع هذه الدول عن الاستيراد من سوريا (نتيجة العقوبات أو نتيجة مواقف سياسية ـــــ تجارية خاصة)، سيؤدي إلى توجهها نحو السوق اللبنانية والأردنية. وكذلك ستتزايد حاجة السوق السورية إلى الصادرات اللبنانية، بعد أن تراجع التصدير إلى سوريا بنسبة وصلت إلى 90 في المئة حالياً. لكن الأكيد أن تراجع القدرة الشرائية السورية لن يعوض الخسائر التي لحقت بحجم الصادرات اللبنانية خلال الأشهر الماضية.
يشدد تقي الدين على أن العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا متشابكة بغض النظر عن المواقف السياسية والاجتماعية؛ إذ هناك ترابط تجاري واقتصادي كبير. وبعكس شقير، يشرح تقي الدين أن نتائج وقف التبادل التجاري الحكومي لن تكون ذات آثار ضخمة على سوريا؛ إذ إن التبادل التجاري الخاص سيبقى قائماً. لكن تُعَدّ السوق السورية مركزاً تجارياً أساسياً في المنطقة، ما سينعكس على الوكلاء التجاريين اللبنانيين (للشركات العربية الحكومية منها خصوصاً) الذين يعملون على استيراد المواد إلى سوريا؛ فهؤلاء سيخسرون السوق السورية طبعاً. والتأثيرات السلبية ستتركز لدى وكلاء مواد البناء والمواد الأولية الصناعية، إضافة إلى شركات التأمين.
يرى تقي الدين أن محاصرة سوريا ستكون لها انعكاسات مباشرة على المستهلك السوري واللبناني؛ إذ ستنشأ إطارات احتكارية جديدة، وسيتبعها ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية. من جهة أخرى، ستبقى حركة الترانزيت من لبنان إلى الدول العربية على حالها، وهي قد انخفضت أصلاً بفعل المخاطر الأمنية في المناطق السورية. لكن في حال اتخاذ قرار سوري بوقف استخدام الأراضي السورية للتصدير نحو الدول التي أسهمت في فرض العقوبات، يمكن القول إن الحركة التجارية ستصاب بنكسة في لبنان.


لبنان «يخسر» دوماً
يشرح خبير اقتصادي مطّلع أنه إضافة إلى خسائر الاستثمارات اللبنانية في سوريا، فإن لبنان غير قادر على استقطاب أية استثمارات عربية أو أجنبية، مستفيداً من العقوبات المفروضة على سوريا، وخصوصاً أن الوضع السياسي والأمني في لبنان يكاد يصل إلى نقطة الانفجار.
سياسة
العدد ١٥٧٢ الاثنين ٢٨ تشرين الثاني ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق