24‏/3‏/2011

غازي يوسف يخرّب MEAS !

روائح الفساد تفوح من شركة خاسرة تغتصب عقوداً سخيّة



فساد تمهيد للإفلاس؟ (بلال جاويش)
تسلّم مجلس الإنماء والإعمار أخيراً ملف التحقيق في مخالفات ترتكبها إدارة شركة «MEAS» في مطار بيروت الدولي التي يرأسها، خلافاً للقانون، النائب غازي يوسف। المخالفات تتعلق بفضائح مالية تقدّر بمليارات الليرات، تحقيق قد يجيب عن سؤال: «كيف يمكن شركة كهذه أن تخسر بعدما كانت تحقّق الوفورات في السنوات الماضية؟»


رشا أبو زكي
في مطار بيروت، هناك، حيث لا يمكن العين أن ترى سوى الطائرات وابتسامات المضيفات والمضيفين، هناك تحديداً بؤرة فساد معقّدة الى حد الجنون، هناك تتداخل السياسة بالصفقات والشبهات الأمنية، هناك تطير الدولارات مع إقلاع كل طائرة، وتختفي أموال عامة.
هنا شركة MEAS، التي انتقلت من شركة رابحة الى شركة خاسرة، فيها يجتمع الفساد بوجوهه النافرة، فساد يديره النائب غازي يوسف، الذي يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة ـــــ المدير العام لشركة «MEAS» خلافاً لكل القوانين منه تيار المستقبل وشركاء آخرون على الضفة الأخرى، ولا سيما رئيس مجلس النواب نبيه بري، وربما هذا هو السبب الكامن وراء عدم ممارسة بري واجباته في منع يوسف من الجمع بين النيابة وإدارة شركة للدولة. إنه عالم خاص من الفضائح، حيث أموال الشعب التي تذهب هدراً الى جيوب المتنفّعين، الى جيوب أشخاص تدور حولهم الشبهات، شبهات أخلاقية ومالية تكاد لا تنتهي، عن محاولة لإفلاس شركة مملوكة من الدولة، لمصلحة شركات خاصة تريد الاستحواذ على كل هذه الصفقات، وأن تصبح سيدة المال الذي يزهق.

تعهدات... منافع!
تعدّ «MEAS» شركة تابعة لطيران الشرق الأوسط وهي مملوكة بالكامل من مصرف لبنان، أنشئت عام 1998 تحت عنوان تشغيل وصيانة مطار بيروت وإنشاءاته، وتأسّست من رؤساء دوائر وحوالى 20 موظفاً نُقلوا من شركة طيران الشرق الأوسط. ويرى العاملون في القطاع أن الشركة أُنشئت لتقدم جوائز ترضية إلى بعض الأزلام والمتنفّعين وأصدقاء الحريري حينها، إذ وضعت إدارة الشركة متعهد أعمال لكل قطاع من قطاعات العمل في المطار، وكل متعهد له ارتباطات، وأرباحه تأتي من تضخيم الفواتير، إضافةً الى حصوله على امتيازات غير محصورة وكلها من المال العام. فقد تحولت الشركة الى وسيط، تشغل المطار عبر متعهدين، وتتقاضى أجور المتعهدين من مجلس الإنماء والإعمار (لكون كل شؤون المطار تابعة له). وبالطبع جميع التعهدات في المطار تجري من دون مناقصات، لا بل إن العديد من الشركات قدمت عروضاً لتسلّم بعض التعهدات بقيم تقل أضعافاً مضاعفة عن تلك التي تعرضها الشركات المتعهدة القائمة، إلا أنه طبعاً لم تُقبَل هذه العروض. فقد تسلّم روبير دباس (وهو شريك للحريري في بعض أعماله في الخارج) كل ما يتعلق بالميكانيك في المطار، وكلفة هذه الأعمال باهظة ومربحة جداً، ومن خلال شركة دباس سُلّمت تعهدات صيانة المصاعد لشركة «ميتسو إيفت» التي كانت تتقاضى أجور تصليحات ترتفع خمسة أضعاف عن القيمة المعروضة في السوق. وتسلّم رياض الأسعد تعهد تنظيف مجاري المياه والأمطار، وشخص من آل غلاييني تعهد «استقدام» عمال أجانب لكي يوجِدوا بديلاً عن كل من يتمرد على قرار إدارة الميدل إيست والـ «MEAS»، والأبشع، أن يكونوا أكثر تعرّضاً للاستغلال العنصري الشنيع من أجل تعظيم الأرباح... والسرقات، وهناك أيضاً بول أبو عرب، الذي يتعهد صالون الشرف لكبار الشخصيات. أما أهمّ المتعهدين، فهو طوني سعادة، وهو متعهد النظافة في المطار، وهو أيضاً «قصة بحد ذاتها»، إذ تربطه علاقة صداقة بالحريري وعلاقة «قوية جداً» بالمدير العام لشركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت، كما تسلّمت شركة ترانس صايغ، تعهدات الحمّالين في المطار، ومالكها مقرّب من رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، بحيث جاء به الأخير حين كان وزيراً للنقل، ويملكها أيضاً شخص من آل الروماني، وهو عبارة عن تقاطع بين الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو أيضاً ضابط سابق في الأمن العام طُرد بسبب اتهامات مالية، وخرج من السجن الى المطار... وغيرهم الكثير من المتعهدين.
هكذا تسلّم يوسف الشركة
حلّ شخص من آل حيدر أول رئيس مجلس إدارة للشركة، وقد كان قبل مجيئه الى مطار بيروت مسؤولاً في جهاز أمن المطار في لوس أنجلس، وفي عام 1999 بدأت تدور حوله شبهات أمنية، فهرب مباشرةً من المطار عبر إحدى الطائرات التابعة للحريري... وهكذا بعدما هرب حيدر، تسلّم شخص من آل دمج مجلس إدارة الشركة حتى عام 2002، الى أن دب الخلاف بينه وبين الحوت على خلفية تسلّم المتعهد طوني سعادة عقوداً غير منطقية ومرتفعة الثمن (ويقول المتابعون إن أصل خلاف دمج مع سعادة هو نفوذ الأخير الذي يفوق نفوذ دمج في الشركة)، فسعادة يلقّبونه في المطار بـ«أنتيم محمد الحوت»، وعقود التعهدات التي يستحوذ عليها تفوق بين ضعفين وثلاثة أضعاف الأسعار الحقيقية للأعمال التي يقوم بها، كما يحصل سعادة على ملحقات عقود من دون أي رقابة، لا على الأسعار التي يقدّمها ولا على نوعية الأعمال التي يقوم بها... وبالعودة الى مجلس الإدارة، أقال الحوت أسامة دمج بعد خلافه مع سعادة، فتسلّم نبيل نصار رئاسة مجلس الإدارة، وقد استطاع عدد من موظفي الشركة أن يستفيدوا من التناقضات خلال عهد نصار، الذي كان على خلاف مع المتعهد روبير دباس، كما أن هذا الأخير لم تعد تربطه علاقة جيدة بآل الحريري بعدما تسلّم سعد مقاليد الحكم، وبذلك أُوقفت أعمال دباس ومعظم أعمال المتعهد بول أبو عرب، ونفّذ موظفو الشركة الأعمال بأنفسهم محقّقين وفراً شهرياً في الشركة بقيمة 180 ألف دولار، وكان هدفهم أن يوقفوا أعمال جميع المتعهدين لتحقيق وفر يصل إلى مليون دولار سنوياً، وحينها اكتُشف حجم المخالفات والتجاوزات الضخمة في مجال تسلّم التعهدات وكلفة الأعمال الحقيقية... إلا أن نصار لم يكن يتواجد في الشركة كثيراً، إذ أصبح عمله ينحصر في تسيير الأعمال لا أكثر، وأصبحت الإدارة فعلياً بيد سعادة عبر يده اليمنى في الشركة، وهو رئيس دائرة المعلوماتية فيها محمد شاتيلا والسكرتيرة الدائمة رولا الأشقر... وبذلك تعاظم نفوذ سعادة كثيراً، الى أن جاء نصار الى الحوت وفي فمه طلب: إن لم تطرد سعادة فسأستقيل، فردّ الحوت: «فليكن». سافر نصار الى أبو ظبي قبل أن ينفذ استقالته بعشرة أيام، فأصيب بجلطة أدخلته في «الكوما» لمدة شهرين في أواخر عام 2008... وهكذا تسلّم النائب غازي يوسف مجلس الإدارة في أوائل عام 2009.
عهد غازي يوسف
النائب يوسف، الذي يُعدّ وجوده في رئاسة مجلس إدارة شركة مملوكة من الدولة مخالفاً للقانون بطريقة مطلقة، لم يعر هذا التفصيل اهتماماً، وكان وصوله الى سدة الرئاسة في الشركة بمثابة كارثة حقيقية، فيوسف لم يأت الى الشركة سوى ثلاث مرات منذ أوائل عام 2009، وكان يقضي نصف ساعة في الشركة لا أكثر... وقد اختصر يوسف الطريق من بدء مشواره، فلم يعاند أحداً، وقرر ألّا يزعج إمبراطور الشركة، فرقّى اليد اليمنى لسعادة، وهو محمد شاتيلا ليصبح مدير المشاريع في الشركة، وكتب يوسف تفويضاً لشاتيلا بأن يقوم بكل أعمال رئيس مجلس الإدارة والمدير العام. وخلال ولاية يوسف، انتهى عقد شركة «MEAS» مع الدولة، وكان من المفترض البدء باستدراج العروض لتشغيل المطار وصيانته، لكن الخلافات التي نشبت بين وزير الأشغال العامة غازي العريضي والرئيس سعد الحريري على خلفية «ميناء الصيادين» حالت دون اتخاذ أيّ إجراء لا بتمديد العقد ولا بتجديده، ولا لإقامة أيّ مناقصة، وبدأت الشركة العمل من دون أي عقد حتى هذه اللحظة، وتحت عنوان «تسيير أعمال مرفق عام»، وخلال هذه الفترة ضجت الشركة بالمخالفات وبدأت تخسر من دون أيّ مبرر منطقي.
فشركة «MEAS» تتقاضى حوالى مليون دولار شهرياً من مجلس الإنماء والإعمار كأجرة، وتضاف الى ذلك فواتير «برانية»، فإذا غيّرت الشركة لمبة واحدة في المطار، ترفع فاتورة الى مجلس الإنماء والإعمار وتضيف الى قيمة الفاتورة 10 في المئة كأجرة يد، ما أدى الى خلق أعمال وهمية بملايين الليرات كانت تذهب من المال العام الى جيوب المتنفّعين... فأين تذهب هذه الأموال؟ وبعدما كانت الشركة تحقق وفراً بين مليونين وثلاثة ملايين دولار سنوياً، لماذا أعلن يوسف حين مجيئه الى الشركة أن مصاريف الشركة عادلت إيراداتها، وليعلن في العام الماضي أن الشركة تخسر، الى أن وصل الى الاستدانة من شركة طيران الشرق الأوسط في الأشهر الأولى من هذا العام ليدفع أجور الموظفين؟ لماذا الخسارة في شركة لا يمكن أن تخسر؟
فالشركة تشغل مباني المطار «من دون أن تتعرف على أي شيء»، فهي لا تدفع فواتير كهرباء ولا مياه بل تلقي هذه المدفوعات على إدارة الطيران المدني، كما أنها لا تدفع سوى أجرة العمال وبعض المعدات، وكلفة هذه المصاريف لا تصل في أقصى حد إلى ثلث ما تقبضه من مجلس الإنماء والإعمار، فيما من المفترض أن يذهب الثلثان الى مصرف لبنان، إلا أن يوسف وظّف حوالى 30 شخصاً لا يقومون بأي عمل مقابل حصولهم على رواتب مرتفعة، وعملهم ينحصر في تغذية الانقسام في صفوف الموظفين لكي لا يتكتلوا في نقابات ضد إدارة الشركة، والشركة الكبرى أي «الميدل ايست»، فيما تعهدات سعادة ارتفعت أكلافها أضعافاً خلال ولاية يوسف، فمثلاً انتقل تعهد قص الأعشاب والحشائش على مدارج المطار من رياض الأسعد الى سعادة، وبكلفة ارتفعت 10 أضعاف عن القيمة الحقيقيّة لهذه الأعمال. وكذلك استأجرت «MEAS» من شركة تأجير سيارات (صاحبها صديق للحوت وزوجته) 20 سيارة للتنقل داخل المطار، وانقسمت بين سيارات رينو، أجرة السيارة الواحدة 500 دولار شهرياً، وبيك آب نيسان، 750 دولاراً شهرياً، مع أنه كان يمكن إدارة «MEAS» أن تشتري هذه السيارات، وخصوصاً أنّ سعر الواحدة منها بالتقسيط 250 دولاراً شهرياً ومن دون دفعة أولى!
الأمور لم تعد خافية على أحد، فقد قدمت الشركة أخيراً فواتير الى مجلس الإنماء والإعمار ليتبين أن لا أعمال حصلت بقيمة هذه الفواتير... الفواتير والمخالفات أصبحت في عهدة المجلس الذي أعلن فتح تحقيق فيها، والمتابعون يرون أن ثقتهم بمن تسلّم الملف عالية جداً، إلا أن أملهم لا يزال معلقاً بسؤال: هل ستكون هذه الفضائح إخباراً للنيابة العامة المالية؟ هل سيجري تأليف لجنة تحقيق مالية والدخول الى الدائرة المالية في الشركة التي يديرها موظف يعمل من دون صفة قانونية بعد خروجه منذ سنوات الى التقاعد؟ أم سيستمر هدر المال العام وتوزيع التنفيعات على المتعهدين وبعض الموظفين لشراء ولائهم من دون أيّ محاسبة؟


1500 دولار
هو قيمة استئجار مدير المشاريع في «MEAS» محمد شاتيلا سيارة بلايزر رباعية الدفع، وتجدَّد السيارة كل عام لتبقى «موديل السنة»، وكل ذلك من حساب ميزانية الشركة، إضافةً الى مليون ليرة شهرياً ثمن بنزين، والأنكى أنه يتقاضى من الشركة «بدل نقل» بقيمة 8 آلاف ليرة يومياً!

سكوت أم تواطؤ؟
يشير العاملون في المجال إلى أن موقف بعض قوى «المعارضة السابقة» مثير للريبة، إذ إن حزب الله يعلن عبر موظفيه أن لا علاقة له بكل ما يجري ولن يتدخل، وكذلك التيار الوطني الحر، فيما يظهر تقاطع مصالح كبير بين موظفي حركة أمل والحوت وأزلامه في الميدل إيست والمطار، ويردد هؤلاء أن الحوت محرج لأن الشركة ستطير من يده، بعدما لمّح رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى أنه يريد الشركة عبر ابنه عبد الله وأخيه ياسر، أو عبر تسليمها إلى آل الخرافي، الذين تربطه بهم علاقة عمل وطيدة، كما يتردد من ناحية أخرى، أن نبيه بري لم يسمح بفضح ممارسات تيار المستقبل لأنه ينتظر إفلاس الشركة فيربح هو عقد صيانة وتشغيل المطار، بدلاً من تحصين شركة هي ملك المواطنين!
اقتصاد
العدد ١٣٧١ الخميس ٢٤ آذار ٢٠١١

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق